شريف أيمن
كاتب وصحافي مصري
في العاشر من ديسمبر 2020، أعلن ترامب أنّ الولايات المتحدة تعترف بسيادة المغرب على أراضي الصحراء الغربية المُتنازَع عليها، وأنّها ستفتح قنصلية لها في مدينة الداخلة جنوب المغرب (لم تُفتح حتى الآن)، وأنّها توسّطت لتطبيع العلاقات الجزئيّة بين المغرب وإسرائيل، فكان هذا إعلان انضمام المغرب إلى ما سُمّيت "اتفاقيات أبراهام" التي طبَّعت مع العدو الرئيسي للأمة.
للأسف كان التطبيع تحت مظلة حكومة حزب العدالة والتنمية المعروف بثقافته (الإسلامية) وبرئاسة سعد الدين العثماني الذي لا بد أن يُذكر اسمه في لحظة من أسوأ لحظات المغرب، وبالطبع ألقى به الملك المغربي على قارعة الطريق بعدما أخذ منه ما يريد، وجعله يوقّع بنفسه على إعلان ثلاثيّ بين الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل يؤكّد التعاون في مجالات عدّة، فانهارت مقاعده في البرلمان التالي من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط، لتتأكد رسالة المستبدين على طول الحياة: التنازل عن القيم الأساسية والمبادئ أمام المستبد لا يعني الحكمة بل ضدّها. وهذا لا يعني الجمود في الممارسة في القضايا غير الأساسية في التكوين الثقافي للتنظيمات.
بعد نحو ست سنوات من خطوة الاتفاقية، قرر ملك المغرب الذي يلقَّب بـ"أمير المؤمنين"، ويترأس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، رفع مستوى التمثيل مع الكيان الصهيوني الذي يغتصب القدس وعموم أراضي الفلسطينيين ليضيف عارًا جديدًا لحكمه، وما أغناه، وهو البعيد عن جغرافيا الأراضي المحتلة بآلاف الكيلومترات، عن هذه الخطوة التي لن تمنح حكمه مكسبًا شعبيًّا، وإن منحتْه الدخول في الطوق الأمريكي الذي لا يعين أنصاره في المُلمَّات، والقصف الإيراني على الخليج والأراضي المحتلة خير دليل على تباين المواقف الأمريكية من العرب والصهاينة.
كان المبرر الذي رُوِّج له وقت إعلان عودة العلاقات عام 2020 هو الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهو اعتراف لم يُجاوز الحبر على الورق، فضلًا عن إثارته توترات جديدة في العلاقات الجزائرية-المغربية، والأمر نفسه يُقال عن الترويج الإماراتي للتطبيع مع الصهاينة، بأنه سيترتب عليه بيع أمريكا لها مقاتلات F35، وبالطبع لم تحصل عليها الإمارات بعد ست سنوات من الاتفاقية، للاعتراضات الصهيونية في الأساس وللمراوغة الأمريكية المعتادة التي تبدي الجزرة ولا تمنحها لأحد، إذ تعتقد أن العصا كافية.
وفي السياق ذاته، كانت الإمارات والبحرين قد قالتا إن الاتفاقيات مع الصهاينة لأجل الفلسطينيين، ولأجل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، وإذا تجاهلنا الوضع القائم اليوم من تسارع وتيرة الاستيطان، فلا يمكن تجاهل أنّ نتنياهو بعث رسالة رسمية إلى قادة المستوطنات أكد فيها أن مجلس التخطيط الأعلى للبناء في المستوطنات بالضفة سيعقد اجتماعا، بعد انتهاء عطلة "عيد العرش" في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2020، للمصادقة على بناء 5400 وحدة استيطانية جديدة بالضفة، أي بعد أقل من شهر من توقيع الاتفاقيات في أمريكا يوم 15 سبتمبر 2020.
وفي المغرب، نجد أن مايك والتز سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة، قال في مؤتمر إعلان رفع التمثيل الدبلوماسي منذ أيام: إن التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بنسبة 500 في المئة منذ اتفاقيات أبراهام، وقد بلغت واردات المغرب من كيان الاحتلال عام 2025 نحو 380.75 مليون دولار، مقابل صادرات مغربية إلى سوق الاحتلال بقيمة تقارب 117.95 مليون دولار، ما يعني تسجيل المغرب عجزًا تجاريًّا يناهز 262.8 مليون دولار. وتعادل قيمة الواردات المغربية من الكيان نحو ثلاثة أضعاف قيمة الصادرات، في مؤشر إلى اختلال واضح في الميزان التجاري الثنائي وأي الفريقين يحقق المكاسب بصورة أكبر من هذا التطبيع.
وعلى الصعيد العسكري، تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام للفترة 2021-2025، إلى أن كيان الاحتلال صار من كبار مزودي المغرب بالأسلحة، إذ قدّمت الولايات المتحدة 60 في المئة من واردات المغرب من الأسلحة، وجاء كيان الاحتلال في المرتبة الثانية بنسبة 24 في المئة، خلال هذه الفترة، ولا أعتقد أن المغرب يصدِّر سلاحًا إلى كيان الاحتلال، ما قد يعني أن ميزان التبادل العسكري لا مقارنة فيه بين الطرفين. وللمرء أن يتخيل أن سلاح دولته يأتي ربعُه من عدوِّه!
هذه العملية الأخيرة لا تعني سوى رضا الحاكم المغربي عن كيان الاحتلال، وبالتالي قرر تقديم هذه المكافأة الدبلوماسية، والأكثر إثارة للاستغراب أنه راضٍ عن نتنياهو، فدعمه بهذه الخطوة قبيل الانتخابات في الداخل المحتل بخمسة أسابيع فقط، وهو المجرم بقرار من المحكمة الجنائية الدولية، والقاتل لأكثر من 73 ألف روح في 3 أعوام فقد، ليشابه هتلر وهولاكو وغيرهما من مجرمي التاريخ المتعطشين للدماء.
إن الواقع الرسمي العربي لا يزال يتردّى منذ مقدم قوات الاحتلال إلى بلادنا قبل أكثر من قرنين وربع، لكن هذا التردي زاد بصورة كارثية في العقدين الأخيرين، وقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بوابة للتوحش الأمريكي، وسببًا للتزلُّف إلى الأمريكان لنفي تهمة "الإرهاب" عن الأنظمة العربية، فأصبحت وَحدة الأمة مسألة هامشية عند الأنظمة المتعاقبة على المنطقة، ثم جاء الربيع العربي لتستغله أنظمة الاستبداد في تعميق السيطرة على المجتمعات، وترافقت عملية القمع مع التركيز على اكتساب الشرعية الدولية دون المحليَّة، ولا يزال كيان الاحتلال القبيح هو بوابة الاعتراف الدولي، ما يجعل هذه الأنظمة الفاقدة للشرعية الداخلية تتهافت على الكيان المتهافت، وما أجدرهم بقول ابن رشد "تهافت التهافت"، فأفعالهم متهافتة على نظام متهافت لا محالة.

