بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في قطاع غزة، تعترف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن المشهد ما زال بعيدًا عن الحسم، رغم سيطرة الجيش على نحو 64% من مساحة القطاع وانتشار فرقتين عسكريتين وعشرات المواقع المتقدمة داخله.
ويأتي هذا الاعتراف في وقت كانت القيادة الإسرائيلية قد تحدثت مرارًا عن الاقتراب من تحقيق أهداف الحرب، بينما تكشف الصورة التي تنقلها صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن حركة حماس لا تزال تحتفظ بقدرتها على إدارة المناطق الواقعة خارج نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
وتقول الصحيفة إن الواقع بعد ثلاث سنوات يختلف عن صورة «الانتصار الكامل» التي طُرحت سياسيًا في مراحل سابقة، إذ لا تزال الحركة قادرة على إدارة جوانب من الحياة اليومية، وجمع الأموال، واستقطاب عناصر جدد، رغم الضربات التي تعرضت لها بنيتها العسكرية.
كما تربط تقديرات أمنية إسرائيلية استمرار هذا الوضع بغياب خطة سياسية واضحة لمستقبل غزة، معتبرة أن استمرار الفراغ بشأن الجهة التي ستدير القطاع بعد الحرب سمح لحماس بالحفاظ على وجودها التنظيمي والإداري رغم الخسائر التي لحقت بها.
64 % تحت السيطرة والحسم غائب
يسيطر الجيش الإسرائيلي حاليًا، بحسب «يديعوت أحرونوت»، على نحو 64% من مساحة قطاع غزة، من خلال فرقتين عسكريتين تنتشران في قرابة 30 موقعًا متقدمًا داخل القطاع.
وتقول المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إن وجود القوات بهذا الحجم يمنحها قدرة كبيرة على منع أي تحرك عسكري واسع باتجاه المناطق التي تحتلها، لكنها تقر في الوقت نفسه بأن السيطرة على الأرض لم تتحول إلى حسم سياسي أو إنهاء لقدرة حماس على إدارة المناطق الأخرى.
وتظهر المفارقة هنا بوضوح؛ فكلما توسعت السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع، بقيت مشكلة من يحكم المناطق المكتظة بالسكان قائمة، في ظل عدم وجود بديل سياسي مستقر يستطيع تولي الإدارة بصورة كاملة.
كما تستمر القوات الإسرائيلية في تنفيذ عمليات اغتيال وهجمات موضعية ضد عناصر وقادة في حماس، إلا أن ذلك لم يؤد، وفق القراءة التي نشرتها الصحيفة الإسرائيلية، إلى انهيار الحركة أو فقدانها السيطرة على المناطق الواقعة خارج الانتشار العسكري الإسرائيلي.
ويحول ذلك الحرب من عملية عسكرية كان يفترض أن تنتهي بنتيجة واضحة إلى حالة طويلة من السيطرة الجزئية والعمليات الأمنية المتكررة، بينما تبقى المشكلة السياسية المتعلقة بمستقبل القطاع دون حل نهائي.
حماس ما زالت تدير مناطق غزة
وتشير «يديعوت أحرونوت» إلى أن إحدى أبرز المشكلات التي تواجه إسرائيل تتمثل في استمرار قدرة حماس على إدارة المناطق غير الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، رغم تراجع قدراتها مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
وبحسب تقديرات مسؤولين إسرائيليين، لا تزال الحركة قادرة على جمع الأموال والحفاظ على هيكل إداري يساعدها على استمرار السيطرة، إلى جانب تجنيد شبان جدد لتعويض جزء من الخسائر البشرية التي تعرضت لها خلال الحرب.
لكن المصادر العسكرية نفسها تقول إن قدرات حماس العسكرية تضررت بشدة، وإن الحركة تعاني نقصًا في الذخيرة والمواد الخام، ما يحد من قدرتها على تدريب أعداد كبيرة أو إعادة بناء القوة العسكرية التي كانت تمتلكها قبل الحرب.
وبذلك تبدو حماس، وفق التقييم الإسرائيلي المنشور، أضعف عسكريًا مما كانت عليه سابقًا لكنها لا تزال قادرة على البقاء كقوة تنظيمية وإدارية في المناطق التي لا يحتلها الجيش مباشرة.
وتكشف هذه الصورة الفارق بين إضعاف القدرات العسكرية وإنهاء وجود الحركة تمامًا، إذ يمكن توجيه ضربات متتالية إلى البنية العسكرية دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى إسقاط النظام الإداري والتنظيمي القائم داخل القطاع.
600 شاحنة تتحول إلى معضلة
وتبرز قضية دخول المساعدات والبضائع باعتبارها واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ يدخل إلى قطاع غزة نحو 600 شاحنة يوميًا بموافقة إسرائيل، بحسب التقرير الإسرائيلي.
ويقول مسؤولون إسرائيليون إن المواد الغذائية والوقود والغاز تدخل عبر معبر كرم أبو سالم بعد عمليات فحص، لكنهم يزعمون أن حماس تستطيع بعد دخولها السيطرة على جانب من حركة توزيعها والاستفادة ماليًا منها.
وتقول المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إنها لا تمتلك حاليًا آلية فعالة تمنع الحركة بصورة كاملة من الحصول على موارد مالية مرتبطة بتداول هذه السلع داخل القطاع، وهو ما تعتبره أحد أسباب استمرار قدرتها على الحفاظ على بنيتها التنظيمية.
