أعادت زيارة النائب العام محمد شوقي لمجمع مراكز إصلاح وتأهيل وادي النطرون، مطلع سبتمبر الجاري، ملف أوضاع السجون إلى الواجهة، بعدما أثارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تساؤلات بشأن عدم تكرار الزيارة إلى مجمع بدر، ولا سيما مركز بدر 3، رغم مرور نحو عامين على الزيارة السابقة التي أجراها النائب العام للمجمع.

 

وكانت النيابة العامة قد أعلنت في 2 سبتمبر تنفيذ زيارة تفقدية لمجمع مراكز إصلاح وتأهيل وادي النطرون، برفقة فريق من أعضاء النيابة العامة، شملت مركزين من أصل ستة مراكز يضمها المجمع. ووفق البيان، اطلع النائب العام على دفتر الشكاوى، واستمع إلى عدد من النزلاء الذين سبق لهم تقديم شكاوى، ووجه إدارة المركز إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، فيما أشاد بمستوى الرعاية المقدمة للنزلاء.

 

وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن هذه الزيارة تطرح سؤالًا آخر يتعلق بمجمع بدر، وتحديدًا مركز بدر 3، الذي سبق أن طالبت النيابة العامة بزيارة جميع قطاعاته، والاستماع إلى النزلاء وفحص أوضاعهم والتحقيق في الشكاوى التي تقدم بها المحتجزون وأسرهم.

 

 

زيارة وادي النطرون تعيد ملف بدر

 

أعادت زيارة النائب العام الأخيرة التذكير بزيارة سابقة أجراها لمجمع بدر في سبتمبر 2024، في إطار الصلاحيات التي يتيحها قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي، وهو القانون الذي حل محل قانون تنظيم السجون.

 

وفي تلك الزيارة، أعلنت النيابة العامة أن فريقًا منها تفقد المجمع، واطلع على دفتر الشكاوى، واستمع إلى بعض النزلاء الذين سبق لهم تقديم شكاوى، قبل توجيه إدارة المركز إلى معالجة ما ورد فيها.

 

لكن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقول إن تلك الزيارة لم تتكرر منذ ذلك الحين، كما لم تُعلن، بحسب ما أوردته، نتائج تفصيلية للتحقيق في الشكاوى التي استمع إليها أعضاء النيابة، أو الإجراءات التي اتخذت بحق المسؤولين عنها حال ثبوت وجود مخالفات.

 

ومن هنا ترى المبادرة أن مجرد التفقد أو الاستماع إلى الشكاوى لا يكفي وحده لمعالجة أوضاع السجون، ما لم يتبعه تحقيق واضح وشفاف، وإعلان عن نتائج الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة.

 

 

محمد وليد.. حالة تنتظر التدخل

 

ومن بين الحالات التي أثارتها المبادرة المصرية حالة الشاب محمد وليد، المحتجز منذ أكثر من عامين في وادي النطرون، والذي تأمل المبادرة أن يكون قد أتيح له لقاء النائب العام خلال الزيارة الأخيرة والاستماع إلى شكواه.

 

وبحسب المبادرة، يعاني وليد من تقزم شديد مصحوب بخلل في الهيكل العظمي، إلى جانب مشكلات صحية متعددة، من بينها انسداد كامل في فتحتي الأنف، ما يجعله يعتمد على الفم في التنفس، فضلًا عن حاجته إلى تدخل طبي دوري لإزالة المياه الزائدة على المخ.

 

كما تشير المبادرة إلى حاجته إلى عدد من العمليات الجراحية، من بينها تدخلات تتعلق بالعمود الفقري والفك والأنف، وتقول إن هذه العمليات لم يتمكن من إجرائها خلال فترة احتجازه.

 

وتضيف أن ظروف احتجازه تمثل صعوبة إضافية بالنسبة إلى حالته، إذ يوجد، وفق روايتها، في زنزانة غير مهيأة لاستقبال أشخاص يعانون أوضاعًا صحية مماثلة.

 

ولا تتوقف المخاوف التي أثارتها المبادرة عند الجانب الجسدي، إذ تشير أيضًا إلى انقطاع وليد عن متابعة طبيبه النفسي منذ القبض عليه، وما ترتب على ذلك، بحسبها، من توقفه عن الحصول على الأدوية التي كان يحتاج إليها للتعامل مع الاكتئاب والقلق المزمنين، إلى جانب معاناته من الرهاب الاجتماعي.

 

وتقدم المبادرة هذه الحالة باعتبارها نموذجًا لما تقول إنه الحاجة إلى فحص فردي لأوضاع بعض المحتجزين، بدل الاكتفاء بالاطلاع العام على مستوى الخدمات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.

 

 

زيارة بدر السابقة لم تتكرر

 

تقول المبادرة المصرية إن زيارة سبتمبر 2024 كانت الثانية من نوعها التي يجريها النائب العام منذ توليه منصبه عام 2023، قبل أن تأتي زيارة وادي النطرون في سبتمبر 2026.

