أحالت إدارة شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع القيادي النقابي السابق يسري معروف إلى التحقيق، على خلفية إضراب عمالي استمر عدة ساعات نهاية الشهر الماضي، احتجاجًا على أوضاع مالية ووظيفية قال عمال إنها تضررت خلال الفترة الأخيرة، وسط مطالب بإعادة الأجور إلى مستوياتها السابقة وتصحيح عدد من القرارات المتعلقة بالعمل ونظام العلاج.

 

فيما يأتي الإجراء بعد تحرك عمالي داخل الشركة للمطالبة بالتراجع عن تغييرات طالت هيكل الأجور والدرجات الوظيفية وساعات العمل، إلى جانب اعتراضات على توزيع العمال بين الأقسام ونظام مشروع العلاج.

 

وتعيد الواقعة إلى الواجهة العلاقة المتوترة التي شهدتها الشركة في فترات سابقة بين الإدارة والعمال، خصوصًا في ظل تاريخ من الاحتجاجات والإضرابات التي ارتبطت بمطالب تتعلق بالأجور وظروف العمل وأوضاع الشركة.

 

 

تغييرات الأجور أشعلت اعتراضات العمال


قال المصدر العمالي إن إدارة الشركة أعادت خلال الشهر الماضي هيكلة الأجور، وذلك بعد نحو أربعة أشهر من إجراء تعديل سابق على الدرجات الوظيفية للعاملين، وهو ما انعكس، بحسب المصدر، على قيمة الأجور التي يحصل عليها عدد من العمال.

 

وأوضح أن التغيير أدى إلى توحيد عدد من المسميات الوظيفية التي كانت تعكس فروقًا في الخبرة والدرجة الوظيفية، معتبرًا أن ذلك ألغى عمليًا التدرج الذي كان قائمًا بين العاملين.

 

وضرب المصدر مثالًا بالأخصائيين، موضحًا أن العامل الذي يحمل درجة «أخصائي ممتاز» أو «أخصائي أول» أصبح ضمن مسمى «أخصائي»، بما أدى، بحسب روايته، إلى عدم التمييز الوظيفي بين من أمضى سنوات طويلة في العمل ومن لديه سنوات خبرة أقل.

 

ويرى العمال أن إعادة الهيكلة بهذه الصورة لم تكن مجرد تغيير إداري في المسميات، وإنما ترتب عليها تأثير مباشر على أجورهم ومراكزهم الوظيفية، خصوصًا بالنسبة إلى العاملين الذين أمضوا سنوات طويلة داخل الشركة وكانوا ينتظرون أن تنعكس خبراتهم وترقياتهم على أوضاعهم المالية.

 

 

ساعات العمل تضاعفت إلى ورديات طويلة


ولا تقتصر اعتراضات العاملين على الأجور والدرجات الوظيفية، إذ أشار المصدر إلى أن الإدارة بدأت منذ العام الماضي زيادة ساعات التشغيل للوردية الواحدة لتصل إلى 12 ساعة، بدلًا من النظام السابق الذي كانت فيه مدة الوردية ثماني ساعات.

 

وبحسب رواية المصدر، تزامن ذلك مع نقل عدد من العمال إلى أقسام لا تتناسب مع طبيعة خبراتهم أو تخصصاتهم، إلى جانب خفض الأجور في بعض الحالات، وهو ما زاد من حالة الاستياء داخل الشركة.

 

ويمثل طول ساعات العمل أحد أبرز الملفات التي دفعت العمال إلى التحرك، خصوصًا مع ارتباطه بالأجر وطبيعة المهام التي يؤديها العامل داخل مواقع التشغيل. لذلك جاء مطلب العودة إلى وردية الثماني ساعات ضمن المطالب الأساسية التي طرحها العاملون خلال تحركهم الأخير.

 

ويرى العمال أن أي تغيير في نظام الورديات لا ينبغي أن ينفصل عن طبيعة العمل والجهد المبذول، خصوصًا في شركة تعمل في نشاط تداول الحاويات الذي يعتمد على التشغيل المستمر واحتياج الموانئ إلى انتظام عمليات المناولة.

 

 

مشروع العلاج يثير غضب العاملين


ومن بين الملفات التي أثارت اعتراضات داخل الشركة كذلك التغييرات المتعلقة بمشروع العلاج، بحسب المصدر العمالي.

 

وقال المصدر إن النظام الجديد تضمن، من وجهة نظر العاملين، تفاوتًا في مستوى الخدمات الطبية المقدمة للفئات المختلفة داخل الشركة، بحيث يحصل بعض المسؤولين والإداريين على خدمات في مستشفيات ذات درجات أعلى، بينما جرى وضع العمال والأخصائيين ورؤساء الأقسام ضمن فئات علاجية أقل.

 

وأشار إلى أن هذا الوضع كان مختلفًا في السابق، عندما كان مشروع العلاج قائمًا على مبدأ تكافلي يشمل العاملين، مع خصم نسبة من أجورهم مقابل الاستفادة من خدماته.

 

وبحسب المصدر، أثار إدخال هذا النوع من التمييز غضبًا بين العمال، خصوصًا أن العاملين يتحملون جزءًا من تكلفة المشروع من أجورهم، وبالتالي يرون أن اختلاف مستوى الخدمة المقدمة بينهم وبين الفئات الإدارية يحتاج إلى تفسير واضح.

