عادت تحركات رجل الأعمال إبراهيم العرجاني إلى الواجهة الاقتصادية بعد شهور من الخفوت، إثر إعلان شركة "أو جي كابيتال للاستثمارات" اعتزامها تنفيذ صفقات استحواذ بقيمة 500 مليون دولار في قطاعات حيوية، بالتعاون مع بنك "أبوظبي الأول مصر"، طارحة علامات استفهام كبرى حول سر عودته عبر أدوات مالية مستحدثة.
​
​
وتتزامن هذه التحركات الاستثمارية مع ضغوط مالية خانقة تدفع السلطات لتسريع بيع الأصول وجلب سيولة دولارية عاجلة، في وقت أظهرت فيه وثائق هيئة الرقابة المالية استحواذ العرجاني ونجله عصام على كامل أسهم الكيان الجديد، متخذين من آليات "الشيك على بياض" بوابة لتوسيع نفوذهما المالي داخل السوق المحلي.
​
​
كواليس الصعود الجديد لشركات الاستحواذ
​
​
وفي تفاصيل هذا التحول، تأسست شركة "أو جي كابيتال" في ديسمبر 2025 بالقاهرة الجديدة برأس مال قدره 10 ملايين جنيه، وجرى قيدها بالبورصة المصرية في 19 مايو الماضي دون إنجاز أعمال فعلية، ليتضح امتلاك العرجاني 90 بالمئة من أسهمها، وتخصيص الحصة الباقية لنجله عصام.
​
​
وانطلاقاً من طبيعة هذا النموذج، تعمل شركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص كأوعية لجمع رؤوس الأموال بهدف شراء كيانات قائمة أو دمجها نقداً، مستهدفة التغلغل في قطاعات حيوية كالسيارات والمستشفيات والتعليم، تزامناً مع حاجة الدولة الشديدة لتدفقات نقدية سريعة لسداد أعباء ديونها المتراكمة.
​
​
وبموازاة هذه التحركات، يؤكد الخبير في التحليل المعلوماتي وقياس الرأي العام الباحث مصطفى خضري أن تأسيس هذا الكيان بقيمة 500 مليون دولار يمثل ثمناً لصك البقاء وتفادياً لمصادرة ممتلكات العرجاني، مشيراً إلى أن النظام يستهدف تحصيل دولارات فورية لتأمين التزاماته.
​
​
وعلاوة على ذلك، يأتي اللجوء للبورصة بعد احتراق ورقة الإسناد المباشر للمشروعات التي حظيت بها مجموعة طلعت مصطفى بنحو 4 مشروعات قيمتها 11 تريليون جنيه، لافتاً إلى أن استعراضات العرجاني شكلت عبئاً فرض تقييده بآليات مؤسسية لتجميل صورته.
​
​
وفي الاتجاه ذاته، يجسد اختيار بنك "أبوظبي الأول مصر" لتلقي الاكتتاب تنسيقاً وثيقاً مع رأس المال الإماراتي، موضحاً وجود تقاطع مصالح استثماري وأمني لتأمين خطوط الإمداد، فضلاً عن فتح أبواب الاستحواذ في قطاع الرعاية الصحية الخاضع لتغلغل الصناديق الخليجية.
​
​
خفايا الصراع وتحجيم النفوذ السيادي
​
​
وبالرجوع إلى خلفيات الاحتجاب السابق، ارتبط غياب العرجاني بتداعيات طائرة زامبيا في 13 أغسطس 2023 التي سببت حرجاً بالغاً، وتزامن ذلك مع منع استعراضات موكبه المثير وولائمه التي فجرت غضباً شعبياً، ما استوجب إخضاعه لأوامر التهدئة وتفادي الصدام.
​
​
وبالتوازي مع تلك التطورات، جرى تقليص نفوذ العرجاني لصالح جهاز "مستقبل مصر" الذي نُقلت تبعيته إلى الرئاسة بقرار من قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في يوليو، حيث انتزع الجهاز ملفات حيوية واحتكر تجارة السلع الاستراتيجية بصورة حصرية.
