منير شفيق
مفكر عربي إسلامي وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ثمة نخب فلسطينية، اعتبروا منذ سنة أو أكثر أن الحرب التي اندلعت، إثر طوفان الأقصى، أخذت تضع أوزارها في مصلحة الكيان الصهيوني، وذلك بالاستناد إلى ما أحدثه، من دمار في قطاع غزة ومخيماته، وما حلّ بمئات آلاف الشهداء والجرحى، ضحايا حرب الإبادة.
أما ما كانت المقاومة قد أبدته، من قدرة عسكرية في الحيلولة دون إعادة احتلال غزة، كما حدث في حربيّ 1956 و1967، وما حققته من امتلاك زمام المبادرة العسكرية في كل الاشتباكات الصفرية، بسبب ما حفرته من أنفاق، وما تمتعت به من قدرات عسكرية، وخطة قتال لعدة أشهر، فكل ذلك لم يُقدّر بما يستحقه من تلك النخب التي رأت نصف الكأس الفارغ، وتعامت عن النصف الآخر.
وأما ما كان أبداه الشعب في غزة، من تحمّل لحرب الإبادة، ومن صبرٍ وصمود، فلم يروه، بل لم يروا ما حدث من انقلاب في موقف الرأي العام العالمي، من تعاطف مع القضية الفلسطينية ومع الشعب الفلسطيني، أو في موقفه الذي راح يدمّر سمعة الكيان الصهيوني، ويرى في كل حامل لجواز "إسرائيلي" قاتلًا للأطفال، ويرفض استضافته في مقهى، أو مطعم، أو فندق.
إذا وُضع كل ما تقدّم أعلاه في كفتيّ ميزان، لقراءة دقيقة في تحديد من المنتصر ومن المهزوم في تلك المعادلة، فإن على أولئك النخب، إذا لم يستطيعوا استخدام عبارة "منتصر" للمقاومة والشعب، أن يعترفوا في الأقل أن نتنياهو فشل في تحقيق الهدف، أو الأهداف التي وضعها لحربه. فقد فشل في احتلال غزة، أو القضاء على المقاومة (وهذا واقع حتى الآن).
ومن ثم، لا ينبغي أن يعدّ ما سيطر عليه نتنياهو، من 50 في المئة في لحظة وقف إطلاق النار، انتصارًا، أو ما قضمه ما بعد ذلك، وزاد عن 10 أو 20 في المئة، انتصارًا، لأن جيشًا يعتبر الرابع في العالم، وتحت تصرفه الدعم الأمريكي العسكري غير المحدود، وبعد ثلاث سنوات من الحرب، ولم يسيطر عمليًا إلا بالقصف على تلك الأجزاء، يجب أن يُعتبر فاشلًا، أو مهزومًا.
المهم هنا، أن ثمة نخبًا فلسطينية تعتبر الآن أن صفحة الحرب طُويت في مصلحة الكيان الصهيوني، وأن المقاومة هُزِمَت، وهي ما زالت موجودة، وبمواقفها وسلاحها. وقد راحت تلك النخب تبحث عن صيغ لمرحلة قادمة، ستكون ذات طابع سياسي، فيما الوضع المقاوم، ولو ضمن وقف إطلاق النار، ما زال قائمًا، وفيما الشعب يعلن غضبه كل لحظة على الوضع الناشئ، تحت مظلة ما يسمى "مجلس السلم العالمي"، الفاشل والآيل إلى السقوط.
والأهم، كون نتنياهو في طريقه إلى السقوط، وكون ترامب ينتقل من فشل إلى فشل، وكون نتائج الحرب بين أمريكا وإيران، تحمل مؤشرات لهزيمة أمريكا. فكل ذلك لا يسمح بطيّ المرحلة التي نحن فيها..
وبكلمة، من الخطأ الفادح اعتبار الوضع في غزة والضفة والقدس قد انتهى، وأنه طُويت صفحة حرب السنوات الثلاث، لنبدأ الآن نبحث عن برامج سياسية، أو نفتح صفحة جديدة اسمها التوافق، حيث لا توافق ممكن.
تبقى قضية يجب أن تُعلّق كالجرس أمامنا، وهي الكارثة التي حلت بسمعة الكيان الصهيوني، واللوبيات الصهيونية، وحتى بالحضارة الغربية (لعدم وقفها لحرب الإبادة)، فهذه الكارثة تكفي وحدها للإعلان بأن المحصلة انتصار للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وهزيمة لنتنياهو، واللوبيات الصهيونية، بأبعاد سياسية واستراتيجية، وميزان قوى.

