تكشف أزمة قرية وندر لاند في رأس سدر عن مشروع بدأ بترخيص صدر عام 1997 ثم تحول إلى انتظار مفتوح يبدد أموال الحاجزين ويضع رقابة الدولة أمام اتهام مباشر بالتقاعس.
وتفاقمت الأزمة بعدما تجاوزت مستحقات الدولة على المشروع 400 مليون جنيه بسبب غرامات تغيير النشاط من قرية سياحية إلى سكن سياحي بينما أعلنت الشركة امتداد جدول التنفيذ حتى عام 2034.
نصف قرن من الانتظار
ويقول ملاك إن بعض الوحدات بقيت هياكل خرسانية رغم سداد الأقساط فيما تسلم آخرون وحدات بتشطيبات متدنية وشوارع غير ممهدة وخدمات لم تعمل بما يحول التعاقد إلى إقامة مؤجلة بلا نهاية.
وبدأت الحكاية حين روج للمشروع باعتباره قرية سياحية اقتصادية على خليج السويس تبعد نحو 35 كيلومترا من نفق الشهيد أحمد حمدي قبل أن يتراكم التعثر وتتبدل الوعود عبر عقود متتابعة.
وفي عام 2021 تعاقد المطور مع شركة جديدة لتولي التطوير العام ورفع الكفاءة واستكمال الإنشاءات لكن دخولها لم يغلق ملف التأخير بل تبعه جدول يجعل المدة بين الترخيص والنهاية المعلنة 37 عاما.
وفي المقابل تحمل الحاجزون كلفة تجميد مدخراتهم وفقدان الانتفاع بوحداتهم بينما ظلت الشركة قادرة على إعادة جدولة التنفيذ وطلب فروق مالية جديدة دون إعلان مسار ملزم يحدد مسؤوليات كل طرف.
ويؤكد طارق شكري رئيس غرفة صناعة التطوير العقاري أن قيمة العقار تتحقق بالتسليم وأن ضبط السوق يستلزم حساب ضمان مستقلا يوجه حصيلة المبيعات إلى المشروع نفسه ويربط الإنفاق بمراحل التنفيذ.
ووفق هذا المعيار تكشف وندر لاند خطورة غياب الحماية المبكرة لأن المشترين دفعوا قبل اكتمال البناء فيما لم تمنع سنوات التأخير استمرار النزاع أو تفرض كشفا واضحا عن مصير حصيلة تعاقداتهم.
وتتسع الشكاوى لتشمل فروق صيانة يصفها الملاك بالضخمة رغم عدم اكتمال المشروع وتشغيل مرافقه أساسا ما يطرح سؤالا جوهريا عن قانونية مطالبة المتضرر بتمويل إصلاحات كان يفترض إنجازها قبل التسليم.
كذلك يتحدث ملاك عن تأخر حمامات السباحة والإنارة ورصف الطرق الداخلية وهي خدمات تمثل جزءا من القيمة المبيعة وليست مزايا اختيارية يجوز تأجيلها بينما تستمر الإدارة في تحصيل رسوم إضافية.
مرافق غائبة وفواتير حاضرة
أما شبكات المياه والكهرباء الدائمة فتظل في قلب الأزمة إذ يعتمد بعض السكان على خزانات عشوائية فوق الأسطح وسط شكاوى من بيع المرافق وغياب رقابة تنفيذية تحمي المستهلك وتراجع أسس التسعير.
وبحسب ياسر قورة عضو الهيئة العليا لحزب الوفد تبدأ حماية المشتري بمراجعة العقود الطويلة ومواجهة شروط الإذعان وإنشاء هيئة مستقلة تنظم السوق وتفصل في النزاعات بدلا من ترك الأفراد للمطورين.
وتبدو المطالبة أكثر إلحاحا هنا لأن العلاقة غير المتكافئة سمحت بامتداد المواعيد وتضخم المطالبات بينما اضطر الملاك إلى اتحادات وشكاوى ودعاوى فردية لا تملك وحدها سلطة وقف المخالفات أو استكمال المرافق.
