قال مصطفى مدبولي، خلال جولته صباح 23 أبريل 2026 في منطقة السخنة الصناعية المتكاملة التابعة للهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إن الحكومة افتتحت 9 مشروعات صناعية جديدة في قطاعات هندسية ومعدنية ودوائية ونسيجية وزجاجية وكيماوية وبولي يوريثان وتعبئة وتغليف وإعادة تدوير، بإجمالي استثمارات 182.5 مليون دولار، وتوفير أكثر من 1300 فرصة عمل، على مساحة 337,998 مترًا مربعًا.
وخلال اليوم نفسه، قال أيضا إن عدد المصانع التي أُنشئت داخل المنطقة تجاوز 200 مصنع، بإجمالي استثمارات بلغ 6.5 مليار دولار، وإن المنطقة تضم مستثمرين من أكثر من 28 دولة. وشارك في الجولة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزراء الاستثمار والتخطيط والصناعة، وكان في الاستقبال محافظ السويس ورئيس الهيئة الاقتصادية وممثلو المطورين الصناعيين والشركات المنفذة. هذه هي الصورة التي دفعت بها الحكومة إلى المجال العام اليوم.
الحكومة قدّمت هذه الجولة باعتبارها دليلًا جديدًا على نجاح نموذج المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جذب الاستثمارات وتوطين الصناعة وربط الموانئ بالمناطق الإنتاجية، كما استندت إلى ما تصفه بحزمة حوافز استثمارية وتشريعية خاصة تمنح المستثمرين بيئة أكثر مرونة وسرعة. لكن الوقائع المنشورة اليوم لا تحسم السؤال الأهم الذي يخص الاقتصاد المصري فعليًا، وهو ما إذا كانت هذه المصانع ترفع القيمة المضافة المحلية وتخفف فاتورة الاستيراد وتخلق تشغيلًا مستقرًا، أم أنها تعمل داخل جيب استثماري منفصل يستفيد من الأرض والحوافز والطاقة والموقع ثم يترك الداخل المصري أمام مكاسب محدودة ومعلنة بلغة دعائية أكثر من لغة الحساب الاقتصادي الدقيق. هذا السؤال لا تطرحه الحكومة في بياناتها، لكنه يفرض نفسه بقوة في ظل أزمة تكلفة إنتاج وضغوط ديون وتراجع نشاط القطاع الخاص غير النفطي.
عدد المصانع يرتفع لكن العائد المحلي ما زال غامضًا
لكن الأرقام التي أعلنتها الحكومة اليوم لا تكفي وحدها لإثبات جدوى اقتصادية صلبة. فافتتاح 9 مشروعات باستثمارات 182.5 مليون دولار مقابل 1300 فرصة عمل يعني، بحساب مباشر، أن متوسط الاستثمار يقترب من 140 ألف دولار لكل فرصة عمل. هذا الرقم لا يصبح إيجابيًا إلا إذا ارتبط بصناعة كثيفة التكنولوجيا أو بقدرة مؤكدة على التصدير والإحلال محل الواردات.
وفي هذا السياق، لم تنشر الحكومة في تغطيات 23 أبريل 2026 نسب المكون المحلي في هذه المشروعات، ولم تعلن حجم ما ستوفره فعليًا من الواردات، ولم تكشف عقود التوريد المحلية أو خطط الربط مع المصانع المصرية المغذية. كما أنها لم تعرض رقمًا واحدًا عن الصادرات المتوقعة من كل مشروع على حدة. وهذا استنتاج مباشر من البيانات المنشورة اليوم، التي اكتفت بالحديث العام عن التوطين وجذب الاستثمار.
