تتجه الأوضاع الميدانية في السودان نحو مزيد من التصعيد مع تجدد العمليات العسكرية في ولايتي شمال كردفان والنيل الأزرق، وسط سقوط قتلى وجرحى من المدنيين ونزوح آلاف الأشخاص من المناطق القريبة من خطوط المواجهة، في وقت كثف فيه الجيش السوداني غاراته الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتجمعات تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

 

وتكشف التطورات الأخيرة عن اتساع نطاق العمليات بعيداً عن جبهات القتال التقليدية، مع تحول مناطق في كردفان والنيل الأزرق إلى ساحات رئيسية للمواجهة، بالتزامن مع حشود وتحركات عسكرية للطرفين تنذر بإمكانية اندلاع معارك برية جديدة خلال الفترة المقبلة.

 

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، قُتل أكثر من 12 مدنياً وأصيب آخرون في الاشتباكات التي شهدتها منطقة «أم عردة» الواقعة جنوب غربي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، فيما دفعت المواجهات آلاف السكان إلى مغادرة منازلهم والفرار باتجاه مناطق أكثر أمناً.

 

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 4200 شخص نزحوا من أم عردة والمناطق المحيطة بها خلال يومي الجمعة والسبت، في مؤشر جديد على حجم التداعيات الإنسانية للعمليات العسكرية المتسارعة في المنطقة.

 

 

غارات جوية وحشود عسكرية حول مدينة الأبيض

 

ميدانياً، شنّت مقاتلات حربية وطائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني سلسلة غارات استهدفت تجمعات ومواقع لـ«قوات الدعم السريع» في شمال كردفان، بالتزامن مع غارات أخرى في ولاية النيل الأزرق.

 

وبحسب إفادات شهود، استمرت العمليات الجوية رغم انخفاض وتيرة الاشتباكات البرية المباشرة خلال الساعات الأخيرة، لتظل الطائرات الحربية والمسيرات أداة رئيسية في المواجهة بين الطرفين، خصوصاً مع تزايد الحشود العسكرية على خطوط التماس.

 

وتسعى قوات الجيش والقوات المتحالفة معه إلى توسيع مناطق سيطرتها في شمال كردفان وتأمين محيط مدينة الأبيض، التي تمثل مركزاً استراتيجياً مهماً في الإقليم، بينما تتمركز قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في عدد من المناطق الواقعة إلى الغرب والجنوب من المدينة.

 

ويجعل هذا الانتشار المتقابل المنطقة مرشحة لمواجهة أوسع، خصوصاً في ظل استمرار تعزيز المواقع والتحركات العسكرية المتبادلة، فيما تستهدف الغارات الجوية، وفق التطورات الميدانية، تقليص قدرة قوات الدعم السريع على التحرك وتجميع قواتها بالقرب من المدينة.

 

وتشير حالة الاستنفار العسكري إلى أن الهدوء النسبي الذي تشهده بعض المحاور لا يعني توقف العمليات، بل قد يمثل مرحلة لإعادة الانتشار والاستعداد لجولة جديدة من المواجهات البرية.

 

وفي موازاة التصعيد العسكري، استمرت حركة النزوح نحو الأبيض، حيث أفادت تقارير بوصول نحو 500 أسرة فرت من منطقتي أم عردة وجبل الهشابة سيراً على الأقدام، بحثاً عن الأمان بعيداً عن مناطق الاشتباكات.

 

 

آلاف النازحين وضغوط متزايدة على الوضع الإنساني

 

تواجه مدينة الأبيض ضغوطاً إنسانية متزايدة مع استمرار تدفق الأسر النازحة إليها من المناطق المحيطة، وهو ما يضع الخدمات الأساسية ومراكز استقبال النازحين أمام تحديات كبيرة، خصوصاً مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والصحية في الولاية.

 

وسبق أن حذرت «أوتشا» من أن تصاعد العنف في شمال كردفان سيدفع المزيد من السكان إلى النزوح باتجاه الأبيض، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الضغط على المياه والرعاية الصحية والغذاء ومواقع الإيواء.

 

ولا تقتصر تداعيات القتال على حركة النزوح فقط، إذ تسبب الوضع الأمني المتدهور في تعطيل جانب من الأنشطة الإنسانية والصحية في بعض المناطق.

 

وذكرت «أوتشا» أن شركاء العمل الإنساني اضطروا إلى تعليق أنشطة وخدمات صحية منذ أكثر من أسبوعين في منطقة المزروب، رغم أن المنطقة تشهد تفشياً للكوليرا، ما يضاعف المخاطر التي تواجه السكان في ظل تراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الطبية.

 

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى عزل مزيد من التجمعات السكانية ومنع وصول المساعدات إلى المحتاجين، خصوصاً في المناطق الواقعة بالقرب من خطوط التماس أو التي تشهد تحركات عسكرية مكثفة.

 

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن تتحول الأزمة العسكرية في شمال كردفان إلى أزمة إنسانية أوسع نطاقاً، مع استمرار حركة الفرار وصعوبة وصول فرق الإغاثة إلى المناطق المتضررة.

 

 

النيل الأزرق يدخل دائرة التصعيد ومخاوف من جبهة جديدة

 

بالتزامن مع المواجهات في كردفان، تشهد ولاية النيل الأزرق توتراً عسكرياً متصاعداً، خصوصاً في مناطق قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما، حيث تجددت الاشتباكات وسط تحركات وحشود للقوات المتحاربة واستعدادات لمعارك جديدة.

 

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن نحو 5400 شخص نزحوا خلال الأيام الأخيرة بسبب التطورات العسكرية في النيل الأزرق، في وقت تتزايد فيه المخاوف من امتداد القتال إلى مناطق أخرى.

 

وكانت تقديرات سابقة قد أشارت إلى نزوح نحو 2500 شخص جراء القتال في قيسان، إلا أن الرقم ارتفع مع تجدد المواجهات واتساع رقعة المناطق المتأثرة، ما يعكس سرعة تدهور الوضع الأمني والإنساني.

 

ودعت الأمم المتحدة أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، محذرة من استمرار تعرض السكان لمخاطر القتال والنزوح.

 

وتشكل شمال كردفان والنيل الأزرق حالياً اثنتين من أكثر جبهات القتال حساسية في السودان، مع انتقال العمليات العسكرية تدريجياً إلى مناطق جديدة وسعي كل طرف إلى تعزيز نفوذه ومواقعه الاستراتيجية.

 

ورغم تراجع الاشتباكات البرية المباشرة بصورة مؤقتة، فإن استمرار الغارات الجوية وهجمات المسيرات، بالتزامن مع الحشود والتحركات الميدانية، يجعل احتمالات عودة المواجهات الواسعة قائمة بقوة، بينما يتحمل المدنيون العبء الأكبر من استمرار الحرب عبر سقوط الضحايا والنزوح وفقدان الخدمات الأساسية، في أزمة إنسانية تتسع مع كل جبهة جديدة تُفتح في الصراع السوداني.