تتواصل الهجمات الإسرائيلية على مناطق متفرقة في قطاع غزة، وسط سقوط شهداء ومصابين جدد جراء القصف المدفعي والجوي وإطلاق النار، بالتزامن مع عمليات نسف للمنازل والمنشآت وتدمير ما تبقى من مبانٍ في عدد من المناطق.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات فلسطينية من تداعيات استهداف الأطفال والطلبة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية والاقتصادية مع اتجاه برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص المساعدات المقدمة لنحو 500 ألف فلسطيني.
وتعكس التطورات الميدانية والإنسانية المتلاحقة حجم الضغوط التي يواجهها سكان القطاع، في ظل استمرار الخروقات المبلغ عنها لاتفاق وقف إطلاق النار، وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، واتساع المخاوف بشأن سلامة الأطفال وحقهم في الحياة والتعليم.
وبينما تتواصل الدعوات الفلسطينية إلى تحرك دولي لحماية المدنيين، تتزايد التحذيرات من أن تقليص الإغاثة قد يفاقم الجوع والفقر ويضع مزيدا من الأسر أمام خيارات معيشية شديدة الصعوبة.
شهداء ومصابون في مناطق متفرقة
شهد قطاع غزة، الثلاثاء، سقوط شهداء ومصابين جراء هجمات إسرائيلية استهدفت مناطق مختلفة، شملت مدينة غزة وخان يونس ومناطق وسط القطاع، بحسب إفادات محلية ومصادر طبية فلسطينية.
وأفادت مصادر محلية باستشهاد مواطن جراء قصف إسرائيلي في منطقة وادي غزة وسط القطاع، كما وصل شهيد إلى مستشفى الشفاء بعد استهداف مدفعي في منطقة السموني بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة.
وفي مدينة غزة، استشهد رجل وزوجته إثر استهداف شقة سكنية في محيط مجمع الشفاء الطبي غربي المدينة. وذكرت مصادر محلية أن الاستهداف أدى إلى اشتعال النيران في الشقة، مشيرة إلى أن طائرة مروحية إسرائيلية من طراز أباتشي نفذت الهجوم.
كما تحدثت تقارير فلسطينية عن استشهاد كرم أبو حزيمة في قصف إسرائيلي بحي الزيتون، فيما أفادت تقارير أخرى بسقوط شهيد قرب جسر وادي غزة نتيجة قصف مدفعي. وأعلنت مصادر طبية استشهاد الفتى براء محمد معروف برصاص القوات الإسرائيلية شمالي مخيم النصيرات، وسط القطاع.
وفي جنوب القطاع، استشهد الطفل مجدي محمد فخري حسن برصاص القوات الإسرائيلية قرب منتجع هابي سيتي جنوبي مدينة خان يونس، بينما تحدثت مصادر طبية عن استشهاد طفل آخر في منطقة قيزان أبو رشوان جنوب المدينة.
وتشير هذه الإفادات إلى تعدد مواقع الاستهداف خلال ساعات، بين القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار المباشر، في وقت تواجه فيه الطواقم الطبية ضغوطا متواصلة جراء وصول المصابين والحاجة إلى تقديم الرعاية لهم في ظروف إنسانية صعبة.
قصف ونسف للمنازل وإطلاق نار
لم تقتصر التطورات على سقوط الشهداء، إذ تواصلت عمليات القصف وإطلاق النار في مناطق متفرقة من القطاع، بالتزامن مع عمليات هدم ونسف طالت مباني ومنشآت، بحسب مصادر محلية فلسطينية.
وفي مدينة خان يونس، أطلقت الآليات العسكرية الإسرائيلية نيرانها بكثافة قرب شارع العبارة وشارع صلاح الدين شمال شرقي المدينة، فيما نفذت القوات عمليتي نسف ضخمتين شرقي المدينة وجنوبها، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف مناطق جنوبية وإطلاق نار في منطقة المواصي.
وأفادت مصادر طبية بإصابة فلسطيني برصاص القوات الإسرائيلية في منطقة النمساوي غربي خان يونس، كما أصيب طفل في منطقة الإقليمي جنوب المدينة. وتحدثت مصادر محلية كذلك عن إصابات أخرى، بينها سيدة وطفل، جراء إطلاق النار في المناطق الجنوبية.
