يواصل الدولار الأمريكي الضغط على الجنيه المصري للأسبوع الثاني على التوالي، مقتربًا من حاجز 53 جنيهًا، في موجة صعود جديدة تعيد أزمة سعر الصرف إلى الواجهة وتضاعف المخاوف من انتقال الزيادة سريعًا إلى الأسعار والأسواق.

 

ويأتي الصعود بينما يظل الجنيه شديد التأثر بحركة الأموال الساخنة داخل أدوات الدين الحكومية، إذ يمكن لمئات الملايين من الدولارات أن تدخل السوق أو تخرج منها خلال فترات قصيرة، فتتحول العملة المحلية إلى رهينة لتقلبات استثمارات تبحث أساسًا عن العائد المرتفع.

 

وتكشف الأرقام عن مفارقة صعبة؛ ففي الوقت الذي سجل فيه سبتمبر صافي شراء للعرب والأجانب بلغ 702 مليون دولار، عادت تعاملات الأسبوع الماضي لتسجل صافي بيع بنحو 361 مليون دولار، ما يوضح سرعة تبدل هذه التدفقات وهشاشة التعويل عليها.

 

وبينما تتحرك الحكومة ضمن سياسة سعر صرف تقول إنها تخضع للعرض والطلب، يبقى المواطن هو أول من يدفع الفاتورة كلما ارتفع الدولار، لأن تراجع الجنيه يعيد تسعير الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والنقل والخدمات حتى قبل وصول العملة الأمريكية إلى مستويات جديدة.

 

 

الجنيه يقترب من حاجز 53

 

وصل أعلى سعر للدولار في عدد من البنوك إلى 52.35 جنيه للشراء و52.45 جنيه للبيع، لتصبح العملة الأمريكية على مسافة محدودة من حاجز 53 جنيهًا، بعدما استأنفت مسار الصعود أمام الجنيه.

 

وفي المقابل، سجل أقل سعر لدى كريدي أجريكول نحو 52.14 جنيه للشراء و52.24 جنيه للبيع، بما يعكس استمرار الفروق المحدودة بين البنوك بينما يتحرك الاتجاه العام للعملة الأمريكية إلى أعلى.

 

كما بلغ الدولار في بنوك الإسكندرية والمصرف العربي وفيصل الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وأبوظبي الإسلامي نحو 52.34 جنيه للشراء و52.44 جنيه للبيع.

 

وفي البنك الأهلي المصري وبنك قطر الوطني سجل الدولار 52.33 جنيه للشراء و52.43 جنيه للبيع، بينما بلغ في بنك مصر 52.28 جنيه للشراء و52.38 جنيه للبيع.

 

أما البنك المركزي المصري، فسجل الدولار لديه نحو 52.22 جنيه للشراء و52.36 جنيه للبيع، ليؤكد استمرار تحرك العملة الأمريكية فوق مستوى 52 جنيهًا في السوق المصرفية.

 

ولا تتوقف خطورة الاقتراب من مستوى 53 جنيهًا عند الرقم نفسه، لأن كل زيادة جديدة في الدولار تعني تكلفة أعلى للاستيراد ومدخلات الصناعة والطاقة والسلع الوسيطة، وهي تكلفة تنتقل في النهاية إلى المستهلك.

 

كما أن الاقتصاد المصري يعتمد بدرجات مختلفة على استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والغذاء والدواء، ما يجعل تراجع الجنيه قناة مباشرة لضغوط سعرية جديدة يصعب عزل المواطن عنها.

 

 

الأموال الساخنة تهز سوق الصرف

 

وتعود حركة الدولار مجددًا إلى ملف الأموال الساخنة، بعدما سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع بقيمة 361 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي.

 

وتكمن خطورة هذه الأموال في قدرتها على التحرك بسرعة شديدة بين الأسواق وفق أسعار الفائدة والمخاطر والعوائد، ولذلك فإن دخولها يوفر سيولة دولارية مؤقتة، بينما قد يؤدي خروجها المفاجئ إلى ضغوط مباشرة على سوق الصرف.

 

وفي سبتمبر الماضي، كانت الصورة مختلفة، بعدما سجل العرب والأجانب مجتمعين صافي شراء بلغ 702 مليون دولار في أدوات الدين الحكومية المصرية.

 

لكن تفصيل الأرقام يظهر أن العرب سجلوا صافي شراء بنحو 1.528 مليار دولار، بينما سجل المستثمرون الأجانب صافي بيع بقيمة 826.5 مليون دولار خلال الشهر نفسه.

 

وهذه الأرقام تضع الحديث عن استقرار تدفقات النقد الأجنبي أمام اختبار حقيقي، لأن الاعتماد الكبير على استثمارات المحافظ قصيرة الأجل لا يوفر بالضرورة موردًا دولاريًا مستقرًا يمكن البناء عليه لسنوات.

 

كما تجعل حركة الأموال الساخنة الجنيه أكثر ارتباطًا بقرارات مستثمرين يستطيعون الدخول والخروج بسرعة وفق تغير العائد أو المخاطر الجيوسياسية أو اتجاه أسعار الفائدة العالمية.

 

ولا يعني دخول مئات الملايين من الدولارات أن مشكلة العملة حُسمت، كما أن خروجها يكشف سريعًا محدودية الاعتماد على هذا النوع من التدفقات في بناء استقرار طويل الأجل لسوق الصرف.