فضلا عن ذلك يضع تغيير النشاط من سياحي إلى سكن سياحي مصير المشروع أمام جهة الولاية التي تملك مراجعة الالتزام بالتخصيص وتحصيل المستحقات لكنها لم تقدم للملاك حلا موازيا يحفظ حقوقهم.
ومع تراكم غرامات تتجاوز 400 مليون جنيه ينشأ خطر مزدوج يتمثل في تعثر الشركة أمام الدولة وضياع أموال المشترين إذ قد يتحول تحصيل الدين العام إلى أزمة إضافية تطيل البناء وتربك الملكيات.
لكن حماية المال العام لا تتعارض مع إنقاذ الحاجزين بل تفرض خطة معلنة تحصر المديونية ونسب التنفيذ والمبالغ المحصلة وتمنع تسويق وحدات جديدة قبل ضمان تمويل الأعمال المتبقية وتسليم المتعاقدين القدامى.
ومن الناحية القانونية يوضح المحامي فتحي الطحاوي أن الشيكات في عقود الإسكان أداة ائتمان وأن تأخر الجهة في التسليم قد يجيز للمتعاقدين الامتناع عن السداد والمطالبة بالتعويض بحسب ظروف كل عقد.
وعلى هذا الأساس لا تكفي مخاطبة الملاك بزيادات الصيانة أو جداول جديدة لأن الأصل هو فحص العقود ومواعيد التسليم وحجم الإخلال ثم تحديد التعويض أو التنفيذ العيني بعيدا عن فرض الأمر الواقع.
رقابة تحصي ولا تحمي
إضافة إلى ذلك يسمح القانون المدني للمتضرر بطلب تنفيذ الالتزام أو فسخ العقد مع التعويض عند توافر شروطه لكن طول التقاضي وكلفة الخبرة الفنية يجعلان العدالة الفردية أبطأ من خسائر الحاجزين المتراكمة.
لهذا تتحمل هيئة التنمية السياحية مسؤولية كشف إجراءاتها منذ تغيير النشاط وبيان الإنذارات والمهل والجزاءات التي اتخذتها إذ إن تحصيل الغرامات وحده لا يعوض مشترين انتظروا وحدات ومرافق طوال عقود.
في الوقت نفسه يفترض بمحافظة جنوب سيناء وأجهزة المرافق مراجعة بيع المياه والكهرباء ومدى مطابقته للقواعد وإعلان الجهة المسؤولة عن التشغيل لأن الخدمة الأساسية لا يجوز أن تبقى رهينة نزاع إداري مغلق.
ومن جهة أخرى يحتاج الملف إلى لجنة فنية ومالية مستقلة تحصر الوحدات المسددة والمتأخرة ونسب الإنجاز وجودة التشطيبات وتكلفة المرافق وتصدر جدولا قابلا للمحاسبة بدلا من موعد بعيد يمتد إلى 2034.
وبالتوازي ينبغي تجميد أي فروق صيانة متنازع عليها إلى حين مراجعة الحسابات كاملة وإثبات أوجه الإنفاق وفصل كلفة استكمال الإنشاءات عن الصيانة الدورية حتى لا يدفع الملاك ثمن التأخير مرتين.
وفي المحصلة لا تبدو وندر لاند مجرد شركة تأخرت في التسليم بل نموذجا لفشل رقابي سمح بتحويل ترخيص عمره 29 عاما إلى التزام يمتد 8 سنوات أخرى على حساب المشترين.
وأخيرا يبدأ الحل بإعلان موقف الدولة من المديونية وجدول تنفيذي مضمون وحساب مستقل للأموال وآلية جماعية للتعويض وإلزام المطور بالمرافق والجودة وإلا سيظل عام 2034 وعدا جديدا في سجل طويل من الوعود.