وقال مجمع ناصر الطبي إن مصابين وصلوا إليه بعد تعرضهم لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية في مناطق خارج نطاق سيطرتها، وفق ما أوردته التقارير الفلسطينية. كما أفاد سكان بأن إطلاق النار طال منازل وخياما في مدينة حمد السكنية شمالي خان يونس.
https://t.me/sndnewsa/518183
وفي وسط القطاع، استهدف القصف المدفعي مناطق شمال البريج ومحيط وادي غزة، إضافة إلى مناطق قرب معصرة أبو عودة على شارع صلاح الدين. كما أطلقت الآليات العسكرية الإسرائيلية نيرانها باتجاه المناطق الشرقية لمخيم المغازي.
أما شمال شرقي مدينة غزة، فقد تعرضت المناطق الشرقية من حي التفاح لقصف مدفعي، تزامنا مع إطلاق نار من الآليات العسكرية، فيما أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها بكثافة في بحر المدينة.
وتضمنت التحركات الميدانية، بحسب تقارير فلسطينية، مواصلة إنشاء ساتر ترابي على امتداد شارع صلاح الدين من دوار بني سهيلا باتجاه دوار التحلية، بالتزامن مع هدم وتدمير منازل على الجانب الغربي من الشارع.
وتثير هذه العمليات مخاوف بشأن اتساع نطاق الدمار، خصوصا مع استمرار استهداف المناطق السكنية ومحيط تجمعات النازحين، وما يترتب على ذلك من مخاطر مباشرة على المدنيين وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
خروقات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار
تأتي هذه التطورات في سياق اتهامات فلسطينية متواصلة للقوات الإسرائيلية بخرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بوساطة عربية وأمريكية في مدينة شرم الشيخ المصرية.
وذكرت تقارير فلسطينية أن القوات الإسرائيلية ارتكبت 11 خرقا جديدا للاتفاق منذ فجر الثلاثاء، شملت القصف المدفعي والجوي وإطلاق النار من الطائرات المسيرة والآليات العسكرية، إلى جانب عمليات الهدم والتدمير.
وكانت التقارير الفلسطينية قد تحدثت عن تسجيل 19 خرقا خلال يوم الاثنين السابق، أسفرت، بحسب تلك التقارير، عن استشهاد خمسة فلسطينيين وإصابة آخرين.
وتقول المصادر الفلسطينية إن تكرار هذه الحوادث يهدد بتقويض التهدئة، خصوصا مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق مأهولة، وعدم شعور السكان بوجود ضمانات كافية لحمايتهم من القصف وإطلاق النار.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، في 31 يوليو 2026، التوصل إلى ما وصفه بخارطة طريق لتنفيذ مراحل وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة، وفق ما ورد في التقرير الأصلي. وأشارت التقارير إلى أن الفصائل الفلسطينية أعلنت موافقتها على الخارطة في مناسبات مختلفة، بينما استمرت الاتهامات بوقوع خروقات إسرائيلية.
التعليم يحذر من استهداف الأطفال
على الصعيد التعليمي، حذرت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية من التداعيات الخطيرة لاستمرار استهداف الأطفال والطلبة في قطاع غزة، عقب الإعلان عن سقوط خمسة طلبة في حوادث متعاقبة، بحسب بيان الوزارة.
وقالت الوزارة إن استشهاد الطفل مجدي محمد فخري حسن، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، يسلط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، مؤكدة أن فقدان الطلبة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم في حصيلة يومية للضحايا.
وأضافت أن استهداف الأطفال في محيط أماكن وجودهم أو خلال توجههم إلى مؤسساتهم التعليمية أو عودتهم منها يهدد حقهم في الحياة والأمان والتعليم، ويضاعف الأعباء النفسية والإنسانية التي تتحملها الأسر الفلسطينية.
ودعت الوزارة الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، إلى جانب المقررين والآليات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والطفل، إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية الطلبة، بدلا من الاكتفاء بإصدار بيانات القلق ومتابعة أعداد الضحايا.
