تتوالى مشاهد الفواجع الميدانية اليومية في شوارع ومحافظات مصر مخلّفة عشرات الضحايا والمصابين، في ظل تدهور حاد يصيب قطاعات المرافق العامة وسلامة الطرق السريعة ويهدد أرواح المواطنين في مختلف المدن والقرى دون حلول جذرية تنهي هذه المآسي.

 

وبالتوازي تتصاعد تحذيرات المجتمع من غياب معايير الأمان الإنشائي والرقابة الصارمة على شبكات البنية التحتية، حيث تدفع الأسر المصرية فواتير باهظة من دمائها ومدخراتها نتيجة إسناد المشاريع بالأمر المباشر دون دراسات جدوى فنية كافية ومستدامة.

 

طرق الموت وجثث الأنفاق المنسية

 

وفي تفاصيل ذلك، استقبلت مستشفيات المنيا عشرات المصابين إثر تصادم مروع شهده الطريق الصحراوي الشرقي قرب مركز بني مزار، مسفراً عن مصرع أربعة مواطنين وإصابة ستين آخرين بجروح بالغة وكسور متفرقة تطلبت تدخلات جراحية عاجلة ومكثفة.

 

في غضون ذلك، انقلبت حافلة ركاب أثناء محاولة تفادي تصادم سيارات نقل ثقيل كانت تسير في مسارات غير مجهزة هندسياً، ما أدى إلى ارتباك حركة السير ووقوع الحادث المركب الذي أودى بحياة المواطنين الأبرياء بصورة مفجعة.

 

من جانبها، عجزت التجهيزات الإسعافية السريعة عن احتواء الأعداد الضخمة للضحايا فور وقوع الكارثة، الأمر الذي ضاعف من معاناة المصابين وذويهم في ممرات المستشفيات الحكومية التي تعاني أصلاً من نقص المستلزمات الطبية والكوادر الجراحية المتخصصة.

 

علاوة على ذلك، صُدم أهالي الجيزة بالعثور على جثة متفحمة بالكامل وملقاة بين كابلات الضغط العالي داخل نفق اللبيني بمنطقة الهرم، في مشهد مأساوي يجسد الإهمال الجسيم في تأمين المنشآت الحيوية والأنفاق العامة المكتظة بالمارة يومياً.

 

بناءً على ذلك، هرعت عناصر أجهزة أمن الانقلاب لفرض كردون أمني حول النفق في محاولة للتعتيم على الكارثة، بينما بقيت كابلات الكهرباء المكشوفة تهدد سلامة الآلاف دون صيانة وقائية حقيقية من جانب الشركات المسؤولة التابعة للوزارة.

 

استناداً إلى هذا، يوضح أستاذ هندسة الطرق والمرور بجامعة عين شمس الدكتور أسامة عُقيل أن منظومة الطرق الجديدة تفتقر لمعايير الأمان الميداني وتصميم المنحنيات العلمية، حيث جرى التركيز فقط على السفلته السريعة لجلب اللقطات الدعائية.

 

كما يضيف الخبير أن إغفال الإشارات الإرشادية وغياب الرقابة الآلية الصارمة على سرعات سيارات النقل الثقيل يحول الطرق المفتوحة إلى مصائد للموت، مؤكداً أن غياب التخطيط المتكامل يهدر مليارات الجنيهات المقترضة دون تقليل معدلات الحوادث المفزعة.

 

فضلاً عن ذلك، يربط مراقبون بين تكرار هذه الكوارث وبين سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي التي تستنزف موازنة الدولة في مشروعات شكلية دون تخصيص ميزانيات تشغيل وصيانة حقيقية لشبكات الكهرباء ونظم الإنارة والتهوية بالأنفاق والجسور.

 

نتيجة لذلك، أصبحت رحلات السفر اليومية للمواطنين محفوفة بالمخاطر القاتلة، وسط تبرؤ الأجهزة الرسمية من مسؤولياتها القانونية وتحميل الأخطاء كالعادة للضحايا وسائقي المركبات للتغطية على الفشل الإداري وتآكل البنية التحتية الأساسية.

 

تصدع العقارات ومهزلة اللوائح الخشبية

 

على صعيد آخر، عاش سكان شارع الموناليزا بمنطقة أبوراضي في المحلة الكبرى ساعات من الرعب الشديد عقب حدوث تصدعات وشروخ مفاجئة ضربت عمارة سكنية من خمسة طوابق مهددة بانهيارها الكامل فوق رؤوس قاطنيها.

 

إزاء هذا الانهيار، لجأت الأجهزة التنفيذية بمحافظة الغربية إلى حلول بدائية تمثلت في تثبيت لوائح خشبية متهالكة لإسناد العقار المتصدع، في مشهد يعكس العجز التام والتعامل الهزلي مع أزمات تهدد حياة مئات الأسر العمالية بالمحلة.

 

على الفور، اضطرت سلطات أمن الانقلاب لإخلاء السكان على عجل وتشريدهم في الشارع دون توفير مساكن إيواء بديلة أو مساعدات إغاثية فورية، واكتفت بتحرير محضر روتيني لإحالة القضية إلى النيابة وإخلاء مسؤولية المحافظة الإدارية.