كما ينقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن الحركة تحصل على أموال عبر فرض ضرائب وتنظيم حركة السلع داخل المناطق التي تديرها، وهي رواية إسرائيلية تتعلق بكيفية إدارة المساعدات والبضائع بعد دخولها إلى غزة.
ولا يعني ذلك، وفق التقدير العسكري الإسرائيلي نفسه، أن تلك الأموال تسمح لحماس بإعادة بناء قدراتها العسكرية القديمة بصورة كاملة، لكنها تساعدها على الاستمرار كسلطة أمر واقع والحفاظ على عناصرها وأجهزتها المحلية.
خندق وساتر لترسيخ السيطرة
وفي موازاة غياب الحسم، يواصل الجيش الإسرائيلي إنشاء بنية عسكرية جديدة داخل القطاع، تشمل حاجزًا مضادًا للمركبات يتكون من خندق واسع وساتر ترابي على الجانب الشرقي من ما يسمى «الخط الأصفر».
كما تنفذ القوات عمليات حفر وفحص متكررة تحت الأرض بهدف اكتشاف أي أنفاق محتملة قد تمتد باتجاه المناطق الإسرائيلية، في مؤشر على انتقال جانب من الجهد العسكري إلى تثبيت واقع أمني طويل المدى.
ويفصل «الخط الأصفر» بين المناطق التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي والمناطق التي يستطيع الفلسطينيون التحرك فيها، لتصبح غزة عمليًا مقسمة بين نطاق سيطرة عسكرية إسرائيلية ومناطق أخرى لا تزال حماس صاحبة النفوذ الأكبر فيها.
ولا تبدو أعمال التحصين الجديدة مؤشرًا على قرب انتهاء المواجهة، بقدر ما تعكس استعدادًا لاستمرار الوجود العسكري لفترة أطول، في ظل غياب اتفاق سياسي يحدد شكل إدارة القطاع ومستقبله.
غياب الخطة السياسية يطيل الحرب
ويضع التقرير الإسرائيلي غياب البديل السياسي في قلب أسباب استمرار الوضع الحالي، معتبرًا أن إسرائيل لم تقدم حتى الآن صيغة عملية واضحة للجهة التي يمكن أن تدير غزة إذا فقدت حماس سلطتها بالكامل.
وبذلك تواجه إسرائيل معضلة مزدوجة؛ فهي تستطيع السيطرة عسكريًا على مساحات واسعة وتنفيذ عمليات متواصلة، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا التفوق إلى نظام سياسي وإداري بديل يعمل في بقية القطاع.
كما أن استمرار حماس، حتى بقدرات أضعف، يجعل هدف نزع سلاحها بالكامل نقطة مركزية في أي تسوية مستقبلية، بينما يؤكد مسؤولون إسرائيليون أنهم لا يعتزمون التخلي عن هذا الشرط.
وفي المقابل، تشكك التقديرات الإسرائيلية نفسها في استعداد حماس للتخلي الكامل عن سلاحها، باعتبار أن السلاح يمثل بالنسبة للحركة أحد أهم عناصر بقائها ونفوذها داخل القطاع.
وتعني هذه المعادلة أن الطريق إلى تسوية نهائية ما يزال معقدًا، لأن الطرف الإسرائيلي يربط أي نهاية للحرب بنزع سلاح الحركة، بينما لا تظهر حتى الآن مؤشرات على قبول حماس بهذا الشرط بالصورة التي تطالب بها إسرائيل.
ثلاث سنوات بلا انتصار كامل
وتبدو الخلاصة الأكثر وضوحًا في التقرير الإسرائيلي أن ثلاث سنوات من العمليات العسكرية والسيطرة على غالبية مساحة القطاع لم تنتج حتى الآن الحسم الذي تحدثت عنه القيادة الإسرائيلية في مراحل سابقة.
فالجيش يسيطر على 64% من الأرض ويحتفظ بقوات كبيرة داخل غزة، لكنه في الوقت نفسه يقر بأن حماس لا تزال موجودة وتحكم مناطق مأهولة وتحافظ على جزء من بنيتها التنظيمية.
كما أن دخول نحو 600 شاحنة يوميًا وتحول طريقة توزيعها إلى معضلة أمنية إسرائيلية، إلى جانب استمرار عمليات التجنيد وجمع الأموال، يعكسان الفارق بين السيطرة العسكرية على الأرض والقدرة على إنهاء حركة سياسية وعسكرية متجذرة داخل المجتمع.
وبين الخنادق والحواجز والاغتيالات والانتشار العسكري الواسع، تبقى غزة بعد ثلاث سنوات ساحة مفتوحة بلا تسوية نهائية، بينما تقر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها بأن الحسم لا يزال بعيدًا.
وفي النهاية، فإن أهم ما تكشفه الاعترافات الإسرائيلية ليس حجم الأراضي التي يسيطر عليها الجيش، بل عجز تلك السيطرة حتى الآن عن إنتاج النتيجة السياسية التي وعدت بها الحكومة؛ فالتفوق العسكري قائم، لكن سؤال من يحكم غزة وكيف تنتهي الحرب ما زال بلا إجابة حاسمة.

