تكشف شكاوى الأهالي في نيل الزمالك وضفافه عن عجز واضح في مواجهة تراكم القمامة والزجاجات البلاستيكية قرب فندق الماريوت وتحت الكباري، ما يحول واجهة سياحية تستقبل آلاف الزوار يوميًا إلى مصدر للتلوث والروائح الكريهة.
وبينما تُقدَّم الزمالك كواجهة راقية للعاصمة، يكشف المشهد على ضفاف النهر الفجوة بين الصورة اللامعة والخدمة الفعلية؛ إذ يتحول حق الناس في ممشى نظيف ومياه غير ملوثة إلى مطلب بديهي، بينما يتقاذف المسؤولون واجباتهم أمام القمامة.
سلال غائبة ومشهد ملوث
فعلى امتداد كورنيش الزمالك، تظهر المخلفات متناثرة بجوار الأسوار وتحت جسور المشاة، وتطفو أجزاء منها فوق المياه، في مشهد لا يمكن اعتباره سلوكًا فرديًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لغياب جمع منتظم وردع حاضر وخدمات عامة كافية.
كما أن نقص سلال القمامة وحاويات التجميع في نقاط الازدحام لا يبرر إلقاء النفايات في النهر، لكنه يفضح قصورًا معروفًا يمكن علاجه بأبسط الإجراءات، خصوصًا في منطقة تستقبل المتنزهين والزوار يوميًا وتضم منشآت سياحية بارزة.
لذلك يتحول البلاستيك الذي يتركه بعض الزوار بعد ساعات قليلة إلى خطر طويل الأمد، لأن الزجاجات والأكياس لا تختفي بمجرد غرقها، بل تتفتت وتنتقل مع المياه وتصل إلى الكائنات المائية والضفاف ومناطق أخرى.
ويؤكد الدكتور عبد المسيح سمعان، الخبير البيئي، أن إدارة المخلفات تبدأ من منع وصولها إلى البيئة، عبر الجمع والفصل والتوعية والمراقبة، لا بالاكتفاء بحملات مؤقتة تظهر بعد تفاقم الأزمة ثم تختفي دون تغيير دائم في الواقع.
وفي الزمالك، يبدو أن هذا المنطق غائب؛ فالمكان لا يحتاج إلى وعود عامة عن حماية النهر، بل إلى سلال موزعة وفق كثافة الزوار، وعمال نظافة ظاهرين، وجدول تفريغ معلن، ومتابعة تمنع تحول أرصفة الكورنيش إلى مكب مفتوح.
بالمقابل، يدفع المشهد سكان المنطقة والمارة إلى التساؤل عن جدوى الحملات الدعائية المتعلقة بتحسين المظهر الحضري، إذا كانت منطقة مركزية بجوار معالم سياحية كبرى لا تستطيع الحفاظ على ضفافها من النفايات لساعات قليلة.
تعدد الجهات يبدد المسؤولية
وتضع القوانين مسؤولية حماية مجرى النيل على وزارة الموارد المائية والري وقطاع حماية وتطوير نهر النيل، فيما تتولى أجهزة المحافظة والهيئة العامة للنظافة الأرصفة والضفاف والمناطق المحيطة بالكباري، وتراقب أجهزة البيئة مصادر التلوث.
غير أن تعدد الاختصاصات لا ينبغي أن يصبح حجة للتأخر أو شماعة لتعليق الإهمال؛ فالمواطن لا يعنيه اسم الجهة التي تتولى كل متر، بقدر ما يعنيه أن يجد نهرًا نظيفًا وموظفًا مسؤولًا عند ظهور الخلل.
ومن ثم، فإن استمرار القمامة قرب الماريوت وتحت الكباري يشير إلى غياب غرفة تنسيق ميدانية تحدد المسؤول المباشر عن كل نقطة، وتُلزمه بسرعة الاستجابة، بدلاً من انتظار شكوى أو نشر صور محرجة كي تتحرك الأجهزة.
كذلك يملك حي غرب القاهرة وهيئة النظافة أدوات عملية للحد من المشكلة، تبدأ بتوفير الحاويات وتفريغها، وتمر بتنظيف الأرصفة، وتنتهي بإزالة المخلفات العالقة قبل دفعها التيارات إلى مناطق أبعد داخل المجرى المائي.