كما أن الدكتورة عبلة عبد اللطيف، المديرة التنفيذية للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، كانت قد شددت على أن تحفيز الصناعة لا يُقاس بمجرد خفض التكلفة أو زيادة الحوافز، بل يحتاج إلى خريطة استثمار صناعي مبنية على تحليل سلاسل القيمة، تستهدف ما تحتاجه الدولة لتعظيم التصدير وخفض الاستيراد. هذا المعيار يضرب في صميم الخطاب الحكومي الحالي، لأن الحكومة أعلنت الافتتاح ولم تعلن خريطة القيمة المضافة.
ثم إن الدكتورة عالية المهدي ربطت تنافسية الصناعة المصرية منذ سنوات بتكلفة الغاز والكهرباء ومدخلات الإنتاج، كما نبهت إلى أن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على السوق العالمية في استيراد السلع الوسيطة والرأسمالية ومدخلات الإنتاج. لذلك فإن أي مصنع جديد لا يملك قاعدة توريد محلية واضحة قد يرفع رقم الاستثمار على الورق، لكنه يظل معتمدًا عمليًا على واردات وسيطة وضغط دائم على العملة الأجنبية.
المشكلة ليست في الافتتاح بل في البيئة التي تعمل فيها المصانع
غير أن هذه الافتتاحات تأتي في توقيت ضاغط على الصناعة نفسها. فقد أظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادر عن ستاندرد آند بورز جلوبال أن القطاع الخاص غير النفطي في مصر انكمش في مارس 2026 للشهر الرابع على التوالي، وهبط المؤشر إلى 48.0، مع تراجع في الإنتاج والطلبات الجديدة وارتفاع تكاليف المدخلات بسبب الوقود والسلع المستوردة وقوة الدولار. وقال الخبير الاقتصادي ديفيد أوين إن الحرب في المنطقة دفعت التوقعات المستقبلية إلى السلبية لأول مرة.
وبعد ذلك بأسابيع، أعلن مدبولي نفسه أن الحكومة ستبطئ بعض المشروعات الحكومية كثيفة استهلاك الوقود والسولار لمدة شهرين على الأقل بسبب آثار الحرب وارتفاع الضغوط على الطاقة. هذا القرار يكشف أن الدولة تتحرك تحت ضغط التكلفة لا من موقع الاستقرار، وأن أي توسع صناعي جديد سيصطدم فورًا بسوق طاقة مضطرب وبأسعار نقل وإنتاج أعلى.
كما أن صندوق النقد الدولي قدّر في تحديث أبريل 2026 أن مدفوعات الفائدة في مصر تقترب من 15 بالمئة من الناتج المحلي، بينما ذكر تقرير آخر للصندوق في أبريل أن مدفوعات الفائدة تبتلع نحو 73 بالمئة من الإيرادات. وأشار البنك الدولي أيضا إلى أن مدفوعات الفائدة الكبيرة تزاحم الإنفاق ذي الأولوية، فيما أظهرت بيانات وزارة المالية التي نقلتها الأهرام أن خدمة الدين استحوذت على نحو 83 بالمئة من إيرادات الموازنة خلال النصف الأول من السنة المالية 2025-2026. في هذا السياق، لا تبدو الافتتاحات معزولة عن أزمة تمويل أوسع تخنق الاقتصاد كله.
ولهذا يكتسب تحذير الدكتور محمد فؤاد وزنه الفعلي هنا. فقد قال إن الاقتصاد المصري يعاني من الاعتماد على اقتصاد تمويلي بدلًا من اقتصاد تشغيلي، كما قال إن الاقتصاد في حالة احتياج دائم إلى دعم من الخارج مهما بدت المؤشرات متحسنة لفترات محدودة. وعندما تُقرأ هذه الملاحظة بجوار افتتاحات اليوم، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تصنيع ينتج دخلًا ذاتيًا مستدامًا، أم أمام واجهة توسع لا تزال تحتاج إلى تمويل خارجي وطاقة مستوردة وسوق هش.
