كشف عرض إيطاليا الوساطة بين مصر وإثيوبيا حجم المأزق الذي انتهت إليه إدارة السيسي لملف سد النهضة، بعدما تحولت سنوات التفاوض والتصريحات الحاسمة إلى سد مكتمل وواقع مائي تفرضه أديس أبابا.
ويثير التأييد الصيني لحق مصر في حماية أمنها المائي سؤالاً قاسياً عن قدرة تحرك دولي متأخر على انتزاع اتفاق ملزم، بعد أن أخفقت القاهرة طوال أعوام في وقف الإجراءات الإثيوبية الأحادية.
وساطة أمام الأمر الواقع
وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني استعداد روما لاستثمار علاقاتها الجيدة مع أديس أبابا، وتيسير حوار خلال الأسابيع المقبلة، مشترطاً رغبة الطرفين، بما يجعل المبادرة عرضاً مفتوحاً لا وساطة نافذة حتى الآن.
في المقابل، طالب وزير الخارجية بدر عبد العاطي باحترام القانون الدولي ومبدأ عدم التسبب في ضرر، معولاً على الأصدقاء لحماية الأمن المائي المصري، بعد استنفاد جولات تفاوضية طويلة بلا نتيجة ملزمة.
ومن جهتها، أكدت الصين إدراكها الأهمية الحيوية للنيل لمصر، وحق القاهرة في حماية أمنها المائي والغذائي، ودعت دول الحوض إلى الالتزام بالقانون الدولي وتسوية الخلافات بالحوار والتشاور المتكافئ المنصف والعادل.
غير أن الكلمات الداعمة لا تغير وحدها قواعد تشغيل السد، ولا تلزم إثيوبيا بتبادل البيانات أو إدارة سنوات الجفاف، ما لم تتحول إلى ضغط منظم ورعاية لاتفاق واضح بآليات تنفيذ ومحاسبة.
وبالعودة إلى المسار السابق، جمدت المفاوضات ثلاثة أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم توقفت مجدداً في 2024، بينما واصلت إثيوبيا الملء والتشغيل ورفضت توقيع اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب.
وهكذا انتقلت الأزمة من محاولة منع فرض الأمر الواقع إلى البحث عن تقليل مخاطره، وهو تحول يكشف ضياع الوقت الذي منح أديس أبابا فرصة استكمال السد وتثبيت سيطرتها المنفردة على التشغيل.
وفي هذا السياق، لا تملك روما عصاً سحرية، لكنها تستطيع فتح قناة مباشرة مستفيدة من حضورها الاقتصادي وصلاتها الإثيوبية، بشرط الحصول على تفويض واضح وجدول زمني يمنع إعادة تدوير المفاوضات العبثية.
وبحسب خبير العلاقات الدولية أيمن سمير، أصبحت القضية ملفاً إقليمياً يستوجب تدخل الشركاء، ويرى أن الوساطة الناجحة يجب أن تبني على الاتفاقات السابقة وتستهدف تسوية عادلة وشاملة وملزمة لجميع الأطراف.
تأييد بلا ضمانات
كما يحذر سمير من الانحياز لطرف، ويعتبر أن إقناع العواصم بأن الاتفاق العادل مكسب جماعي يظل المدخل الأفضل، مع ضرورة التحرك قبل بلوغ الأزمة نقطة خطر تهدد الاستقرار والمصالح المشتركة.
لذلك تبدو القيمة الحقيقية للمبادرة الإيطالية في قدرتها على تجاوز المجاملات، وربط العلاقات والمصالح بحوافز وضغوط تدفع إثيوبيا إلى التفاوض الجاد، لا مجرد استضافة جولة تنتهي بصور جماعية وبيان غامض.
أما الصين، فتمتلك وزناً اقتصادياً كبيراً لدى إثيوبيا ومصر، ما يمنح تأييدها أهمية مباشرة تتجاوز الرمزية، لكن اختبار صدقية موقفها يبدأ عندما تستخدم نفوذها لتقريب قواعد الملء والتشغيل وتبادل المعلومات.
