تتصاعد موجات الغضب والتمرد داخل شركات الكهرباء ضد قرارات وزير الكهرباء محمود عصمت، عقب إلغاء زيادات مالية مقررة لنحو 133 ألف موظف وفني ومهندس، بعد شهر واحد فقط من اعتمادها وبدء صرفها رسمياً للكوادر الميدانية.
​
​
وفي الوقت ذاته، تتصاعد الضغوط الحياتية والمعيشية القاسية على ملايين الأسر المصرية بفعل مضاعفة فواتير الاستهلاك الشهري، وتجميد تسوية ملفات العدادات الكودية التي تحولت إلى أداة ابتزاز مالي متواصل للمستهلكين في مختلف محافظات الجمهورية.
​
​
تجميد أجور العاملين يفجر غضب الشركات
​
​
وبناءً على توجيهات الوزير المفاجئة، تم تجميد زيادات تراوحت بين 3 و10 آلاف جنيه للمهندسين والفنيين، كانت قد صرفت بالفعل عن شهر سبتمبر الماضي، بدعوى البدء في مراجعة وتوحيد اللوائح المالية داخل 18 شركة تابعة.
​
​
ومن جهتهم، يرفض العاملون هذه الحجج الإدارية الواهية، معتبرين تجميد المستحقات المالية سطواً علنياً على حقوق تم انتزاعها لتعويض الانهيار الحاد في القوة الشرائية، ومواجهة التضخم القياسي الذي التهم مداخيل أصحاب الياقات الزرقاء والبيضاء بالقطاع.
​
​
وفي هذا السياق، يوضح إلهامي الميرغني، خبير اقتصاديات العمل والعدالة الاجتماعية، أن التراجع الحكومي عن صرف مستحقات مقرة قانوناً يمثل اعتداءً تشريعياً على أجور العمال، بهدف سد العجز المالي للشركات من جيوب الفئات الكادحة.
​
​
فضلاً عن ذلك، تستهدف الإطاحة المتزامنة بقيادات الشركات تمرير خطة هيكلة إدارية مشبوهة تستمر حتى شهر يونيو 2027، وتفرض تجميداً تاماً للمخصصات والحوافز المالية، مهددة الاستقرار المعيشي لعشرات الآلاف من الأسر المرتبطة بالقطاع الحيوي.
​
​
وعلاوة على ذلك، تعكس هذه الإجراءات إصرار سلطة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي على تحميل العمال كلفة الديون المتراكمة، تنفيذاً لاشتراطات صندوق النقد الدولي عبر تقليص بنود الأجور المباشرة وتفكيك شبكات الحماية داخل المؤسسات الحكومية.
​
​
ونتيجة لهذا القهر الوظيفي، بدأت تتشكل وقفات احتجاجية غاضبة بمحطات التوليد وقطاعات التوزيع، وسط تلويح بتصعيد الإضرابات العمالية إذا لم تتراجع الوزارة فوراً عن مصادرة حقوق العاملين التي جرى إقرارها رسمياً وسحبها دون سند.
​
​
تراجع الصيانة يعرض المحطات للانهيار
​
​
وبالتوازي مع ذلك، أدى استنزاف الكوادر البشرية وخروج أكثر من 100 ألف عامل إلى التقاعد دون إحلال، إلى تحميل الفنيين المتبقين أعباء تشغيلية هائلة تفوق طاقتهم، وتدفع المنظومة الكهربائية بأكملها نحو حافة الشلل الفني والتقني.
​
​
وعلى الصعيد ذاته، دفعت بيئة العمل الطاردة والأجور المتدنية نحو 10 آلاف مهندس وفني للحصول على إجازات للعمل بالخارج، بينما تقدم مئات آخرون باستقالات نهائية احتجاجاً على حرمانهم من الإجازات السنوية وظروف العمل الخطرة.
​
​
وارتباطاً بتلك الانهيارات، تجسدت كارثة غياب الصيانة في حريق محطة جنوب الدلتا الحرارية بقدرة 600 ميجاوات، ما عطلها أشهراً طويلة واضطر الوزارة لدفع عشرات الملايين من الدولارات لشركة جنرال إلكتريك الأمريكية من أجل إصلاحها.
​
​
ومن جانبه، يؤكد إبراهيم زهران، أستاذ هندسة الطاقة وخبير المحطات البترولية، أن تجريف الكوادر الفنية الخبيرة وتخفيض موازنات الصيانة الدورية يمثل جريمة تقنية تقود المحطات الإنتاجية العملاقة نحو التلف السريع والعجز الكامل عن العمل.
​
​
استناداً إلى ذلك، يثبت الواقع الميداني أن ادعاء توفير النفقات عبر تقليص شراء قطع الغيار وبرامج التدريب، لا يجلب سوى خسائر كارثية تفوق بكثير ما تم توفيره، وتستنزف العملة الصعبة لتغطية فاتورة الاستعانة بالشركات الدولية.
​
​
وتأسيساً على تلك الحقائق، تتزايد المخاطر المحدقة باستقرار الشبكة الكهربائية الموحدة، مع استمرار الإدارة المعينة في تجاهل مطالب الفنيين وإهدار معايير السلامة المهنية، ما ينذر بانقطاعات متكررة واسعة النطاق خلال فترات الذروة المقبلة.
​
​
تعديل الشرائح يبتز جيوب المواطنين
​
​
وفي الاتجاه ذاته، انتقلت الأزمة إلى أروقة البرلمان إثر تقدم 59 نائباً باستجواب للوزارة بقيادة النائب أحمد السنجيدي، رفضاً لمماطلة الحكومة في تسوية أوضاع 1.2 مليون عداد كودي عالق منذ شهر أغسطس الماضي.
​
​
ومن المثير للريبة، أن شركات التوزيع لم تنته سوى من تحويل 605 آلاف عداد فقط للوضع القانوني، تاركة مئات الآلاف من محدودي الدخل وأصحاب المعاشات تحت وطأة المحاسبة الجزافية المجحفة رغم استيفائهم التام لكافة شروط التصالح.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، تتجه الحكومة لتعديل شرائح الاستهلاك لاقتناص 17 مليار جنيه إضافية من جيوب المستهلكين، عبر إلغاء نظام الدعم البيني وحرمان المشتركين من التمتع بالأسعار المخفضة للشطر الأول من استهلاكهم الشهري عند الانتقال لشرائح أعلى.

 

وبموجب المقترحات المسربة، تقفز تسعيرة الكيلووات لتصل إلى 10 جنيهات للاستهلاك المرتفع، ما ينعكس فورياً في قفزات تضخمية بأسعار السلع الغذائية وتكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، مهدداً بانهيار مالي واجتماعي شامل للطبقات الفقيرة والمتوسطة.
​
​
ومن هذه الزاوية، يشدد ممدوح الولي، على أن استهداف جمع 17 مليار جنيه يمثل جباية قسرية تعوض إخفاق الوزارة في استرداد مئات الملايين المهدرة في السرقات والفاقد الفني للشبكة.
​
​
وختاماً لهذا المسار التدميري، تثبت الوقائع أن برامج إعادة الهيكلة الحكومية ليست سوى خطة جائرة لمصادرة حقوق 133 ألف عامل وابتزاز المشتركين، لتغطية الديون وعجز الإدارة على حساب قوت المواطنين وأرزاق العاملين في المنظومة.