ويشير ياسر عبد الله، الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات، في حديثه المتكرر عن تطوير المنظومة، إلى أهمية البنية التحتية للجمع والفرز، وهو ما يجعل غيابها في ممشى مكتظ بالزوار خللًا لا يمكن تبريره بنقص الوعي وحده.
أما شرطة البيئة والمسطحات، فدورها لا يقتصر على تحرير محاضر بعد وقوع المخالفة، بل يفترض أن يشمل حضورًا رادعًا في أوقات الذروة، ومراقبة المنشآت القريبة، والتعامل الفوري مع من يلقي المخلفات في مياه النهر.
وبحسب القانون، لا تختلف خطورة إلقاء زجاجة بلاستيكية في النيل عن أي اعتداء تدريجي على مورد عام؛ فالتلوث الصغير حين يتكرر آلاف المرات يتحول إلى عبء بيئي وصحي واقتصادي، ثم تتسع كلفة علاجه على المجتمع كله.
التطهير وحده لا يكفي
ويرى هاني فوزي، مدير مبادرة فيري نايل المعنية بتنظيف النهر وإعادة تدوير المخلفات، أن جمع البلاستيك من المياه خطوة ضرورية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة ما لم تترافق مع تقليل الاستهلاك وتحسين الجمع ومنع الإلقاء من المنبع.
ويشدد هذا المنظور على أن إرسال حفارات أو كراكات لإزالة القمامة العالقة قرب الماريوت قد ينقذ المشهد مؤقتًا، لكنه لن يوقف تدفق المخلفات في اليوم التالي، ما لم تُعالج أسباب تراكمها على الشاطئ نفسه.
ويطرح الدكتور عبد المسيح سمعان ضرورة ربط النظافة بالتوعية المجتمعية، لكن التوعية لا تنجح حين تخاطب المواطنين وحدهم وتتجاهل تقصير الإدارة؛ إذ لا يمكن مطالبة الناس بالسلوك السليم في مكان يفتقر أصلًا إلى أدوات التخلص الآمن.
لهذا تحتاج الزمالك إلى خطة عاجلة تتضمن مسحًا يوميًا للضفاف، وحاويات ذات تصميم مناسب ومواقع واضحة، ولافتات إرشادية، وكاميرات في النقاط الأكثر تضررًا، مع إعلان أرقام تلقي البلاغات ونتائج التعامل معها بصورة شفافة.
وتبقى مسؤولية المنشآت القريبة من الكورنيش أساسية كذلك، فالفنادق والمطاعم والمقاهي المستفيدة من المكان لا يجوز أن تقف متفرجة على تدهور محيطها، بل ينبغي إلزامها بالمساهمة في النظافة والفرز والتوعية دون تحويل ذلك إلى دعاية تجارية.
عمليًا، يمكن للجهات المختصة تخصيص فرق صغيرة دائمة للنقاط الأكثر ازدحامًا، بدل الاعتماد على حملات كبيرة متباعدة، لأن منع تراكم كيس واحد على الضفة أقل كلفة وأكثر فاعلية من انتشال أكوام متحللة بعد أيام.
اقتصاديًا، لا يسيء هذا التلوث إلى صورة الزمالك وحدها، بل يضر بالقيمة السياحية للنيل نفسه، ويقلل جاذبية الممشى العام، ويحوّل المكان الذي يفترض أن يكون متنفسًا متاحًا للجميع إلى مساحة طاردة ومشحونة بالإهمال.
وبيئيًا، تتجاوز المشكلة حدود المنظر القبيح؛ فالبلاستيك العائم يهدد الكائنات النهرية ويعوق الصيد ويزيد أعباء التنظيف، بينما تتحلل أجزاء منه إلى جسيمات دقيقة يصعب رصدها أو جمعها بعد انتشارها داخل المياه.
أخيرًا، لا تحتاج أزمة قمامة الزمالك إلى لجان جديدة أو خطط مؤجلة، بل إلى مسؤول محدد وموعد تطهير معلن وحاويات كافية وعقوبة تطبق بالفعل، لأن حماية النيل لا تُقاس بالشعارات بل بما يراه الناس على ضفافه.
وعليه، فإن بقاء المخلفات في واحدة من أشهر واجهات القاهرة هو اختبار بسيط فشلت فيه الجهات المعنية حتى الآن؛ فإما أن تتحول المسؤوليات المكتوبة إلى عمل يومي، أو يبقى النيل يدفع ثمن إدارة تتعامل مع القمامة بعد فوات الأوان.