وفوق ذلك، يحتاج الدعم الصيني إلى صياغة عملية تحدد معنى عدم الإضرار، وتدفع نحو آلية لفض النزاعات، لأن العبارات العامة تسمح لكل طرف بتفسير القانون الدولي وفق مصالحه وروايته الخاصة.
ويرى أستاذ الموارد المائية عباس شراقي أن مصر كانت تعاني ندرة مائية قبل ظهور السد، لكنه أضاف عاملاً جديداً يعقد إدارة الموارد، خصوصاً مع ثبات المعروض وتزايد السكان والطلب السنوي.
وبناء على تقديره، لا يكفي الاطمئنان إلى مرور المياه عبر التوربينات والمفيضات، لأن جوهر النزاع يتعلق بتوقيتات التصريف والتنسيق في الجفاف، وهي مسائل لا يحسمها التشغيل المنفرد أو التعهدات الشفهية.
وعليه، يمكن للصين أن تؤدي دور الضامن إذا انتقلت من تأييد الحق المصري إلى رعاية نص ملزم، مستفيدة من استثماراتها ونفوذها، أما الاكتفاء بالدعوة للحوار فسيبقي الأزمة في دائرتها القديمة.
حصاد سنوات الإخفاق
من ناحية أخرى، تتحمل إدارة السيسي مسؤولية توقيع إعلان المبادئ عام 2015 دون انتزاع قواعد تفصيلية ملزمة أولاً، وهو ما وفر لإثيوبيا مظلة تفاوضية بينما كانت أعمال البناء والملء تتقدم بلا توقف.
وعلاوة على ذلك، كررت القاهرة وصف المياه بأنها خط أحمر وقضية وجودية، لكن الفجوة اتسعت بين الخطاب والنتائج، حتى أصبح الرهان الرسمي معلقاً بوساطات خارجية لم تتبلور بعد إلى مسار تفاوضي.
ويؤكد وزير الري الأسبق محمد نصر الدين علام أن المفاوضات الفنية الطويلة منحت إثيوبيا وقتاً بلا نتائج، وطالب مراراً بمراجعة منهج التعامل ضمن تحرك مصري متكامل يتجاوز الدوران في التفاصيل العقيمة.
وبهذا المعنى، تكشف العودة إلى طلب مساعدة الأصدقاء قصور الأدوات المتاحة التي استخدمتها القاهرة، إذ لم تنتج المفاوضات الأفريقية ولا الضغوط الدبلوماسية السابقة اتفاقاً، بينما تغيرت الأرض لمصلحة أديس أبابا.
مع ذلك، تظل الوساطة فرصة إذا جرى تحديد مرجعيتها مسبقاً، ووضع مهلة قصيرة، وإشراك السودان بفاعلية، وربط أي تفاهم بقواعد للجفاف الممتد والملء وإدارة التصريف وتبادل البيانات والتسوية الإلزامية للنزاعات.
وبالتوازي، ينبغي ألا تتحول كثرة الوسطاء إلى باب جديد للمماطلة، فالتجارب الماضية أظهرت قدرة إثيوبيا على الانتقال بين المنصات مع استمرار البناء، بينما تكتفي القاهرة بإعلان التمسك بحقوقها التاريخية والقانونية.
ومن ثم، يتوقف نجاح روما وبكين على استعدادهما لتحمل كلفة الضغط لا إصدار بيانات المساندة، كما يتوقف على قبول إثيوبيا التفاوض حول التزامات حقيقية، وهو قبول لم تظهر مؤشراته العملية حتى اللحظة.
وفي المحصلة، قد تحرك المبادرة الإيطالية والتأييد الصيني المياه الراكدة، لكنهما لن يمحوا فشل إدارة السيسي أو يستعيدا سنوات ضائعة، ولن يصبحا نجاحاً إلا باتفاق ملزم يحمي مصر من التشغيل الأحادي.