كما طالبت بتوثيق الاعتداءات بصورة مستقلة ومهنية، والتحقيق في ملابساتها، ومساءلة المسؤولين عنها وفقا للقانون الدولي، والعمل على وضع ترتيبات عاجلة لحماية الأطفال والمنشآت التعليمية والعاملين في القطاع التربوي.
وشددت الوزارة على أن ضمان استمرار التعليم لا يمكن فصله عن حماية أرواح الطلبة، مشيرة إلى أن أي خطة لإعادة العملية التعليمية تحتاج إلى توفير بيئة آمنة تتيح للأطفال الوصول إلى مدارسهم ومراكزهم التعليمية دون التعرض لخطر القصف أو إطلاق النار.
تقليص المساعدات يهدد الأمن الغذائي
بالتوازي مع التصعيد الميداني، تتزايد المخاوف من تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في قطاع غزة، بعد قرار برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات المقدمة لنحو 500 ألف فلسطيني، وفق ما ورد في التقرير المتعلق بالأزمة الغذائية.
وحذر الكاتب الاقتصادي أحمد أبو قمر من أن تقليص المساعدات لن يقتصر أثره على انخفاض كميات الغذاء المتاحة للأسر، بل سيمتد إلى الأسواق المحلية والقدرة الشرائية وحركة البيع والشراء، في ظل تراجع مصادر الدخل وتضرر الأنشطة الاقتصادية جراء الحرب.
وأوضح أبو قمر أن اعتماد نحو 95% من الأسر في القطاع على المساعدات، بحسب الأرقام التي استند إليها في تحليله، يجعل أي انخفاض في الدعم ذا تأثير مباشر على الأمن الغذائي. فالأسر التي فقدت أعمالها أو تضررت مصادر دخلها لا تمتلك في كثير من الأحيان بدائل كافية لتأمين احتياجاتها اليومية.
وأضاف أن تقليص الإغاثة قد يدفع مزيدا من العائلات إلى خفض استهلاكها الغذائي أو الاستدانة لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتظل القدرة على الحصول على دخل منتظم محدودة.
ولا تتوقف التداعيات عند الأسر وحدها، إذ يؤدي انخفاض قدرتها على شراء السلع إلى تراجع الطلب في الأسواق، بما يضغط على التجار والمنشآت التجارية التي تحاول الاستمرار رغم الدمار ونقص الموارد. ومع انخفاض المبيعات، تتقلص قدرة هذه الأنشطة على توفير فرص العمل والحفاظ على مصادر دخل العاملين فيها.
وبحسب أبو قمر، فإن هذا المسار يخلق دائرة متواصلة من الفقر وتراجع الاستهلاك وانكماش النشاط الاقتصادي، إذ يؤدي انخفاض الإنفاق إلى إضعاف التجارة، وهو ما ينعكس بدوره على فرص العمل والدخل، ويزيد اعتماد الأسر على المساعدات الخارجية.
تنوع الإغاثة واستمرار تدفقها
وأشار أبو قمر إلى أن معالجة الأزمة لا ترتبط بحجم المساعدات وحده، بل تشمل أيضا تنوع المواد الغذائية ومدى توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان، موضحا أن الاعتماد على أصناف محدودة، مثل الطحين والمعلبات، لا يضمن وحده توفير غذاء متوازن يلبي احتياجات الأسر المختلفة.
ودعا إلى ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية، وتحسين إدارة الإمدادات وتوسيع تنوعها، بما يساعد على وصول المواد الأساسية إلى مستحقيها ويحد من تفاقم انعدام الأمن الغذائي.
كما شدد على أهمية إعادة تفعيل دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، إلى جانب تعزيز الاستجابة الإنسانية وضمان استدامة برامج الدعم في ظل اتساع الاحتياجات وتراجع قدرة السكان على الاعتماد على مواردهم الذاتية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتداخل فيه آثار القصف والدمار مع الأزمة الاقتصادية، إذ لا تواجه الأسر نقصا في الغذاء فحسب، وإنما تعاني أيضا من فقدان المساكن ومصادر الدخل وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

