أعلنت الكويت يوم الجمعة 24 أبريل تسجيل أضرار مادية في موقعين على الحدود الشمالية بعد هجوم نفذته 2 طائرة مسيرة مفخخة قادمة من العراق من دون وقوع إصابات بشرية.

 

يكشف الهجوم الجديد حدود الخطاب الرسمي الذي يكتفي بإعلان الأضرار بعد وقوعها بينما يجد المواطن الخليجي نفسه أمام صراع إقليمي يتحرك فوق الحدود والمنشآت الحيوية من دون حماية سياسية تمنع تحويل المنطقة إلى ساحة رسائل عسكرية.

 

مسيرات قادمة من العراق تضرب الحدود الشمالية

 

في بداية الحادث قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الكويتية إن موقعين من المراكز الحدودية البرية الشمالية تعرضا لهجوم وصفه بالعدواني بواسطة 2 طائرة مسيرة مفخخة موجهة بسلك الألياف الضوئية وقادمة من العراق.

 

وبعد إعلان مصدر الهجوم أكدت وزارة الدفاع الكويتية أن الأضرار بقيت مادية فقط وأن الجهات المختصة باشرت التحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث ومتابعة آثاره على المراكز الحدودية المستهدفة.

 

وبذلك قدم البيان الرسمي معلومة خطيرة عن اتجاه الطائرات وطريقة توجيهها لكنه لم يقدم للرأي العام الكويتي إجابة واضحة عن كيفية وصول الطائرات إلى هدفين حدوديين قبل منع الضرر.

 

وفي هذا السياق تزداد أهمية توصيف الطائرات بأنها موجهة بسلك الألياف الضوئية لأن هذه التقنية تقلل اعتماد المهاجم على الاتصالات اللاسلكية وتفرض تحديا إضافيا على منظومات الرصد والتشويش التقليدية.

 

ومن هنا يرى الباحث مايكل نايتس المتخصص في شؤون الفصائل المسلحة العراقية أن الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية ضد أهداف خليجية أو أمريكية تحمل غالبا طابع العمليات المنسوبة إلى واجهات عسكرية تخفف كلفة الاتهام المباشر.

 

ولذلك يضع الهجوم الجديد الحكومة الكويتية أمام سؤال سياسي وأمني مباشر لأن إعلان قدوم المسيرات من العراق لا يكفي وحده ما لم يتبعه تحرك معلن يحدد المسؤولية ويمنع تكرار استخدام الحدود الشمالية كممر عسكري.

 

غياب الجهة المنفذة يفتح ملف الفصائل والردع

 

بعد ذلك لم تسم السلطات الكويتية جهة محددة تقف وراء الهجوم رغم أن فصائل عراقية موالية لإيران أعلنت خلال الفترة الماضية استهداف ما وصفته بالمصالح الأمريكية في المنطقة دعما لطهران خلال المواجهة العسكرية الأخيرة.

 

ويعني هذا الغياب أن الحكومة الكويتية اختارت التريث في الاتهام المباشر لكنها لم تستطع إخفاء حقيقة أن مصدر الطائرات من العراق يربط الحادث بساحة نفوذ الفصائل المسلحة وبشبكات القرار غير الرسمية داخل العراق.

 

وفي هذا الإطار يربط الباحث حمدي مالك المتخصص في الفصائل العراقية بين نشاط هذه المجموعات وقدرتها على استخدام أسماء واجهة وبين توسيع نطاق الضغط على دول الخليج عندما تتصاعد المواجهة بين إيران وخصومها.

 

وبسبب هذا النمط تصبح الكويت هدفا سهلا في معادلة لا تصنعها حكومتها وحدها لأن الفصائل تستخدم الجغرافيا العراقية وتختبر ردود الخليج وتراهن على ضعف الكلفة السياسية عندما لا تصدر اتهامات رسمية واضحة.

