يطرح إعلان تحالف يضم سبع قوى إثيوبية، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وميليشيا فانو وجيش تحرير أورومو، سؤالًا بالغ الحساسية حول إمكانية تحول الصراع الداخلي في إثيوبيا إلى أزمة إقليمية تطال النيل الأزرق وسد النهضة والسودان والبحر الأحمر، بحسب الكاتب محمد القرضاوي. ويعلن التحالف هدفًا سياسيًا واضحًا يتمثل في إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية.

 

وأورد صوت الإمارات أن أهمية التطور لا ترتبط فقط باحتمال اتساع رقعة الصراع داخل إثيوبيا، وإنما أيضًا بالمواقع الاستراتيجية التي تنشط فيها هذه القوى والأقاليم التي تمثلها، والتي تتقاطع مع ملفات حيوية بالنسبة إلى مصر، من النيل الأزرق وسد النهضة إلى السودان والبحر الأحمر.

 

وتزداد حساسية المشهد مع اجتماع قوى سبق أن خاضت حروبًا مباشرة ضد بعضها البعض؛ إذ وقفت جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو على طرفي نقيض خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022. غير أن الاتفاق الجديد لا يعني حتى الآن تشكيل قوة عسكرية موحدة، كما لا يمتلك التحالف قدرة مثبتة على إسقاط الحكومة، في ظل استمرار الانقسامات السياسية والجغرافية والعسكرية بين مكوناته.

 

 

تحالف إثيوبي جديد يواجه حكومة آبي أحمد

 

أُعلن في سبتمبر 2026 عن تحالف حمل اسم «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، ويضم سبع حركات تمثل أقاليم وفئات مختلفة، من بينها تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفار وبني شنقول-قمز والإقليم الصومالي.

 

وينص الوثيقة التأسيسية للتحالف على سعي الفصائل المشاركة إلى إنهاء حكم حزب الازدهار وفتح الطريق أمام تشكيل حكومة انتقالية شاملة. ويجعل ذلك الإعلان أكثر أهمية من مجرد تنسيق ميداني بين جماعات مسلحة، رغم بقاء قدرته على تحويل هذا الهدف إلى واقع سياسي محل شك.

 

ويعكس التحالف اتساع نطاق المعارضة المسلحة للحكومة المركزية عبر مناطق جغرافية متباعدة، في وقت تعاني فيه البلاد بالفعل تداعيات الصراعات المتراكمة في تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى. وأشار البنك الدولي إلى استمرار تأثير هذه الصراعات في مناطق بينها عفار وأمهرة وبني شنقول-قمز وأوروميا وتيغراي، بما يشمل النزوح واضطراب الأسواق وفقدان الأصول وسبل كسب العيش.

 

ويكشف انضمام جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو إلى إطار واحد عن طبيعة التحول الجديد، بعدما خاض الطرفان الحرب الإثيوبية بين عامي 2020 و2022 على جانبين متعارضين. وانتهت حرب تيغراي بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، لكن الصراعات الداخلية استمرت، ودخلت فانو لاحقًا في مواجهة مع الحكومة الفيدرالية، بينما عادت التوترات السياسية والأمنية المتعلقة بتيغراي إلى الواجهة.

 

ويشير هذا التناقض إلى أن نقطة الالتقاء الحالية بين هذه القوى لا تستند بالضرورة إلى مشروع سياسي موحد، وإنما إلى معارضة السلطة المركزية. وتبقى قضايا شكل الدولة الإثيوبية، مثل الفيدرالية والحدود وتوزيع السلطة والثروة، مصادر محتملة لخلافات جديدة داخل التحالف إذا انتقل من مرحلة التنسيق إلى مرحلة تحديد شكل نظام الحكم المقبل.

