أعاد قرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بصرف تعويضات لمتضرري خزان أسوان والسد العالي فتح جرح التهجير النوبي، وسط انتقادات تعتبر الإجراءات تسويات محدودة تتجاهل المطالب الأساسية بالعودة والتعمير والمشاركة في التنمية.

 

وبين أراضٍ ووحدات سكنية ومبالغ تتوزع على الورثة، تتجدد مساءلة الحكومة عن اختزال قضية مجتمع اقتُلع من موطنه في كشوف مستحقين، بينما يطالب أبناؤه بمستقبل على أرضهم، لا بتسكين غضبهم.

 

 

 

 

تعويضات محدودة وجرح لا يندمل

 

يتضمن القرار تمليك 44 مستحقًا الأراضي المقام عليها مساكنهم، وتقع غالبيتها في غرب سهيل والسيل الريفي، إلى جانب تخصيص نحو 133 فدانًا زراعيًا بمنطقتي خورقندي ووادي الأمل لنحو 86 حالة مستحقة.

 

ويشمل كذلك توزيع أربع وحدات سكنية، واحدة في كوم أمبو وثلاث في برج العرب الجديدة بالإسكندرية، وصرف مبالغ تتجاوز 11 مليون جنيه بديلًا عن أراضٍ زراعية أو مساكن للمستحقين وورثتهم.

 

هذه الأرقام تحدد نطاق القرار، لكنها لا تجيب عن سؤال العدالة بعد عقود من الانتظار؛ فالتعويض الذي يبدو معتبرًا عند جمعه قد يتضاءل حين يصل إلى أسر تعددت أجيالها واحتياجاتها.

 

وأوضح أحد المتابعين للملف أنه يعرف حالة حصلت على 250 ألف جنيه سنة 2019، وتقاسمها 13 وريثًا، بما يعادل نحو 19 ألف جنيه للفرد، وفق روايته عن توزيع المبلغ بينهم.

 

وتكشف هذه الشهادة، دون تعميمها على جميع الحالات، أثر التأخير في إضعاف جدوى التعويض؛ إذ لم تعد الخسارة تخص المتضرر الأصلي وحده، بعدما انتقلت تبعاتها إلى أبناء وأحفاد يبحثون عن الاستقرار.

 

وفي موقف سابق يضيء جوهر الاعتراض، اعتبر الأديب النوبي حجاج أدول، ممثل النوبة بلجنة الخمسين لصياغة الدستور، أن العودة أصل الحقوق النوبية، رافضًا التعامل مع خصوصية المجتمع باعتبارها قابلة للمحو.

 

ولا يمثل موقف أدول تعليقًا على القرار الحالي، لكنه يقدم معيارًا لمساءلة التعويضات المطروحة؛ فمعالجة خسارة المسكن أو الأرض تظل قاصرة إذا انفصلت عن استعادة المجتمع لصلته بمكانه وثقافته وفرص إنتاجه.

 

ويظل تخصيص وحدات بالإسكندرية موضع سؤال في هذا السياق؛ فقد يلائم اختيار بعض المستحقين، لكنه لا يجيب بذاته عن مطلب العودة إلى النوبة، ولا يصلح دليلًا على تنفيذ هذا المطلب.

 

وتستحق الأسر تحصيل حقوقها المالية والعينية دون إبطاء، لكن استحقاقها لا يمنح الحكومة شهادة بإنهاء القضية؛ فالخلط بين تسوية ملكية فردية وإنصاف مجتمع مهجر يفرغ المطالب الأوسع من مضمونها الحقيقي.

 

 

استحقاق دستوري تحاصره التسويات الجزئية

 

يشترط القرار تقديم إفادة رسمية معتمدة تثبت عدم سبق حصول المتضرر أو ورثته على تعويض، ويمنح محافظ أسوان صلاحية التوقيع على بعض العقود والإذن بصرف المبالغ النقدية للحالات المستحقة للتعويض.

 

ومن حيث الغرض المعلن، يمنع الشرط ازدواج الصرف، لكنه يضع أمام الأسر متطلبًا إداريًا إضافيًا؛ ولذلك تصبح سهولة استخراج الإفادات وسرعة مراجعتها جزءًا من اختبار جدية الدولة في إنهاء الانتظار.

 

وسبق أن تشكلت اللجنة الوطنية المعنية بالتعويضات سنة 2019، ثم فُتح تلقي طلبات تحديد الرغبة على مرحلتين، بينما أظهرت بيانات عُرضت في مايو 2023 تقدم 7209 مستحقين من إجمالي 11500.

 

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المتقدمين تسلموا مستحقاتهم، كما لا تفسر وحدها أسباب عدم تقدم الباقين؛ لكنها تفرض نشر حساب واضح يميز بين تقديم الطلب والتخصيص والتسليم الفعلي للمستفيدين.

