تشهد فرنسا موجة احتجاجات يقودها طلاب ومراهقون أمام المدارس الثانوية، في تحرك بدأ بمطالب مرتبطة بأوضاع التعليم ونقص المدرسين والموارد، قبل أن يتسع نطاقه ويتحول إلى قضية أمنية وسياسية أثارت جدلًا واسعًا داخل البلاد.
وأغلق محتجون مداخل عدد من المؤسسات التعليمية، بينما شهدت بعض المناطق اشتباكات بين الطلاب وقوات الشرطة، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والهراوات في بعض الحالات، في حين أقدم متظاهرون على إشعال حاويات قمامة ورشق أفراد الشرطة بالمقذوفات.
وقالت الحكومة الفرنسية إن بعض المطالب التي يرفعها الطلاب يمكن أن تكون مشروعة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن أعمال العنف غير مقبولة، متهمة أطرافًا من اليسار الراديكالي بتأجيج الاحتجاجات وتوسيع نطاقها.
وفي المقابل، وجه منتقدون اتهامات إلى بعض عناصر الشرطة باستخدام القوة المفرطة خلال التعامل مع متظاهرين قاصرين، مستندين إلى مقاطع فيديو انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي وأظهرت مشاهد من عمليات توقيف وصدامات في عدد من المدن.
آلاف الموقوفين خلال الاحتجاجات
أعلنت وزارة التعليم الفرنسية أن الاحتجاجات طالت نحو 735 مؤسسة تعليمية يوم الجمعة، في مؤشر على اتساع رقعة التحرك الطلابي خلال الأيام الأخيرة.
وفي السياق نفسه، قال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن السلطات أوقفت نحو 5 آلاف شخص منذ بداية الأسبوع، موضحًا في تصريحات لقناة "TF1" الفرنسية أن الشرطة أوقفت 1747 شخصًا يوم الجمعة، مقابل 1954 شخصًا في اليوم السابق.
وأشار الوزير إلى أن نحو 85% من الموقوفين قُصّر، وأن معظمهم من تلاميذ وطلاب المدارس، لكنه أوضح أن وجودهم في الاحتجاجات لا يعني بالضرورة أنهم يدرسون في المدارس القريبة من الأماكن التي جرى توقيفهم فيها.
وبعد أيام من التوتر، شهدت الشوارع الفرنسية حالة من الهدوء النسبي خلال عطلة نهاية الأسبوع، إلا أن الهدوء لم يكن مؤشرًا على انتهاء الأزمة، إذ من المقرر تنظيم يوم احتجاجي واسع جديد الثلاثاء، وسط ترقب لما إذا كانت المشاركة ستتسع أو ستشهد الحركة تراجعًا.
وتضع أعداد الموقوفين الكبيرة، ولا سيما نسبة القاصرين بينهم، السلطات الفرنسية أمام اختبار صعب يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأمن وحق الطلاب في التعبير عن مطالبهم والاحتجاج عليها.
نقص المدرسين يفتح ملف التعليم
ترتبط جذور الاحتجاجات بصورة أساسية بأوضاع المدارس الثانوية الفرنسية، التي يقضي فيها الطلاب السنوات الأخيرة من تعليمهم قبل الانتقال إلى التعليم الجامعي أو سوق العمل.
ويرفع الطلاب مجموعة من المطالب المتعلقة بظروف الدراسة اليومية، يأتي في مقدمتها نقص المدرسين والعاملين في المدارس، إلى جانب ما يعتبرونه تراجعًا في جودة البيئة التعليمية داخل الفصول.
كما يعترض عدد من الطلاب على الجداول الدراسية المزدحمة، إذ قد يمتد اليوم الدراسي في بعض الحالات من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً، وهو ما يراه بعضهم عبئًا كبيرًا على الطلاب، خاصة مع كثافة المناهج والالتزامات الدراسية.
وتتجاوز المطالب الجوانب المرتبطة بالجدول الدراسي أو عدد المدرسين، لتشمل أيضًا مسألة التفاوت بين المدارس والطلاب، إذ يرى منتقدون أن جودة التعليم والفرص المتاحة لا تتوزع بصورة متساوية بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
وقالت عالمة الاجتماع الفرنسية فاليري بيكيه إن طلاب المدارس الثانوية، خصوصًا القادمين من الأحياء محدودة الدخل، يشعرون بأنهم يحصلون على مستوى تعليمي أقل، معتبرة أن الفوارق بين المدارس والطلاب تمثل مشكلة حقيقية.
وتتيح فرنسا لجميع الطلاب الالتحاق بالمدارس الثانوية، لكن طبيعة المؤسسات ومستوياتها تختلف بصورة كبيرة، بدءًا من المدارس المهنية وصولًا إلى المؤسسات التعليمية الأكثر شهرة وانتقائية.
ورغم المبادرات التي استهدفت تعزيز التنوع، لا تزال المدارس المرموقة تستقطب بدرجة كبيرة طلابًا ينتمون إلى عائلات ميسورة، ويحظى كثير من أولياء أمورهم بتعليم جامعي، ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول تكافؤ الفرص داخل النظام التعليمي الفرنسي.
شرارة الاحتجاج بدأت من مدرسة
لم تبدأ الموجة الحالية بصورة مفاجئة، إذ تعود شرارتها الأولى إلى 17 سبتمبر، عندما اندلعت احتجاجات في ثانوية سانت إكزوبيري بمدينة كريتاي، الواقعة جنوب شرق باريس.