 

وخلال زيارة بدر السابقة، لم تحدد النيابة العامة بشكل تفصيلي المراكز أو القطاعات التي شملتها الزيارة، واكتفت بالإعلان عن الاطلاع على دفتر الشكاوى والاستماع إلى عدد من النزلاء الذين سبق أن تقدموا بشكاوى، مع توجيه إدارة المركز إلى تلافي ما ورد فيها.

 

وترى المبادرة أن مرور هذه الفترة دون تكرار الزيارة أو الإعلان عن نتائج واضحة للشكاوى يثير تساؤلات حول مدى فاعلية الإجراءات التي اتُخذت آنذاك.

 

وتزداد أهمية هذه التساؤلات، وفق المبادرة، في ظل استمرار مطالب حقوقية بتمكين جهات الرقابة من الوصول بصورة أكبر إلى أماكن الاحتجاز، وفحص أوضاع النزلاء بصورة مباشرة، بدل الاعتماد على البيانات أو الزيارات المحدودة.

 

 

المجلس القومي يواجه قيودًا في بدر

 

وفي مايو 2025، أجرى المجلس القومي لحقوق الإنسان زيارة إلى مركز الإصلاح والتأهيل في بدر، وورد في تقريره أن وفد المجلس مُنع من دخول عنابر الإيواء، رغم وجود نزلاء يقضون عقوبات طويلة.

 

وبحسب ما أوردته المبادرة المصرية، أدى ذلك إلى الحد من قدرة الوفد على الوقوف بصورة مباشرة على أوضاع الموجودين داخل تلك العنابر.

 

وطالب المجلس القومي، وفق التقرير المشار إليه، بالسماح الكامل للبعثات الحقوقية بدخول عنابر الإيواء خلال الزيارات المستقبلية، إلى جانب توفير بيانات إحصائية أكثر شفافية بشأن أوضاع المراكز.

 

وتعتبر المبادرة أن هذه الملاحظات تضيف إلى التساؤلات المطروحة بشأن طبيعة الرقابة على مجمع بدر، ومدى قدرة الجهات المعنية بحقوق الإنسان على الوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز والاطلاع المباشر على أوضاع النزلاء.

 

 

بلاغ يطالب بفتح تحقيق في بدر 3

 

وفي يناير 2026، تقدم مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت ببلاغ إلى النائب العام حمل رقم 5640 لسنة 2026 عرائض النائب العام، طالب فيه بفتح تحقيق جنائي في أوضاع ومعاملة نزلاء مركز إصلاح وتأهيل بدر 3، ومدى احترام حقوقهم، مع محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات في حال التحقق من صحة ما ورد في البلاغ.

 

كما طالب البلاغ باتخاذ الإجراءات التي من شأنها رفع الضرر الواقع على النزلاء، وتطبيق الضمانات المنصوص عليها في الدستور وقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي واللائحة الداخلية للمراكز.

 

وكان من أبرز مطالب البلاغ إجراء زيارة لجميع قطاعات بدر 3، وليس الاكتفاء بزيارة أجزاء محددة من المجمع، مع مقابلة النزلاء والاستماع إلى شكاواهم، وفحص أوضاعهم، وكذلك بحث الشكاوى التي تقدم بها ذووهم.

 

واستند البلاغ، وفق المبادرة، إلى تقرير سبق أن أصدرته بعنوان «بين الدعاية والحقيقة: انتهاكات حقوق نزلاء سجون بدر»، وأرفقت نسخة منه بالبلاغ، واعتمد التقرير على شهادات محتجزين سابقين وأسر محتجزين حاليين، إلى جانب مقابلات مع محامين ورصد لما نشرته الجهات الرسمية ووسائل الإعلام بشأن مجمع بدر.

 

 

تسعة أشهر بلا حسم

 

وتقول المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن البلاغ المقدم إلى النائب العام لم يُبت فيه منذ نحو تسعة أشهر، مجددة مطالبتها بإجراء زيارة شاملة لمركز بدر 3.

 

ولا تقتصر المطالبة على التفقد، وإنما تشمل، بحسب المبادرة، مقابلة النزلاء بصورة مباشرة، وفحص الحالات الفردية، والاستماع إلى شكاوى المحتجزين وأسرهم، والتحقيق في الوقائع التي تتضمنها تلك الشكاوى.

 

وترى المبادرة أن الهدف من البلاغ هو تمكين النيابة العامة من ممارسة دورها القانوني والدستوري في التحقق والتحقيق، معتبرة أن الرقابة الفعالة على أماكن الاحتجاز ينبغي ألا تتوقف عند الزيارة التفقدية أو الاستماع إلى بعض الشكاوى، بل تمتد إلى متابعة نتائجها والإعلان عن الإجراءات التي يتم اتخاذها.