 

 

سد النهضة والنيل الأزرق.. نقاط تماس جديدة مع مصر

 

تكتسب منطقة بني شنقول-قمز أهمية استثنائية عند تقييم التداعيات الإقليمية للتحالف الجديد، إذ يقع فيها سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية. ولا توجد أدلة موثوقة تشير إلى سيطرة التحالف على السد أو تشكيله تهديدًا مباشرًا له، إلا أن وجود أحد فصائل التحالف في منطقة ترتبط جغرافيًا بمنشأة مائية استراتيجية يجعل استقرار المنطقة عاملًا يستحق المتابعة.

 

وسجل البنك الدولي بالفعل آثارًا للصراعات في بني شنقول-قمز ومناطق إثيوبية أخرى، بما يؤكد أن حالة عدم الاستقرار الأمني لا تقتصر على شمال البلاد.

 

وتغيرت أهمية هذا الملف بالنسبة إلى مصر بعد انتقال سد النهضة من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل عقب افتتاحه رسميًا في 2025. وتتركز اهتمامات القاهرة حاليًا على قواعد التشغيل وتبادل البيانات وإدارة تأثير السد على دولتي المصب.

 

وقالت وزارة الموارد المائية والري المصرية في يوليو 2026 إنها تراقب تدفقات النيل والتغيرات المرتبطة بتشغيل السد، مؤكدة أن غياب قواعد واضحة للتشغيل وآلية منتظمة لتبادل البيانات يمثل مشكلة أساسية من وجهة نظرها.

 

ولم يغلق افتتاح سد النهضة الملف بالنسبة إلى مصر، بل نقل التركيز من مسألة بناء السد إلى تفاصيل تشغيله وإدارته على مدى السنوات المقبلة، وانعكاس ذلك على تدفقات النيل الأزرق.

 

وقدم وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم في سبتمبر 2026 بيانات إلى مراسلي الصحافة الأجنبية بشأن العجز المائي في مصر، موضحًا أن أكثر من 98% من موارد البلاد المائية المتجددة تأتي من خارج حدودها، وهو ما يبرز حساسية أي تطورات تؤثر في منابع النيل أو البنية التحتية المائية لدول الحوض.

 

وفي المقابل، تؤكد القاهرة أن سياستها تجاه دول حوض النيل تقوم على التعاون والتنمية والمصالح المشتركة وتحقيق المنافع المتبادلة، إلى جانب الالتزام بمبادئ القانون الدولي الخاصة بإدارة الموارد المائية العابرة للحدود.

 

ومن ثم، تكتسب أي حالة عدم استقرار طويلة الأمد داخل إثيوبيا أهمية بالنسبة إلى مصر، ليس بالضرورة لأنها تعني تغييرًا في موقف القاهرة من سد النهضة، وإنما لاحتمال تأثيرها في البيئة السياسية والأمنية التي تُدار فيها إحدى أهم المنشآت المائية على النيل الأزرق.

 

ولا يتوقف مسار النهر عند الحدود الإثيوبية، إذ يعبر النيل الأزرق الأراضي الإثيوبية إلى السودان قبل وصوله إلى مصر. وفي الوقت نفسه، يعيش السودان منذ عام 2023 حربًا واسعة النطاق أثرت في توازنات القوى والحدود والديناميات الأمنية في المنطقة.

 

وتظهر دراسات البنك الدولي أن حرب تيغراي نفسها لم تبقَ محصورة في الإقليم، إذ وقع 37% من حوادث الصراع المسجلة خارج تيغراي وأمهرة وعفار، وكانت أوروميا صاحبة النصيب الأكبر من تلك الحوادث الخارجية، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للصراع.

 

وتزداد أهمية هذا الترابط في ظل الحرب المستمرة في السودان، إذ يمكن لأي تحول كبير في البيئة الأمنية على الحدود الإثيوبية السودانية أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد المحيط بالنيل الأزرق.

 

ولا يعني ذلك تلقائيًا امتداد الصراع إلى مصر، لكنه يربط إثيوبيا والسودان بشكل وثيق بمعادلة الأمن المائي والأمن الإقليمي المصري، خصوصًا في ظل ارتباط البلدين بمجرى النيل وبالمشهد الأمني في شرق إفريقيا.

