مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

الذي يتابع مؤشرات الاقتصاد المصري يجد أن الحكومة، ومعها بعض المؤسسات العالمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، تؤكد دومًا أن هناك تحسنًا ملحوظًا سواء على مستوى المؤشرات الكلية مثل معدلات النمو والتضخم وخدمة الدين والبطالة وميزان المدفوعات والميزان التجاري وتحسن التصنيف الائتماني، أو المؤشرات المالية والجزئية المتعلقة بتحسن العملة وموارد النقد الأجنبي والاحتياطيات النقدية والصادرات وتحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية وجذب الأموال الساخنة وغيرها من الأرقام الرسمية.

 

لكن في المقابل فإن المواطن يرى الصورة مغايرة تمامًا، وأن تلك الأرقام الحكومية لا تعكس الواقع المعيشي الصعب والمعقد، وأن هناك محاولات رسمية مستميتة لتجميل مؤشرات الاقتصاد، بل ويذهب المواطن إلى أنه لا يلمس أي تحسن جذري في حياته المعيشية اليومية والقدرة الشرائية وتحسن الدخول والرواتب، أو في صورة خفض تكلفة الحياة من تعليم وصحة وإيجار سكن ومواصلات عامة، أو على الأقل تثبيتها، بل يجد العكس تمامًا هو ما يجري حيث قفزات مستمرة في أسعار السلع الرئيسية والخدمات وفواتير الكهرباء والمياه والاتصالات وكلفة المعيشة، وكذا قفزة بالرسوم الحكومية المقدمة لكل الخدمات سواء في السجل المدني أو الشهر العقاري والمرور أو المصالح العامة كافة.

 

بل إن المواطن يستشهد بمؤشر مهم على سوء حالته المعيشية وهو قفزات سعر الدولار المتواصلة التي تربك الأسواق وسوق الصرف والمدخرات الوطنية، وتغذي موجة تضخم مستمرة منذ سنوات طويلة، وتشعل غلاء جامحًا لا يريد أن يغادر الأسواق، وضغوطًا معيشية تمتد لكل مناحي الحياة، خاصة وأن التجار يستغلون تلك القفزة في زيادة الأسعار بما فيها السلع المنتجة محليًا، وهنا يسأل المواطن في حسرة: إذا كانت الإيرادات الدولارية قد تحسنت بالفعل وفق الأرقام الحكومية، فلماذا يقفز سعر الدولار؟

 

وهناك مؤشر آخر يتعلق بالزيادات المتواصلة في أسعار جميع مشتقات الوقود من بنزين وسولار وغاز منزلي وبنسب زيادة تتراوح ما بين %209  إلى نحو 783% حسب المنتج خلال 10 سنوات، ومحاباة الحكومة صندوق النقد على حساب المواطن، خاصة من زاوية مواصلة زيادة الأسعار وخفض الدعم المواجه للسع الرئيسية بما فيها الطاقة والخبز المدعوم، وحذف ملايين المصريين من بطاقات التموين وبيع أصول الدولة وزيادة سعر الفائدة لمصلحة المستثمرين الأجانب، بل وهناك توقعات بزيادة سعر الوقود مرة واحدة على الأقل خلال العام الجاري.

 

نظريًا، فإن الحكومة تؤكد في مناسبات عدة تحسن مؤشرات الاقتصاد، وتبرهن على ذلك بزيادة معدل النمو والذي بلغ 5.1% في آخر سنة مالية 2025-2026، مع توقعات مؤسسات دولية باستمرار المعدل، وارتفاع صافي احتياطيات النقد الأجنبي إلى أكثر من 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، بزيادة 134 مليون دولار عن أغسطس، وانخفاض معدل البطالة إلى 5.8%، وهو من أدنى المستويات المسجلة تاريخيًا وفق الأرقام الرسمية، وارتفاع تحويلات المغتربين إلى نحو 47.3 مليار دولار خلال العام المالي الأخير 2025-2026، وتراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 81%، وتراجع التضخم إلى 14.5%، وتحسن إيرادات السياحة والتحويلات والاستثمار الأجنبي المباشر.

 

لكن عمليًا، فإن الصورة تختلف كلية من وجهة نظر المواطن، فمؤشرات تحسن الاقتصاد الكلي لم تنعكس عليه، بل العكس هو ما حدث تمامًا، ورغم الحديث الحكومي المستمر عن التحسن في الإيرادات الدولارية نجد أن سعر الدولار يواصل قفزاته ليبلغ في تعاملات بعض البنوك، اليوم الأحد، أعلى مستوى وهو 52.5 جنيهًا للدولار، والأموال الساخنة التي تتجاوز قيمتها 40 مليار دولار لا تزال أحد أبرز أسباب استقرار سوق الصرف الأجنبي وعدم انفلات سعر الدولار مقابل الجنيه المصري.

 

والحكومة لا تزال تواصل زيادة الأسعار والرسوم، وفي حال عدم الدخول في اتفاق جديد مع صندوق النقد فإن وتيرة الزيادة ستتصاعد مع بحث الحكومة عن سيولة لتمويل كلفة سداد أعباء الدين الخارجي وردم الهوة في عجز الموازنة وتمويل مشروعات كبرى لا تمثل أولوية للاقتصاد والمواطن مثل مونوريل العاصمة الإدارية، والمدينة الترفيهية والنهر الأخضر.

 

الناس لا تأكل أرقامًا صماء، ولا تحيا بمؤشرات جرى تجميلها عن عمد وبإتقان شديد، ولا تتعلم وتسكن بوعود براقة، أو تتعالج بشهادة صندوق النقد وغيره من كبار المقرضين الدوليين، وإذا لم تنعكس تلك المؤشرات على كلفة المعيشة وحياة المواطن فإنها والعدم سواء، وهنا يتكرر سيناريو السنوات الأخيرة من فترة نظام حسني مبارك، حيث كانت هناك فجوة كبيرة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي والاقتصاد المعيشي، الناس بحاجة إلى مؤشرات تؤكد عمليًا على توافر برامج حماية اجتماعية قوية وضبط حقيقي للأسواق وكبح للأسعار المنفلتة.