 

 

فوائد مرتفعة مقابل دولارات مؤقتة

 

وتجذب أدوات الدين المصرية المستثمرين عبر أسعار عائد مرتفعة، لكن هذه السياسة تحمل في المقابل تكلفة ثقيلة على المالية العامة، لأن الحكومة تدفع فوائد مرتفعة مقابل الأموال التي تدخل لشراء أذون وسندات الخزانة.

 

وبالتالي تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا؛ فالدولة تحتاج إلى تدفقات دولارية لدعم سوق الصرف، لكنها في الوقت نفسه تتحمل تكلفة فائدة كبيرة لجذب المستثمرين إلى أدوات الدين المقومة بالجنيه.

 

كما أن الأموال الداخلة إلى أدوات الدين ليست استثمارًا مباشرًا يبني مصنعًا أو يضيف خطوط إنتاج أو يوفر صادرات جديدة، وإنما استثمار مالي يستطيع صاحبه الخروج متى تغيرت حسابات العائد والمخاطر.

 

ويجعل ذلك استقرار الجنيه مرتبطًا جزئيًا بقدرة الدولة على الحفاظ على جاذبية هذه الأدوات، وهو ما يضع سعر الفائدة والدين العام وسعر الصرف داخل دائرة واحدة يتحمل الاقتصاد تكلفة استمرارها.

 

وفي النهاية، فإن الدولار الذي يدخل بحثًا عن العائد المرتفع يمكن أن يغادر بالسرعة نفسها، بينما تبقى تكلفة خدمة الدين وفوائد الاقتراض عبئًا مستمرًا على الموازنة.

 

 

55 جنيهًا ليست نهاية التوقعات

 

ولا تتوقف الضغوط عند الأسعار الحالية، إذ توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يصل الدولار إلى نحو 55 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي، في إشارة إلى استمرار تراجع قيمة الجنيه خلال الفترة المقبلة.

 

كما رجحت الوكالة وصول الدولار إلى نحو 60 جنيهًا بنهاية العام المالي المقبل، ثم إلى 63 جنيهًا بحلول يونيو 2028، قبل بلوغه نحو 66 جنيهًا في يونيو 2029.

 

وتعني هذه التوقعات، إذا تحققت، أن مستوى 53 جنيهًا لن يكون نهاية موجة التراجع، وإنما محطة في مسار أطول يفقد خلاله الجنيه جزءًا إضافيًا من قوته الشرائية أمام العملة الأمريكية.

 

وتربط الوكالة توقعاتها باستمرار سياسة سعر الصرف المرن التي تتبناها السلطات ضمن برنامجها مع صندوق النقد الدولي، بعدما أصبح تحديد السعر منذ مارس 2024 أكثر ارتباطًا بحركة العرض والطلب.

 

لكن تحرير سعر الصرف لا يلغي الثمن الاجتماعي للتراجع، لأن ترك الجنيه يتحرك أمام الدولار دون قدرة إنتاجية وتصديرية كافية لزيادة المعروض المستدام من العملة الصعبة يعني استمرار احتمالات انتقال الضغط إلى الأسعار.

 

كما أن ارتفاع الدولار لا يبقى محصورًا في المستوردين أو الشركات، بل يصل تدريجيًا إلى الأسرة المصرية عبر الغذاء والعلاج والمواصلات والأجهزة والملابس والخدمات المرتبطة بتكاليف الإنتاج.

 

 

المواطن أمام فاتورة جديدة

 

ويأتي الصعود الجديد للدولار بعدما تحمل المصريون خلال السنوات الماضية موجات متتالية من تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع، وهو ما يجعل أي حركة جديدة في سعر الصرف مصدر قلق مباشر للأسر.

 

فالعامل أو الموظف الذي يحصل على راتبه بالجنيه لا ترتفع أجرته تلقائيًا كلما صعد الدولار، بينما يمكن للأسعار أن تستجيب بسرعة أكبر لتغير تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج.

 

كما تتآكل المدخرات المقومة بالجنيه مع كل انخفاض جديد في قيمته أمام العملات الأجنبية، خصوصًا عندما يصاحب تحرك سعر الصرف ارتفاع في معدلات التضخم وأسعار الاحتياجات الأساسية.

 

والمشكلة الأعمق ليست في وصول الدولار إلى 52 أو 53 جنيهًا وحده، وإنما في استمرار اقتصاد يحتاج إلى تدفقات مالية قصيرة الأجل لتخفيف الضغط على العملة بينما تظل احتياجاته الدولارية الأساسية مرتفعة.

 

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أوسع من سعر الدولار داخل شاشات البنوك: إلى متى يمكن إدارة ضغوط العملة عبر الفائدة المرتفعة وجذب الأموال الساخنة بدل بناء موارد دولارية مستقرة من الإنتاج والصناعة والتصدير؟

 

وبين صافي بيع بلغ 361 مليون دولار في أسبوع وتوقعات بوصول الدولار إلى 66 جنيهًا في 2029، تبدو أزمة الجنيه أبعد من حركة يومية في سعر الصرف، بينما يظل المواطن الطرف الذي يستقبل النتيجة النهائية في صورة أسعار أعلى وقوة شرائية أضعف.