وجاء التحرك في البداية تضامنًا مع المدرسين الذين كانوا قد نظموا إضرابًا احتجاجًا على نقص العاملين والموارد داخل المؤسسة التعليمية، قبل أن تتوسع دائرة الاحتجاج تدريجيًا.
ومع مرور الأيام، انتقلت التحركات من المدرسة التي شهدت بدايتها إلى مؤسسات تعليمية أخرى، ثم اتخذت طابعًا وطنيًا مع وصول الاحتجاجات إلى مناطق مختلفة من فرنسا.
ومن المفارقات أن الوضع في ثانوية سانت إكزوبيري نفسها عاد إلى الهدوء بعدما وافقت السلطات التعليمية على إرسال موظفين إضافيين إلى المدرسة، من بينهم نائب مدير وممرضة، في خطوة عكست إمكانية معالجة بعض المطالب من خلال الاستجابة المباشرة لمشكلات المؤسسات التعليمية.
لكن في الوقت الذي هدأت فيه الأوضاع نسبيًا داخل المدرسة التي انطلقت منها الحركة، كانت الاحتجاجات قد اكتسبت زخمًا أكبر في مناطق أخرى، وانتقلت من مطالب محلية مرتبطة بالموارد التعليمية إلى نقاش أوسع حول أوضاع التعليم والأمن والسياسة.
مواقع التواصل توسع رقعة الحراك
لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا واضحًا في انتشار الاحتجاجات، خصوصًا مع اعتماد الطلاب على الهواتف المحمولة لتصوير الأحداث ونشرها بصورة مباشرة أو شبه مباشرة.
وانتشرت عبر منصة "تيك توك" وغيرها مقاطع فيديو تظهر إغلاق مداخل المدارس، واحتراق حاويات القمامة، واستخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع، إلى جانب مشاهد من عمليات التوقيف والاشتباكات.
وتمنح هذه المنصات الطلاب القدرة على نقل الأحداث من وجهة نظرهم، بعيدًا عن التغطيات الإعلامية التقليدية، كما تساعد المقاطع الأكثر إثارة على الوصول إلى أعداد أكبر من المستخدمين خلال وقت قصير.
وترى عالمة الاجتماع فاليري بيكيه أن وسائل التواصل تمنح الطلاب فرصة لتقديم رواية مختلفة عن الروايات التي تنقلها وسائل الإعلام التقليدية، وهو ما ساعد على تعزيز الإحساس بوجود حركة احتجاجية واسعة ومشتركة بين الطلاب في مناطق مختلفة.
وفي الوقت نفسه، فإن سرعة انتشار المقاطع المصورة جعلت بعض المشاهد الفردية قادرة على التأثير في الرأي العام، كما ساهمت في تصعيد الجدل حول طريقة تعامل قوات الأمن مع المتظاهرين القاصرين.
الاحتجاجات تدخل الحسابات السياسية
لم تظل الاحتجاجات محصورة في الملف التعليمي، إذ اكتسبت بعدًا سياسيًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، الأمر الذي دفع الحكومة والمعارضة إلى تبادل الاتهامات بشأن الجهات التي تقف خلف الحراك وتداعياته.
واتهمت الحكومة حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي بالوقوف وراء الاحتجاجات والمساهمة في تأجيجها، في وقت نفى فيه قياديون بالحزب هذه الاتهامات.
واتهم القيادي في الحزب مانويل بومبار الحكومة بالانزلاق إلى ما وصفه بـ"نظريات المؤامرة"، بينما أعلن جان-لوك ميلنشون دعمه للاحتجاجات، مع التأكيد على ضرورة اعتماد أساليب سلمية في التعبير عن المطالب.
ويأتي التداخل بين الاحتجاجات والجدل السياسي في وقت حساس بالنسبة إلى المشهد الفرنسي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، وهو ما يجعل أي تحرك اجتماعي واسع محل اهتمام من مختلف القوى السياسية.
وبينما تحاول الحكومة الفصل بين المطالب التعليمية المشروعة وأعمال العنف، تسعى المعارضة إلى تقديم الاحتجاجات باعتبارها تعبيرًا عن مشكلات اجتماعية وتعليمية أوسع، ما يزيد من حساسية الأزمة.
صدامات الشرطة تثير الجدل
بلغ التوتر ذروته في عدد من المناطق مع انتقال الاحتجاجات من إغلاق أبواب المدارس إلى مواجهات مباشرة مع الشرطة.
وأقدم بعض المحتجين على إشعال حاويات القمامة وأشياء أخرى، كما رشقوا أفراد الشرطة بالمقذوفات، ما دفع قوات الأمن إلى التدخل باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، فضلًا عن الهراوات في بعض الحالات.
وفي المقابل، انتشرت مقاطع فيديو أثارت انتقادات واسعة، بعدما أظهرت ما قيل إنها ممارسات عنيفة من جانب الشرطة خلال التعامل مع بعض المحتجين، ومن بينها مشهد لشرطي يطوق فتاة بذراعه من منطقة العنق أثناء توقيفها.
لكن أعمال العنف لم تقتصر على المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين، إذ تعرض أفراد أمن أيضًا لاعتداءات مباشرة. ففي مدينة بلفور شرقي فرنسا، طاردت مجموعة من الشبان أحد أفراد الشرطة واعتدت عليه بالضرب والركل.
كما فقد شاب بصره في عينه اليمنى إثر اشتباكات بين الطلاب والشرطة في مدينة تور وسط فرنسا، وفق ما أعلنه المدعي العام في المدينة.

