يتحقق النعيم الكامل حين يجد الإنسان ما يسد حاجته من طعام ولباس وشراب ومأوى، فيأمن القلق والتعب ويستقر ظاهرًا وباطنًا. أما تجاوز هذه الضرورات إلى مطامع لا تنتهي، فقد يحول الحياة إلى صراع دائم على المال والجاه والسلطة، ويبدد الطمأنينة التي يبحث عنها الإنسان.
ويقوم هذا التصوير على توازن دقيق بين حاجات الداخل والخارج؛ فهناك ما يريح الجسد من الجوع والعطش، وما يحفظ الكرامة من العري، وما يقي الإنسان قسوة الحر والتعب. لذلك تبدو الكفاية والرضا أساس السعادة، لا كثرة ما يملكه الإنسان ولا اتساع ما يطلبه.
يرسم الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام في سورة طه ملامح الحياة الكاملة في الجنة، فيقول: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 118-119]. إنها آيتان تجمعان أسباب الكفاية: الطعام والكساء والشراب والمأوى، وتنفي عن الإنسان وجوه الشقاء ظاهرًا وباطنًا.
أركان النعيم الأربعة
يبين الله تعالى لآدم أن له في الجنة أمنًا من الجوع والعري والظمأ والحر، وهي أركان الراحة التي يحتاجها الإنسان في دنياه وآخرته. فحين يجد الإنسان طعامه وكساءه وشرابه وسكنه، فقد أُعطي أصل الكفاية، وما وراء ذلك من المطامع قد يفتح أبواب العناء.
ومعنى الآيات أنك تجد كفايتك في الحياة: طعامًا تأكله، ولباسًا يقيك العري، وماءً تشربه، ومأوى يؤويك، وحسبك ذلك وكفى (1). فالنعيم الحق ليس في كثرة ما يملك الإنسان، بل في تمام ما يحتاج إليه.
وقال البيضاوي إن الآيتين بيان لما في الجنة من «أسباب الكفاية وأقطاب الكفاف»، وهي الشبع والري والكسوة والسكن، وأنها تغني عن السعي المتعب في طلب ما قد ينقطع أو يزول، فجاء ذكر نقائضها لتذكير الإنسان بأصناف الشقاء التي نجا منها في الجنة (2).
الكفاية قبل المطامع
جاءت الآيات بصيغة النفي: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ و﴿لَا تَعْرَى﴾ و﴿لَا تَظْمَأُ﴾ و﴿لَا تَضْحَى﴾؛ لأن فقد هذه الأمور هو موضع الشقاء. ولذلك جاء بعدها التحذير من إبليس الذي يريد إخراج آدم وزوجه من الجنة: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: 117].
فالقرآن يلفت الإنسان إلى أن الشقاء يبدأ حين يفقد ضروراته أو ينساق وراء مطامع لا تنتهي. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «مصارع الرجال تحت بروق المطامع»، لأن الجاه والسلطان والتكاثر قد تحوّل طلب الحياة إلى تناحر دائم.
وليست الدعوة إلى ترك العمل أو عمارة الأرض، بل إلى معرفة الميزان: أن يطلب الإنسان الكفاية والرضا، وألا يجعل المطمع الذي لا ينتهي سببًا لضياع راحته ودينه وإنسانيته.
بلاغة الجوع والعري
ومن بديع بيان القرآن أنه قابل بين الجوع والعري، وبين الظمأ والضحى، ولم يقل: لا تجوع ولا تظمأ، ولا تعرى ولا تضحى. فالجوع ألم الباطن وذله، والعري ألم الظاهر وذله، فناسب أن يجتمعا في الآية.
أما الظمأ فهو حرارة الباطن، والضحى هو تعرض الظاهر لحر الشمس، فجمع الله بين نفي حرارة الداخل وحرارة الخارج. وبذلك جاءت الآيتان في أعلى درجات الفصاحة، لأنهما تنفيان عن الإنسان كل آفات الشقاء في باطنه وظاهره.
وقال ابن القيم: إن من وقف عند ظاهر الألفاظ قد يتوهم أن الجوع يقابل الظمأ، والعري يقابل الضحى، لكن المتأمل يرى أن الجوع والعري متناسبان، كما أن الظمأ والضحى متناسبان؛ لأنهما ينفيان ألم الباطن وألم الظاهر (5).
وهكذا تتجلى حكمة الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾؛ فالجنة دار كفاية وأمن ورضا، ومن فهم هذا الميزان عرف أن النعيم ليس في كثرة المطالب، بل في تمام النعمة والنجاة من الشقاء.
...................................
المصادر والمراجع:
1. زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 9/4799.
2. المرجع نفسه، 9/4799.
3. المرجع نفسه، 9/4800.
4. بدائع التفسير، ابن القيم، 3/170.
5. بدائع التفسير، ابن القيم، 2/170- 3/240.
6. المصدر نفسه، 3/171.
7. علي محمد الصلابي، قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام، ط1، دار ابن كثير، 2020، 908-921.