 

بالتوازي مع ذلك، سادت حالة من الفزع بين أصحاب المنازل المجاورة للعقار المنكوب خشية سقوط الجدران وتضرر أساسات بيوتهم القديمة، وسط بطء إجراءات اللجان الهندسية التي تشكلت متأخرة بعد تصدع الأعمدة الخرسانية وتخلخل التربة تحت الأساسات.

 

في هذا السياق، يؤكد المهندس الاستشاري لسلامة المنشآت والخرسانة المسلحة أحمد سيف أن اللجوء للدعامات الخشبية يمثل جهلاً هندسياً فاضحاً، لأن الأحمال الرأسية والأفقية للأبراج السكنية يستحيل احتواؤها بحلول ترقيعية تعرض المارة وفرق الإنقاذ للموت المحقق.

 

ويوضح سيف بدقة أن انهيار منظومة المحليات وانتشار الفساد الإداري سمحا بالبناء العشوائي دون مواصفات أمان حقيقية، مشيراً إلى أن قانون التصالح ركّز على جباية الأموال لتمويل مشاريع العاصمة بدلاً من معالجة عيوب التراكيب الإنشائية للمباني القائمة.

 

إضافة إلى ذلك، تفتقد الأحياء الشعبية للجان فحص دورية تفحص شبكات الصرف الصحي والمياه الجوفية التي تنخر أسفل أساسات العقارات، ما يحول آلاف المباني في مدن الدلتا إلى قنابل موقوتة تهدد ساكنيها بالدفن أحياء في أي لحظة.

 

تبعاً لذلك، يتصاعد غضب الأهالي في المحلة الكبرى جراء التهميش المستمر لمدينتهم الصناعية العريقة وتجاهل شكاواهم المتكررة حول تصدعات المباني، في وقت تُنفق فيه التريليونات على القصور الرئاسية وأبراج العلمين الشاطئية بعيداً عن الاحتياجات الشعبية الملحة.

 

في المقابل، تكتفي القيادات المحلية بإصدار قرارات إزالة ورقية دون توفير تمويل للترميم أو تعويضات للمتضررين، مما يجبر المواطنين الفقراء على البقاء تحت أسقف متداعية تفتقر لأبسط شروط السلامة الإنسانية انتظارا لمصير مجهول تحت الأنقاض.

 

ريف الصعيد تحت ركام الإهمال

 

من جهة أخرى، استيقظ أهالي قرية جزيرة طما بمحافظة سوهاج صباح اليوم في شهر أكتوبر على دوي انهيار منزل قديم مشيد بالعروق الخشبية والجريد، في واقعة تعكس عمق التردي المعيشي وغياب الخدمات في صعيد مصر.

 

وحول تفاصيل الحادث، سقط المنزل المكون من طابقين خلف مسجد الشاذلية مخلفاً دماراً شاملاً في هيكله ونفوق عجل صغير كان محتجزاً بداخله، وسط نجاة الجيران من كارثة مروعة كادت أن تمتد للجدران الطينية الملاصقة والمتهالكة.

 

بناءً عليه، اقتصرت تحركات مسؤولي المحافظة على رفع عداد الكهرباء وفصل الأسلاك الخارجية وتطويق الحطام دون وضع أي خطة لإعادة تخطيط القرية أو مساعدة الأهالي الذين يعيشون في بيوت هشة مشيدة من الطين والجريد منذ عقود طويلة.

 

على ضوء ذلك، يرى استشاري التخطيط العمراني وتطوير العشوائيات الدكتور ممدوح حمزة أن قرى الصعيد تدفع ثمن السياسات المركزية التي حرمت الريف من المخصصات التنموية الحقيقية ووجهت الاستثمارات نحو مشاريع دعائية لا تخدم الفئات الأكثر فقراً واحتياجاً.

 

ويؤكد حمزة في رؤيته أن المبادرات الحكومية المعلنة مثل حياة كريمة تحولت لمجرد واجهات إعلامية ودهانات للجدران، بينما تركت البيوت الريفية التراثية والأساسات الطينية تواجه عوامل التعرية والانهيار دون معالجة هندسية أو دعم فني مباشر للأهالي.

 

بالإضافة إلى ذلك، يعاني الفلاحون وسكان جزر النيل من قيود مشددة وغرامات تعجيزية تفرضها الدولة على بناء وتدعيم مساكنهم، ما يجعل ترميم المنازل القديمة جريمة يُعاقب عليها القانون بدلاً من مساعدتهم على بناء مساكن مسلحة آمنة.

 

انطلاقاً من هنا، تجسد مأساة طما الفجوة الطبقية الهائلة بين مشاريع العاصمة الفندقية التي تستنزف القروض الأجنبية، وبين واقع ملايين المصريين في القرى المحرومة الذين باتوا مهددين بفقدان سقف مأواهم الهش في أي وقت دون حماية أو رعاية.

 

وفي ظل هذا المشهد، تتشابك مآسي حوادث الصعيد مع كوارث الدلتا وأنفاق العاصمة لترسم خريطة قاتمة لوطن تحاصره الأزمات الإنشائية والمرورية، وسط إصرار أجهزة النظام على التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم الدائم على الظروف والضحايا.

 

ختاماً لكل ما سبق، يبقى المواطن المصري الأعزل رهينة لغياب المحاسبة والشفافية المؤسسية، يدفع يومياً من أمنه وسلامته ثمن الانهيار الهيكلي الشامل، في انتظار سياسات تنموية حقيقية تضع حماية الأرواح والكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار ودعاية سياسية.