مرّت سبع سنوات على اختفاء عبد الرحمن محسن السيد الزهيري، الذي انقطعت أخباره في 29 أغسطس 2019، عندما كان يبلغ من العمر 17 عامًا، لتدخل أسرته منذ ذلك الحين في رحلة طويلة من البحث والانتظار، دون أن تتمكن، بحسب روايتها، من معرفة مكان وجوده أو مصيره حتى اليوم.

 

وخلال هذه السنوات، تحولت حياة والدته إلى انتظار مفتوح، لا تعرف فيه ما إذا كان نجلها سيعود إلى المنزل يومًا، بينما كبر عبد الرحمن، بحسب حساب السنوات، من فتى كان يستعد للالتحاق بالصف الثاني الثانوي إلى شاب يبلغ من العمر 24 عامًا.

 

وتدين المنظمات الحقوقية استمرار الاختفاء القسري لعبد الرحمن، مطالبة بالكشف عن مكان وجوده ووضعه القانوني، وتمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه، إلى جانب التحقيق في ملابسات اختفائه ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بحقه.

 

 

خرج من منزله ولم يعد

 

تعود بداية قصة عبد الرحمن إلى يوم 29 أغسطس 2019، حين كان يستعد لقضاء إجازته قبل بدء عامه الدراسي الجديد. كان وقتها طالبًا يستعد لدخول الصف الثاني الثانوي، ويعمل خلال الإجازة في أحد المجمعات الاستهلاكية.

 

بعد صلاة العصر، غيّر ملابسه واستعد للخروج من المنزل. وبينما كان يستعد لمغادرة البيت، سألته والدته عن بطاقته الشخصية، التي كان قد استخرجها حديثًا، فأخبرها بأنه تركها.

 

طلبت منه والدته أن يعود لأخذ البطاقة، ثم استمر في النزول على درجات السلم، بينما ظلت تتحدث إليه قبل خروجه. وفي تلك اللحظات، قالت له: «أوعى تتأخر عليّا»، ليطمئنها بأنه سيعود إلى المنزل في العاشرة أو العاشرة والنصف مساءً.

 

لكن الموعد الذي وعد فيه والدته بالعودة مرّ دون أن يظهر عبد الرحمن.

 

وبعد نحو ساعتين من خروجه، حاولت الأسرة الاتصال به، إلا أن هاتفه كان مغلقًا. ومع اقتراب الساعة الحادية عشرة مساءً، بدأت والدته تدرك أن الأمر لم يعد مجرد تأخر عن موعد العودة المعتاد.

 

 

رحلة بحث بدأت من المستشفيات

 

مع تأخر عبد الرحمن وانقطاع الاتصال به، بدأ والده البحث عنه، فتوجه إلى المستشفيات في محاولة لمعرفة ما إذا كان قد تعرض لأي حادث.

 

وفي الوقت نفسه، حاولت الأسرة الإبلاغ عن غيابه والبحث عن أي معلومة يمكن أن تقودها إليه.

 

وبحسب رواية والدته، علمت الأسرة لاحقًا أن عبد الرحمن أُوقف من الشارع خلال حملة لتفتيش الهواتف المحمولة. وتقول والدته إنها توجهت بعد ذلك إلى مقر لجهاز الأمن الوطني في مدينة نصر، حيث أُبلغت، وفق روايتها، بأنه موجود لديهم.

 

ومنذ تلك اللحظة، بدأ فصل جديد من معاناة الأسرة، بعدما تحول البحث عن فتى خرج من منزله مساءً إلى محاولة مستمرة لمعرفة مكان احتجازه ومصيره.

 

وتقول الأسرة إنها أرسلت تلغرافات وشكاوى إلى جهات رسمية عدة، في محاولة للحصول على معلومات بشأن عبد الرحمن، إلا أن السنوات مرت دون أن تصل إليها، بحسب روايتها، معلومة رسمية تكشف بصورة واضحة مكان وجوده أو وضعه القانوني.

 

الأسرة تبحث عن إجابة منذ سنوات

 

لم تتوقف محاولات الأسرة عند الأيام الأولى للاختفاء، بل استمرت على مدار السنوات السبع الماضية، بحثًا عن إجابة للسؤال الذي لم تجد له الأسرة ردًا حتى الآن: أين عبد الرحمن؟

 

وتقول والدته إن الأسرة علمت لاحقًا أن الأمر كان مرتبطًا بما كان عبد الرحمن ينشره على موقع فيسبوك من آراء وتعليقات.