 

أما القضية الدستورية فتتجاوز انتظام الصرف؛ إذ تتضمن المادة 236 التزامًا بوضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وفق تنظيم قانوني لهذا الاستحقاق المحدد.

 

وفي اعتراض سابق ذي صلة، انتقد ياسين عبدالصبور، الذي كان نائبًا عن دائرة نصر النوبة، قانون إنشاء هيئة تنمية الصعيد سنة 2018، معتبرًا تجاهله إعادة توطين النوبيين انتقاصًا من حقوقهم الدستورية.

 

وينصب اعتراض عبدالصبور على ذلك القانون تحديدًا، لكنه يوضح خللًا متكررًا في المقاربة الرسمية؛ فلا يكفي إطلاق عنوان التنمية على مشروعات لا تضمن صراحة موقع أصحاب الأرض وحقوقهم داخلها عمليًا.

 

ومع انقضاء السنوات العشر المحسوبة من دستور 2014، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا عن حصيلة تنفيذ الاستحقاق؛ فالقرارات المالية المتتابعة لا تقوم مقام خطة معلنة للعودة، بمواعيد ومسؤوليات وموارد قابلة للمراجعة.

 

وتتحمل الحكومة مسؤولية تقديم إجابات محددة بشأن الأراضي المتاحة والتشريعات المطلوبة والعقبات التنفيذية، بدل ترك المواطنين أمام مسار تعويضات منفصل عن حقهم في معرفة متى وكيف تتحقق العودة والتنمية معًا.

 

 

مطالب التعمير تتجاوز سياسة المسكنات

 

جاء نشر القرار بعد ثلاثة أيام من مؤتمر شعبي بقرية السيالة والمحرقة، شارك فيه مئات النوبيين، وطرح مطالب تتعلق بالتعمير والتنمية المستدامة، بما يتجاوز نطاق التعويضات الفردية الواردة في القرار.

 

واعتبر اثنان من المشاركين في تنظيم المؤتمر أن القرار لا يستجيب لتلك المطالب، ووصف أحدهما الإجراءات بالمسكنات، ورأى أنها تستهدف تهدئة التحرك الشبابي، وهو تفسير سياسي منسوب إليه لتوقيت الإعلان.

 

ولا يثبت التقارب الزمني وحده وجود علاقة سببية بين المؤتمر والقرار، لكن مضمون المطالب يكشف المسافة بين الطرفين؛ فالأهالي يتحدثون عن بناء مستقبل جماعي، بينما تقتصر الإجراءات المعلنة على مستحقات محددة.

 

وطالب المؤتمر بتشكيل لجنة تضم متخصصين وقيادات وشبابًا وممثلي القرى والهيئات النوبية، تتولى إعداد رؤى المشروعات والتواصل مع الجهات المعنية، بما يعكس رغبة واضحة في المشاركة المباشرة بصنع القرار التنموي.

 

كما دعا إلى تمليك الشباب وحدات سكنية وتجارية بتوشكى الجديدة، وإقامة قرى نموذجية بالنوبة القديمة، وإزالة معوقات الاستثمار، وإنشاء هيئة عليا لإدارة مشروعات زراعية وتعدينية وسمكية وتخصيص مناطق لأبناء النوبة.

 

وهنا يفيد تصور سابق لحجاج أدول، بصفته أديبًا ومدافعًا عن الحقوق النوبية؛ فقد ربط العودة بالتخطيط والعمل والإنتاج، مؤكدًا أنها تتجاوز مجرد الانتقال إلى موطن الأجداد نحو بناء مجتمع فاعل ومنتج.

 

ويكشف هذا التصور قصور اختزال الملف في تكلفة التعويضات؛ فالأرض بالنسبة للمطالبين بالعودة قاعدة للسكن والعمل واستمرار الثقافة، والمشاركة في تعميرها حق لا يمكن استبداله بمجرد إعلان إجمالي الأموال المنصرفة.

 

وتضع مطالب المؤتمر الحكومة أمام اختبار واضح، يتمثل في فتح حوار ذي نتائج معلنة، وإتاحة الأراضي وفرص الاستثمار بشروط مفهومة، وضمان تمثيل الأهالي في القرارات التي تحدد مستقبل مناطقهم وأبنائهم.

 

ويظل صرف التعويضات واجبًا تأخر كثيرًا، لكن تقديمه باعتباره نهاية المأساة يضاعف الإحباط؛ فالعدالة تبدأ حين تصبح العودة والتعمير التزامًا تنفيذيًا ملموسًا، ويخرج النوبيون من قوائم الانتظار إلى المشاركة الفعلية.