كشفت شبكة أطباء السودان مقتل 27 مدنيًا، بينهم 4 أطفال، وإصابة آخرين في هجمات للحركة الشعبية-شمال المتحالفة مع الدعم السريع بمناطق القردود وأبو حمامة في جنوب كردفان، فيما أسفرت الوقائع، بحسب مصادر محلية، عن نزوح واسع وحرق منازل وقرى.
وتعيد الأحداث فتح جرحٍ اجتماعي بالغ الخطورة في منطقة أنهكتها الحرب، إذ يتحول المدنيون والقبائل الصغيرة إلى الحلقة الأضعف بين السلاح والاصطفافات السياسية، بينما يغيب التحقيق المستقل الذي يفرز الحقيقة من الدعاية المتبادلة.
روايات متضاربة وتهمة استهداف إثني
اتهمت مصادر محلية في كادقلي قوات كبيرة تابعة للحركة الشعبية-شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، بمهاجمة قرى القردود وأبو حمامة ومناطق مجاورة تسكنها قبيلة الأطورو.
وقالت المصادر إن الهجمات امتدت إلى منطقة أم حيطان، وإنها شملت إطلاق نار وعمليات قتل وحرق لمنازل، ما دفع السكان إلى الفرار من مناطقهم.
وتحدثت المصادر عن مقتل أكثر من 47 شخصًا، بينهم القيادي القبلي فاروق لونقرة، إضافة إلى مسلحين وتجار، فيما أشارت إلى وجود ضحايا من النساء والأطفال.
لكن الرقم الذي أعلنته شبكة أطباء السودان أقل من ذلك؛ إذ وثقت مقتل 27 شخصًا، بينهم أربعة أطفال، وهي فجوة رقمية لا يجوز التعامل معها كمسألة تفصيلية في واقعة بهذه الخطورة.
فالاختلاف بين أرقام الضحايا لا ينفي الجريمة المحتملة، لكنه يكشف حاجة ملحة إلى توثيق ميداني مستقل يحدد هوية القتلى، وظروف وفاتهم، والجهة المسؤولة، بدل ترك الملف رهينة روايات الأطراف.
وقالت شبكة أطباء السودان إن استهداف المدنيين على أساس إثني يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وطالبت بضغط عاجل لحماية السكان ووقف الهجمات.
في المقابل، تنفي الحركة الشعبية-شمال أن يكون قتالها قبليًا، وتقول إن عملياتها تستهدف مجموعات مسلحة تصفها بالمتمردة، وهو نفي يظل بحاجة إلى اختبار عبر تحقيق شفاف لا عبر البيانات وحدها.
وكان عبد العزيز الحلو قد أعلن، الجمعة الماضية، أمرًا بوقف القتال والأعمال العدائية في كاودا لإتاحة فرصة لمبادرة دفع بها قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو لوقف الاقتتال.
غير أن وقفًا معلنًا للقتال لا يجيب عن سؤالين أكثر إلحاحًا: ماذا حدث للمدنيين قبل القرار، ومن يضمن ألا يتحول الهدوء المؤقت إلى غطاء لإفلات المتورطين من المحاسبة؟
المدنيون يدفعون فاتورة الصراع المحلي
نزحت أعداد كبيرة من أبناء قبيلة الأطورو، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، نحو تنقلي والكواليب وكادقلي وأم حيطان، بحسب المصادر المحلية.
ولا يمثل النزوح مجرد انتقال من قرية إلى أخرى، بل فقدان للمأوى والغذاء والعمل والمدرسة والرعاية الصحية، خصوصًا في ولاية تعاني أصلًا من ضعف الخدمات وصعوبة وصول الإغاثة.
وتظهر مقاطع متداولة تجمعات للنازحين في العراء، لكن الصورة الأوسع تظل أكثر قسوة: أسر خرجت من قراها بلا ضمانات للحماية أو العودة أو استرداد ما فقدته.
وتشير المحللة السودانية خلود خير، مؤسسة ومديرة مركز «كونفلونس أدفايزوري» المتخصص في قضايا الحكم والسلام والأمن، في مداخلاتها الدولية حول السودان إلى أن تجاهل الأصوات المدنية والمحلية يترك الاستجابة السياسية بعيدة عن حقيقة ما يجري على الأرض.
وفي حالة جنوب كردفان، تبدو هذه الملاحظة شديدة الصلة؛ إذ لا يمكن اختزال الأزمة في خطاب «نزاع قبلي» إذا كانت مجموعات مدنية تتعرض للنزوح والقتل وفقدان سبل الحياة.
ويحذر الباحث أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي وصاحب دراسات بارزة عن الحرب والمجاعة في السودان، من أن تدمير سبل عيش السكان وعرقلة الحماية والإغاثة جزء من كلفة الحروب، لا أثر جانبي منفصل عنها.
وتكشف الأحداث أن النزاعات المحلية لا تنفصل عن الحرب السودانية الأوسع، حيث تتداخل المنافسة على الأرض والسلطة والسلاح مع الانقسامات المجتمعية، فيصبح الانتماء القبلي مصدر خطر بدل أن يكون إطارًا للحماية.
لذلك فإن توصيف الهجمات، إن ثبت استهدافها للمدنيين بسبب هويتهم، لا يجب أن يمر باعتباره اشتباكًا عابرًا، بل كتهديد مباشر للنسيج الاجتماعي في جبال النوبة وجنوب كردفان.
غياب التحقيق يطيل دائرة الإفلات
يرى آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، أن القتال المسلح في السودان يحمل قابلية كبيرة للتحول إلى عنف إثني وفظائع جماعية عندما تُترك المجتمعات المحلية بلا حماية فعالة.
وتابع أن المطلوب أولًا لجنة تحقيق مستقلة تضم جهات قانونية وطبية وحقوقية، وتملك صلاحية الوصول إلى مواقع الهجمات والاستماع إلى الناجين وتوثيق القتلى والمفقودين.
كما يتطلب الأمر نشر قوائم موثقة للضحايا، بدل الاكتفاء بأرقام عامة متضاربة، لأن الاسم والهوية والمكان والسبب هي أساس العدالة، لا مجرد حصيلة قابلة للتعديل في البيانات السياسية.
ويجب حماية الشهود والنازحين من الانتقام، خصوصًا إذا كانوا سيدلون بإفادات عن منفذي الهجمات أو المسارات التي سلكتها القوات أو القرى التي أُحرقت.
وتحتاج المناطق المستقبلة للنازحين إلى مساعدات عاجلة تشمل الغذاء والمياه والدواء والمأوى، لأن ترك الأسر في العراء يحول النجاة من القتل إلى بداية كارثة إنسانية جديدة.
كذلك ينبغي على قيادة الحركة الشعبية-شمال، إذا كانت تنفي استهداف المدنيين، أن تتعاون مع تحقيق محايد وتوضح قواعد الاشتباك ومسؤولية قادتها الميدانيين، بدل الاكتفاء بنفي عام.
أما المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، فلا يكفي أن يطالبا بوقف القتال؛ بل عليهما ربط أي مسار تفاوضي بإتاحة الوصول الإنساني، وحماية المدنيين، ومساءلة من يثبت تورطه في الانتهاكات.
فجنوب كردفان لا تحتاج هدنة إعلامية جديدة، بل حماية حقيقية تمنع تحويل المدنيين إلى وقود لصراع لا يملكون قرار إشعاله ولا أدوات النجاة من نتائجه.