 

ومع ذلك، تؤكد الأسرة أنها لم تتمكن طوال السنوات الماضية من معرفة مكان وجوده بصورة رسمية، أو الاطمئنان إلى وضعه، كما لم تتمكن من زيارته.

 

 

سبع سنوات من ضياع المستقبل

 

على مدار سبع سنوات، لم يكن الغياب بالنسبة إلى الأسرة مجرد فقدان شخص، بل كان أيضًا توقفًا لمستقبل فتى كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره.

 

كان عبد الرحمن طالبًا في مرحلة التعليم الثانوي، ويعمل خلال الإجازة في أحد المجمعات الاستهلاكية، قبل أن ينقطع أثره في ذلك اليوم.

 

واليوم، وبعد مرور سبع سنوات، كان من المفترض أن يكون قد انتقل إلى مرحلة مختلفة تمامًا من حياته، وأن يكون قد أكمل تعليمه، وكون صداقات جديدة، وبدأ بناء مستقبله.

 

لكن والدته ترى أن السنوات التي مرت عليه لم تكن سنوات عادية، وأن غيابه حرمها من معرفة ما حدث له، كما حُرم هو، بحسب تعبيرها، من التعليم والأصدقاء والحياة التي كان يمكن أن يعيشها.

 

وتختصر الأم سنوات الانتظار في كلمات تعكس حجم الألم الذي عاشته منذ اختفاء نجلها، قائلة: «أنا مش مسامحة في السنين اللي اتحرمت فيها من ابني، ومش عارفة هو فين ولا حصله إيه».

 

 

حلم قديم يبقي الأمل حيًا

 

ورغم مرور سبع سنوات دون معرفة مصير نجلها، لا تزال والدة عبد الرحمن متمسكة بالأمل في عودته.

 

وتتذكر الأم رؤيا قديمة رأت فيها نجلها يطمئنها بأنه سيعود إليها يومًا، ومنذ ذلك الحين، تقول إنها لا تزال تنتظر اليوم الذي يعود فيه إلى المنزل.

 

وتقول له: «أنا مستنياك يا عبد الرحمن.. ترجع لي بالسلامة وترجع روحي».

 

وتكشف هذه الكلمات عن جانب آخر من معاناة الأسر التي تظل معلقة بين غياب لا تعرف نهايته، وأمل لا تستطيع التخلي عنه.

 

فبالنسبة إلى الأم، لم تغلق السنوات السبع باب الانتظار، ولم تجعل مرور الوقت السؤال أقل إلحاحًا. فما زالت تبحث عن إجابة واضحة بشأن مكان ابنها ومصيره.

 

 

مطالب بالكشف عن مصيره

 

في ظل استمرار غياب المعلومات بشأن عبد الرحمن، تطالب المنظمات الحقوقية بالإفراج عن جميع المحتجزين على خلفيات سياسية، كما تطالب بالكشف الفوري عن مصيره ومكان وجوده ووضعه القانوني.

 

وتشمل المطالب أيضًا تمكين أسرته ومحاميه من التواصل معه، بما يسمح للأسرة بمعرفة حالته والاطمئنان عليه بعد سنوات طويلة من عدم معرفة مكان وجوده.

 

كما تدعو المنظمات الحقوقية إلى إجراء تحقيق مستقل في ملابسات اختفائه، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بحقه.

 

وبعد سبع سنوات كاملة من اختفاء عبد الرحمن، لا تزال أسرته تنتظر معلومة تنهي سنوات الغموض، بينما تبقى والدته متمسكة بالأمل في أن يعود نجلها إلى البيت الذي خرج منه في أغسطس 2019 ولم يعد إليه حتى الآن.

 

سبع سنوات تغيرت خلالها حياة الأسرة، وكبر خلالها عبد الرحمن، بحسب حساب السنوات، من فتى في السابعة عشرة إلى شاب في الرابعة والعشرين، لكن سؤال والدته ظل كما هو منذ الليلة الأولى لاختفائه: «ابني فين؟»