 

ثم يأتي إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء تمديد الهدنة مع إيران بناء على طلب باكستان حتى تقدم طهران مقترحا جديدا من دون سقف زمني ليزيد غموض المشهد الأمني في الخليج.

 

وبناء على ذلك لا يبدو هجوم الجمعة حادثا معزولا لأن الهدنة غير محددة المدة لم توقف حركة الرسائل العسكرية بل نقلت بعض كلفتها إلى الحدود والمنشآت التي تديرها حكومات عربية أمام شعوبها ببيانات مقتضبة.

 

سوابق أبريل تكشف ضعف الحماية واتساع الخطر

 

قبل هذا الهجوم أعلنت القوات المسلحة الكويتية يوم 10 أبريل تعاملها خلال 24 ساعة مع 7 طائرات مسيرة معادية اخترقت المجال الجوي الكويتي واستهدفت منشآت حيوية تابعة للحرس الوطني.

 

وبعد ذلك الإعلان قالت القوات الكويتية إن المسيرات تسببت في إصابات وأضرار مادية جسيمة وهو ما جعل حادث 24 أبريل أول إعلان رسمي جديد عن هجوم بعد أقل من أسبوعين على واقعة أكبر حجما.

 

ومن ثم يضع تكرار الهجمات خلال شهر أبريل الحكومة الكويتية أمام حصيلة لا تسمح بالتقليل من الخطر لأن الانتقال من 7 مسيرات إلى 2 مسيرة مفخخة على الحدود يعني استمرار القدرة المعادية على اختبار الثغرات.

 

وفي هذه النقطة يشير فابيان هينز المتخصص في الصواريخ والطائرات المسيرة إلى أن انتشار تقنيات المسيرات والصواريخ الدقيقة في الشرق الأوسط منح الأطراف المسلحة أدوات ضغط رخيصة نسبيا ضد المنشآت والحدود والقواعد.

 

ولذلك لا تكفي بيانات الطمأنة عندما يضرب الخطر منشآت حيوية ثم يعود إلى المراكز الحدودية لأن المواطن يحتاج إلى معرفة أين أخفقت الحماية وأي إجراءات ستمنع تكرار السيناريو نفسه خلال الأيام المقبلة.

 

كما أن تكرار الحوادث يؤكد أن الكويت وعددا من الدول العربية دخلت فعليا دائرة تداعيات الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ نهاية فبراير.

 

ومن جهة أخرى شملت بعض الضربات الإقليمية منشآت مدنية وبنية تحتية وهو ما دفع حكومات عربية إلى إصدار إدانات ودعوات لتحييد دول المنطقة عن الصراع من دون امتلاك أدوات كافية لفرض هذا التحييد.

 

وبحسب خلفية المواجهة بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران في 28 فبراير قبل إعلان واشنطن وطهران هدنة مؤقتة في 8 أبريل بوساطة باكستانية بعد مواجهات خلفت أكثر من 3,000 قتيل.

 

وعلى هذا الأساس تكشف حادثة الحدود الشمالية أن الهدنة السياسية لا تعني انتهاء الخطر الميداني لأن المسيرات تحولت إلى أداة ضغط عابرة للحدود بينما تستمر الحكومات في إصدار بيانات لا تشرح حجم الفشل الأمني.

 

وفي الخلاصة تقف الكويت أمام اختبار لا يتعلق بإصلاح مركزين حدوديين تضررا فقط بل يتعلق بحق الناس في معرفة المسؤول ومنع تحويل أراضيهم إلى صندوق بريد عسكري بين إيران وخصومها وبين فصائل العراق والدول الخليجية.

 

وتبقى الرسالة الأشد وضوحا أن الحكومة التي لا تكشف مسار الخطر ولا تحدد كلفة التقصير ولا تعلن خطة ردع قابلة للمحاسبة تترك حدودها مكشوفة وتترك مواطنيها ينتظرون البيان التالي بعد كل مسيرة جديدة.