​
​
وتجلى هذا الاحتكاك الاقتصادي في ملف تصدير الأرز لـ 18 بلداً، فبعدما نال العرجاني رخصة التصدير في فبراير 2025، أصدر جهاز مستقبل مصر أوامره للجمارك في أبريل بوقف الشحنات، متسلحاً بتوجيهات رئاسية قاطعة حسمت الاحتكار لصالحه.
​
​
وفي تحليله لطبيعة التوازنات، يعتبر الباحث مصطفى خضري أن إعادة العرجاني تمت بعد تهذيبه وتجميد فاعلية "اتحاد القبائل العربية" الذي قاده في مايو 2024، موضحاً أن أجهزة السلطة صاغت دوره كأداة تمويلية محددة دون السماح له بفرض شروط.
​
​
واستكمالاً لهذا التراجع، غاب العرجاني عن مؤتمرات حزب "الجبهة الوطنية" الذي موّله لانتخابات البرلمان، في حين يوثق كتاب "الجنرال السيسي وسرقة القرن" للباحث عبدالخالق فاروق مشاركته لمحمود السيسي ضابط المخابرات ونجل رأس النظام في أنشطة تجارية وأمنية غير معلنة.
​
​
ويبرز دخول العرجاني قطاع السيارات احتكاكاً محسوباً مع مجموعة "الصافي" المقربة من عائلة السيسي، حيث تسمح السلطات بمنافسة مضبوطة تمنع الانفراد بالسوق، لاسيما بعد استحواذه في مارس 2025 على 50 بالمئة من مصنع رولنج بلس للإطارات بمليار يورو.
​
​
شبكة المصالح وحدود التوسع الاقتصادي
​
​
وعلى ضوء هذه التحولات، صعد العرجاني من متهم باحتجاز عشرات الجنود قُدروا بنحو 42 إلى 51 عسكرياً عام 2008 إلى واجهة استثمارية كبرى، مستحوذاً على مشروع بيانكي بالساحل الشمالي باستثمارات تتجاوز مليار جنيه، بجانب أعماله بالعاصمة الإدارية الجديدة.
​
​
وفي قطاعي الضيافة والمقاولات، تدير مجموعته 5 شركات تشرف على 11 فندقاً تحوي 3400 غرفة ويعمل بها 4100 موظف، فيما ينفذ قطاع البناء 450 مشروعاً بطاقة 150 ألف عامل و3500 موظف و550 مهندساً في شتى المحافظات.
​
​
وإضافة إلى ذلك، يبسط العرجاني نفوذه عبر قطاع الحراسة الذي يوظف 30 ألف عنصر لتأمين 400 جهة، فضلاً عن أسطول تجاري يضم 250 شاحنة، و8 مصانع توظف 10 آلاف شخص لتجميع سيارات "بي إم دبليو" و"جيلي".

 

وعلى الصعيد الإقليمي، يدير في ليبيا 88 شركة مقاولات و200 فريق استشاري بأعمال بلغت ملياري دولار، معززاً توسعه بتوقيع شراكة مع شركة "CSCEC" الصينية في 17 فبراير 2025 لضخ 5 مليارات دولار عبر 3 سنوات.
​
​
وفي المقابل، تحاصر الاتهامات الدولية نشاط مجموعته، إذ وصفته "نيويورك تايمز" في يونيو 2024 بـ "التايكون"، فيما وثق موقع "الحرة" في مارس 2024 فرض شركة "هلا" إتاوات باهظة على الغزيين، تزامناً مع تسريبات حول صراع نفوذ مع صبري نخنوخ.
​
​
وختاماً لهذه التطورات، تظل عودة العرجاني عبر بوابة الاستحواذ مرهونة بحاجة النظام الماسة للسيولة الدولارية، مجبرة إياه على مغادرة مظاهر السطوة العشائرية وارتداء ثوب المستثمر المؤسسي، وسط مخاوف متزايدة من تعميق الاحتكار وتكريس نفوذ شبكات المصالح الأمنية داخل الأسواق.