تعتزم السلطات الفرنسية نشر نحو 70 ألف شرطي لتطويق موجة جديدة من الاضطرابات الشعبية الواسعة المتوقعة يوم السبت، في ظل تنامي الاحتقان العام من ارتفاع تكاليف المعيشة الحادة، وتدهور مستوى الخدمات العامة الأساسية، وتراجع الرضا عن أداء الحكومة.
​
​
وتتزامن هذه التظاهرات الاحتجاجية المرتقبة في شتى أنحاء البلاد مع احتفالات الهالوين السنوية، بعد مرور 2 أسبوعين على أعمال عنف وتخريب ونهب طالت متاجر ومؤسسات عامة، مما دفع وزارة الداخلية لإعلان الجاهزية التامة للتعامل الحازم مع الشغب.
​
​
استنفار أمني لمواجهة أعمال الشغب
​
​
وفي هذا الصدد، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز خلال مؤتمر صحفي وجود احتمال مرتفع للغاية لحدوث اضطرابات أمنية واسعة، مؤكدا تجنيد كافة الوحدات للرد بقوة وحسم استثنائي ضد أية محاولات تخريبية تهدف إلى زعزعة الأمن المجتمعي.
​
​
كما تتحسب الأجهزة الأمنية في العاصمة والمدن الكبرى لاحتمال استخدام المتظاهرين ومثيري الفوضى أقنعة الهالوين لإخفاء هوياتهم الشخصية، في وقت تتيح فيه القوانين الصارمة للشرطة فرض حظر شامل على تغطية الوجه عند تهديد السلم.
​
​
ومن جهتها، وجهت السفارة الأمريكية تحذيرات رسمية لمواطنيها المتواجدين داخل الأراضي الفرنسية أو المسافرين إليها بضرورة تجنب بؤر التوتر والمناطق المتوقع أن تشهد تجمعات حاشدة، تفاديا لتبعات الاشتباكات المحتملة بين المحتجين والشرطة في الساحات الرئيسية.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، تعكف الحكومة على تمرير قانون مثير للجدل يلزم مثيري الشغب بدفع تعويضات مالية تصل قيمتها إلى 10 آلاف يورو، أي ما يعادل قرابة 11 ألف دولار، لتغطية الخسائر المادية المترتبة على الأفعال التخريبية.
​
​
إلى جانب ذلك، يشمل القانون تغريم الأفراد عن الأضرار الناجمة عن المجموعات التي ينتسبون إليها، مما أثار حفيظة المنظمات الحقوقية ونقابات المحامين التي حذرت بلهجة صارمة من تقويض مشروعية وحرية التظاهر السلمي المكفول دستوريا للمواطنين.
​
​
بيد أن الأوساط القانونية ترى في تحميل الفرد مسؤولية أعمال شغب جماعية سابقة خطيرة تهدد مبادئ العدالة الجنائية، في ظل إصرار وزارة الداخلية على تشديد القبضة وتوفير رادع عقابي ومالي فوري يوقف دوامة العنف المتكررة.
​
​
أزمة معيشية تلهب الشارع الفرنسي
​
​
وعلى صعيد التحركات، تسارعت وتيرة الاحتجاجات الميدانية في أواخر شهر سبتمبر الماضي، بالتزامن المباشر مع انطلاق النقاشات البرلمانية والحكومية المعقدة المتعلقة بإقرار مشروع موازنة عام 2027 وسط انقسامات حادة حول بنود الإنفاق العام.
​
​
علاوة على ذلك، تواجه السلطات ضغوطا مالية خانقة تفرض خفض الإنفاق، خاصة مع اقتراب حجم الدين العام الحكومي من 120 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتصاعد كلفة الاقتراض السيادي، مما يضيق هامش المناورة الاقتصادية للدولة.
​
​
وفي خضم هذا المشهد، التحق بالاحتجاجات آلاف الطلاب الغاضبين من تردي البنية التحتية للمدارس، واكتظاظ الفصول الدراسية، إضافة إلى رفضهم الواسع لنظام القبول الجامعي الذي يعتبرونه مجحفا ويحرم قطاعات واسعة من فرص التعليم العادل.
​
​
وبالإضافة إلى الحركة الطلابية، انضمت النقابات العمالية ونشطاء حركة السترات الصفراء مجددا إلى الحراك الشعبي، رافعين مطالب حاسمة تركز على ضرورة تحسين القدرة الشرائية المنهكة للمواطنين، وتقديم إعانات حقيقية لمواجهة الغلاء المعيشي غير المسبوق.
​
​
وحول واقع المعاناة، عبر الطالب آرون بيرتييه البالغ من العمر 15 عاما، والمشارك في المظاهرات للأسبوع 3 على التوالي، عن خشيته من انهيار فرنسا إذا حرم جيل الشباب من الموارد الأساسية، مؤكدا عزمهم على النضال المستمر.
​
​
ولم تفلح الوعود الحكومية المتكررة بشأن إصلاح منظومة التعليم وخفض أسعار الوقود في امتصاص حالة السخط الجماهيري، الذي بات يتجاوز الشق الاقتصادي نحو التعبير عن فقدان الثقة التام في سياسات وأداء المؤسسات الحاكمة الحالية.
​
​
خسائر فادحة وتداعيات عابرة للحدود
​
​
ومن المثير للاهتمام، امتداد شرارة الاحتجاجات الفرنسية نحو بلدان الجوار الأوروبي لتلهم تحركات شبابية مماثلة، حيث يرتقب خروج مظاهرات غاضبة في أكثر من 30 مدينة ألمانية اليوم السبت، تنديدا بتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار عالميا.
​
​
وسياسيا، صبت هذه التطورات المشتعلة في مصلحة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان التي تصدرت استطلاعات الرأي قبل انتخابات الرئاسة المقررة في شهر أبريل المقبل، بينما يعاني مرشحو تيار الوسط المحسوبون على الرئيس إيمانويل ماكرون من التشتت.
​
​
واقتصاديًا، سددت الاحتجاجات العنيفة ضربة موجعة للاقتصاد الوطني، إذ أظهرت البيانات الرسمية تسجيل انكماش اقتصادي ملحوظ خلال الربع 3 من العام الجاري، مما ينذر بتفاقم الركود وتعطل حركة الإنتاج في العديد من القطاعات التجارية والصناعية الحيوية.

 

وفي هذا الإطار، قدرت غرفة التجارة خسائر تجار التجزئة بأكثر من 1 مليار يورو، أي قرابة 1.1 مليار دولار، فيما رجحت تقديرات أخرى بلوغ الخسائر الإجمالية ضعف هذا الرقم، لتصل نحو 2 مليار يورو باحتساب الأضرار والإيرادات.
​
​
وعلى صعيد المشهد الميداني، تجاورت زينات عيد الميلاد المبكرة في شوارع باريس مع واجهات محال تجارية مغطاة بالألواح الخشبية والشبكات المعدنية لحمايتها، بعدما استهدفت أعمال التخريب متاجر لعلامات عالمية بارزة كـ هيرميس ولويس فيتون وبربري.
​
​
وختاما للمشهد، تبدو باريس عالقة بين مطرقة الضغوط الاقتصادية وسندان التصعيد الجماهيري المتواصل، في ظل عجز المعالجات الأمنية والتشريعات الصارمة وحدها عن تهدئة النفوس وإيجاد مخارج حقيقية من نفق الأزمة المعيشية والسياسية المستحكمة التي تضرب البلاد.