 

 

إثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر.. معادلة أمنية تمس مصر

 

تظهر زاوية أخرى للأزمة في شرق إثيوبيا، حيث تتدهور العلاقات مع إريتريا، في تحول واضح عن الوضع الذي ساد خلال حرب تيغراي.

 

واتهمت الحكومة الإثيوبية في فبراير 2026 إريتريا بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، وربطت أديس أبابا الأزمة برغبتها في الحصول على ترتيبات تتيح لها الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب، بينما لم تؤكد إريتريا الاتهامات الإثيوبية.

 

وتدخل مصر في هذه المعادلة من زاوية مختلفة تتمثل في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وعززت القاهرة علاقاتها مع إريتريا، بالتزامن مع تأكيدها خلال تحركات دبلوماسية إقليمية في سبتمبر 2026 أهمية الأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

 

وبذلك، تتقاطع الأزمة الإثيوبية مع المصالح المصرية من اتجاهين؛ النيل الأزرق غربًا، والبحر الأحمر والقرن الإفريقي شرقًا.

 

ولا يمكن فصل ملف البحر الأحمر عن الأمن المصري، إذ يمثل مضيق باب المندب البوابة الجنوبية للممر الملاحي المؤدي إلى قناة السويس، ويمكن لأي اضطراب كبير في المنطقة أن يؤثر في التجارة وتدفقات الطاقة وحركة الملاحة.

 

وتزداد حساسية هذا الممر مع استمرار التوترات في البحر الأحمر واليمن، في وقت أكدت فيه مصر والسعودية أهمية حرية الملاحة وأمن مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

 

وفي هذا السياق، يصبح أي تحول في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، أو في طبيعة وجود القوى الإقليمية حول القرن الإفريقي، جزءًا من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود الصراع الداخلي الإثيوبي.

 

وتسعى إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر، بينما تسيطر إريتريا على شريط ساحلي طويل على البحر الأحمر، وترتبط مصر مباشرة بقناة السويس وأمن الملاحة فيها. ولذلك، يمكن أن تتقاطع مسارات الدول الثلاث استراتيجيًا حتى في غياب تحالف مباشر بينها.

 

ولا يكفي إعلان سياسي للإجابة عن سؤال قدرة التحالف الجديد على إسقاط حكومة آبي أحمد. فعلى الرغم من الانتشار الجغرافي الواسع للقوى المشاركة، تختلف هذه الفصائل في قدراتها وأهدافها وخبراتها العسكرية ومطالبها السياسية، كما يمكن للمسافات الشاسعة بين جبهاتها أن تعرقل التنسيق العملياتي.

 

وأفادت رويترز بأن محللين حذروا من أن التشتت الجغرافي والانقسامات السياسية وضعف بعض مكونات التحالف قد تحد من قدرته على العمل كقوة موحدة.

 

ومع ذلك، يمثل نجاح هذه القوى في الحفاظ على إطار مشترك تطورًا مهمًا في الصراع الإثيوبي، لأنه يجمع أطرافًا كانت في السابق خصومًا أو أعداء حول هدف مشترك يتمثل في معارضة الحكومة المركزية.

 

ومن ثم، سيكون المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة هو قدرة التحالف على الانتقال من وثيقة سياسية مشتركة إلى تنسيق فعلي على الأرض ومشروع سياسي قابل للاستمرار، وليس مجرد الإعلان عن تأسيسه.

 

وبالنسبة إلى المصالح المصرية، يمكن اختصار الخريطة الجديدة في خمس دوائر مترابطة هي سد النهضة والنيل الأزرق والسودان وإريتريا والبحر الأحمر.

 

ولا تعني هذه الروابط أن مصر أصبحت طرفًا في الصراع الداخلي الإثيوبي، وإنما تعكس حقيقة أن التطورات في الدولة التي ينبع منها النيل الأزرق تجري داخل منطقة ترتبط مباشرة بأمن السودان، بينما تتقاطع تحولات شرق إثيوبيا مع أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

 

وتؤكد التصريحات المصرية الأخيرة أن التعاون والتنمية والأمن المائي تشكل ركائز أساسية في سياسة القاهرة تجاه دول حوض النيل.