منطقة بحوافز واسعة لكن من دون كشف حساب علني
وفي المقابل، تؤكد الهيئة الاقتصادية لقناة السويس على موقعها الرسمي أن المنطقة تتمتع بأنظمة استثمار جاذبة، وحوافز تنافسية، واستقلال تنظيمي أوسع بموجب تعديلات 2015، مع إمكانية منح حوافز إضافية بقرار من مجلس الإدارة وموافقة مجلس الوزراء. هذه المزايا قد تكون أداة مفهومة لجذب المستثمرين، لكنها تجعل الحاجة أكبر إلى كشف حساب علني يحدد ما الذي يحصل عليه المستثمر، وما الذي يحصل عليه الاقتصاد المصري في المقابل.
لكن تغطيات اليوم لم تعرض هذا المقابل بوضوح. فلم تنشر الحكومة متوسط الأجور المتوقعة في المشروعات الجديدة، ولم تكشف نسبة العمالة المصرية الماهرة إلى غير الماهرة، ولم تحدد خطط نقل التكنولوجيا، ولم تعرض جداول زمنية واضحة للإحلال محل الواردات، رغم أنها تحدثت عن قطاعات كانت مصر تستورد بعض منتجاتها من الخارج. ومع غياب هذه التفاصيل، يبقى الحديث عن خدمة الاقتصاد المصري مجرد دعوى غير مكتملة.
كما أن تحويل المنطقة إلى مركز صناعي إقليمي لا يتحقق بإضافة مصانع فقط، بل بتحويلها إلى شبكة إنتاج محلية مرتبطة بالموردين المصريين والتعليم الفني والبحث التطبيقي والتصدير المنظم. وهذا تحديدًا ما شددت عليه عبلة عبد اللطيف حين ربطت الصناعة بتحليل سلاسل القيمة، وما لم توضحه الحكومة اليوم في أي بيان منشور عن الجولة أو المؤتمر الصحفي.
لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يبدأ من إنشاء المصنع نفسه، بل من الطريقة التي تُدار بها الحوافز العامة في اقتصاد محدود الموارد. فإذا كانت الدولة تمنح أرضًا ومرافق وحوافز تنظيمية وضريبية وطاقة مدعومة نسبيًا في لحظة تعاني فيها الموازنة من ضغط الفائدة وخدمة الدين، ثم لا تنشر مؤشرات أداء مفصلة لكل مشروع، فإن العبء ينتقل من دفتر المستثمر إلى كلفة عامة يتحملها المجتمع من دون شفافية كافية.
وفي المحصلة، لا يقدم افتتاح 9 مشروعات جديدة ولا رقم 200 مصنع إجابة حاسمة على سؤال الجدوى. ما تقدمه الحكومة اليوم هو صورة سياسية كثيفة الإخراج، لكن ما تحتاجه السوق المصرية هو وثائق تشغيل وتصدير ومكون محلي وتكلفة حوافز وعائد صافٍ على العملة الأجنبية. ومن دون هذه البيانات، يصبح الاحتفاء بالعدد أقرب إلى دعاية افتتاح منه إلى برهان اقتصادي.
وأخيرًا، لا يوجد في الوقائع المنشورة اليوم ما يثبت أن هذه المصانع ستتحول تلقائيًا إلى رافعة للاقتصاد المصري. الذي يمكن توثيقه الآن هو أن الحكومة افتتحت مشروعات جديدة داخل منطقة تملك حوافز خاصة، في وقت يعاني فيه القطاع الخاص من انكماش وتكاليف مرتفعة، وتلتهم فيه الفوائد جزءًا ضخمًا من الإيرادات العامة. وعند هذه النقطة، يصبح السؤال الأدق ليس كم مصنعًا افتُتح، بل كم مصنعًا سيترك أثرًا محليًا قابلًا للقياس. وحتى تعلن الحكومة هذا الأثر بالأرقام، يظل الخوف من تحوّل هذه التوسعات إلى عبء إضافي خوفًا له أساس واضح، لا مجرد موقف سياسي غاضب.