 

وتحول ملف العلاج، إلى جانب الأجور وساعات العمل، إلى أحد أسباب تصاعد حالة الاستياء داخل الشركة، وصولًا إلى الإضراب الذي استمر عدة ساعات نهاية الشهر الماضي.

 

 

اجتماع مع العمال انتهى بوعود


في محاولة لاحتواء الأزمة، حضر إلى الشركة الخميس الماضي مستشار وزير النقل، ورئيس الشركة القابضة للنقل البحري، إلى جانب عضو من مجلس إدارة شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع.

 

وعقد المسؤولون اجتماعًا مع العمال، بحضور يسري معروف، لمناقشة المطالب التي أثارتها الاحتجاجات الأخيرة.

 

وبحسب المصدر، انتهى الاجتماع إلى الاستجابة لمطلب إعادة مدة الوردية إلى ثماني ساعات، إلى جانب وعود بتعديل الأجور وإعادتها إلى مستوياتها السابقة، فضلًا عن تصحيح الأوضاع التي يرى العمال أنها جاءت نتيجة قرارات إدارية خاطئة.

 

لكن إحالة معروف إلى التحقيق تفتح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن ما إذا كان التفاهم الذي جرى خلال الاجتماع سيؤدي إلى إنهاء الأزمة بالكامل، أم أن الملف العمالي داخل الشركة سيظل مفتوحًا، خاصة مع استمرار وجود مطالب مرتبطة بالأجور والدرجات الوظيفية ومشروع العلاج.

 

وتأتي إحالة القيادي النقابي السابق للتحقيق رغم مشاركته في الاجتماع الذي ناقش مطالب العمال، ما يجعل التحقيق أحد التطورات الرئيسية التي أعقبت التحرك العمالي الأخير.

 

واقعة قديمة تعيد تاريخ الاحتجاجات


ليست هذه المرة الأولى التي يرتبط فيها اسم يسري معروف بتحركات عمالية داخل الشركة، إذ سبق أن واجه، إلى جانب أربعة عمال آخرين، قضية على خلفية إضراب نظمه العمال عام 2011 للمطالبة بالتصدي لما وصفوه وقتها بالفساد داخل الشركة.

 

وفي عام 2013، صدرت بحقهم أحكام بالحبس ثلاث سنوات والفصل من العمل وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه، بعد إدانتهم في أول درجة بالتسبب في خسائر للشركة.

 

لكن العمال الخمسة استأنفوا الأحكام، وحصلوا في عام 2014 على البراءة، لتصبح الواقعة واحدة من المحطات البارزة في تاريخ الاحتجاجات العمالية بالشركة.

 

ويكتسب هذا التاريخ أهمية في ظل عودة اسم معروف إلى الواجهة من جديد على خلفية تحرك عمالي، وإن كانت المطالب الحالية تتركز بصورة أساسية على الأجور وساعات العمل والدرجات الوظيفية ومشروع العلاج.

 

نزاع قديم حول إدارة الأرصفة


ارتبط تاريخ الشركة أيضًا بنزاع قضائي أقدم يتعلق بإدارة واستغلال أرصفة في مينائي الإسكندرية والدخيلة.

 

ففي عام 2012، حصل العمال على حكم قضائي ببطلان العقد المبرم بين هيئة ميناء الإسكندرية والشركة الدولية لتداول الحاويات، بعدما منح العقد الشركة حق استغلال أرصفة بمينائي الإسكندرية والدخيلة على مساحة بلغت 250 ألف متر مربع، بنظام حق الانتفاع لمدة 25 عامًا، وبسعر ثلاثة دولارات للمتر، وفقًا لما ورد في تقارير صحفية عن القضية.

 

إلا أن الحكم لم يؤدِ إلى توقف الشركة الصينية عن ممارسة نشاطها، إذ طعنت شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا.

 

وفي فبراير 2016، قضت المحكمة الإدارية العليا بإحالة القضية إلى المحكمة الدستورية العليا، بحسب ما أوردته تقارير صحفية آنذاك، بينما استمرت الشركة الصينية في ممارسة أعمالها بصورة طبيعية، وفق المصدر العمالي الذي تحدث إلى «مدى مصر».

 

وتكشف هذه القضية عن جانب آخر من تاريخ الشركة، التي شهدت على مدار سنوات ملفات مرتبطة بالعمال والاستثمار وإدارة مرافق الموانئ، إلى جانب النزاعات القضائية والاحتجاجات العمالية.

 

شركة رئيسية في نشاط الحاويات


تأسست شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع عام 1984، باعتبارها أول شركة متخصصة في نشاط تداول الحاويات في مصر، وتدير حاليًا محطتين رئيسيتين في مينائي الإسكندرية والدخيلة.

 

ويعكس حجم نشاط الشركة أهمية أوضاع العاملين فيها بالنسبة إلى انتظام عمليات تداول الحاويات، إذ بلغ إجمالي ما قامت بتداوله خلال العام المالي 2024-2025 نحو 1.07 مليون حاوية، فيما تصل طاقتها الإجمالية إلى 1.5 مليون حاوية مكافئة، بمعدل تشغيل بلغ 71%.