 

وبالتالي، لا تقاس القيمة الاستراتيجية للتحالف الجديد بالنسبة إلى مصر بمدى قدرته الحالية على إسقاط حكومة آبي أحمد، وإنما بقدرته المحتملة على تغيير مستوى الاستقرار داخل دولة المنبع.

 

فإذا بقي التحالف إطارًا سياسيًا محدودًا، فستختلف تداعياته عن سيناريو تحوله إلى صراع مسلح واسع. أما إذا اتسعت المواجهة، فستزداد أهمية مناطق بني شنقول وأوروميا وأمهرة وتيغراي، إلى جانب الحدود السودانية، عند تقييم التداعيات الإقليمية للأزمة.

 

وتكشف التطورات أن التحالف الإثيوبي الجديد ظهر في لحظة تتقاطع فيها أزمات متعددة، من الصراع الداخلي بين الحكومة المركزية والأقاليم، وتجدد التوتر بشأن تيغراي، واستمرار القتال في أمهرة وأوروميا، وتصاعد الخلافات مع إريتريا، إلى جانب الحرب المستمرة في السودان.

 

ويشير البنك الدولي إلى استمرار معاناة عدة أقاليم إثيوبية من آثار الصراع على السكان والأسواق وسبل العيش، ما يجعل الاستقرار السياسي والأمني تحديًا يتجاوز العاصمة أديس أبابا بكثير.

 

أما بالنسبة إلى مصر، فتتجسد أهمية التطور في المناطق التي تتقاطع فيها السياسة والأمن والمياه والجغرافيا. وترتبط بني شنقول-قمز بسد النهضة، ويعبر النيل الأزرق السودان، وتطل إريتريا على البحر الأحمر، بينما يرتبط مضيق باب المندب بصورة مباشرة بالمصالح البحرية المصرية.

 

ومن ثم، لا يتمثل السؤال الذي يطرحه تحالف سبتمبر 2026 في بقاء آبي أحمد في السلطة أو رحيله فحسب، بل في ما إذا كانت إثيوبيا تدخل مرحلة جديدة تعيد توزيع مراكز القوة داخل الدولة، بما قد يعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي المحيط بمصر، من النيل إلى البحر الأحمر.

 

 

تحالف إثيوبيا الجديد

 

يمثل التحالف الإثيوبي الجديد تحولًا سياسيًا وأمنيًا مهمًا، إذ يجمع سبع قوى، بينها أطراف كانت خصومًا في السابق، حول هدف معلن يتمثل في تغيير الحكومة وتشكيل إدارة انتقالية.

 

لكن قدرة التحالف على تحقيق هذا الهدف لا تزال غير محسومة، فيما تمثل الانقسامات السياسية والجغرافية والعسكرية بين مكوناته اختبارًا رئيسيًا لاستمراره.

 

وبالنسبة إلى مصر، لا تكمن الأهمية الأعمق للتحالف في التنبؤ ببقاء الحكومة الإثيوبية أو سقوطها، وإنما في تغير البيئة المحيطة بملفات النيل الأزرق وسد النهضة والسودان والبحر الأحمر في الوقت نفسه.

 

وإذا نجح التحالف الجديد في إعادة تشكيل السياسة الإثيوبية، فسيُقاس تأثيره الإقليمي بمدى انتقال الصراع من خلافات داخلية إلى إعادة صياغة موازين القوى حول دولة المنبع.

 

ويفرض ذلك على مصر متابعة التطورات من منظور الأمن المائي والاستقرار الإقليمي وأمن البحر الأحمر، بعيدًا عن الانحياز إلى فصيل إثيوبي ضد آخر.

 

https://www.voiceofemirates.com/en/politics/2026/09/23/ethiopias-new-alliance-how-does-the-internal-conflict-approach-egypt-the-renaissance-dam-and-the-red-sea/