أثارت واقعة مقتل خمسة من أبناء قبيلة الحويطات برصاص قوات تابعة لوزارة الداخلية في منطقة القطامية بالقاهرة، موجة من الجدل، وسط مطالبات حقوقية وقانونية بفتح تحقيق مستقل وشفاف للوقوف على ملابسات ما جرى، وتحديد الظروف التي سبقت استخدام القوة المميتة، وما إذا كان إطلاق النار قد استوفى الضوابط القانونية اللازمة.
وطالبت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان النائب العام بفتح تحقيق مستقل وفعال في الواقعة، والكشف عن جميع تفاصيلها، مع التحفظ على الأدلة المادية والفنية المرتبطة بالحادث، والاستماع إلى أفراد القوة الأمنية والشهود وأقارب الضحايا، في ظل وجود روايات متباينة بشأن ما حدث داخل أحد المصانع تحت الإنشاء في منطقة القطامية.
وتكتسب الواقعة أهمية خاصة بسبب تضارب الرواية الرسمية مع ما نقله أقارب الضحايا، وهو ما يجعل حسم ملابساتها مرتبطًا بما ستكشف عنه الأدلة الفنية والتحقيقات القضائية، وليس فقط بالروايات الصادرة عن أطراف الواقعة.
الداخلية: مقتل 5 أشخاص خلال مداهمة أمنية
كانت وزارة الداخلية قد أعلنت، في 3 أغسطس 2026، مقتل خمسة أشخاص قالت إنهم يشكلون «تشكيلًا عصابيًا»، وذلك خلال محاولة القبض عليهم داخل مصنع تحت الإنشاء بمنطقة القطامية.
وبحسب الرواية الرسمية، فإن الأشخاص الخمسة بادروا بإطلاق النار على القوات أثناء محاولة ضبطهم، الأمر الذي دفع القوات إلى التعامل معهم، وأسفر عن مقتلهم جميعًا.
وقالت الوزارة، وفق روايتها، إن القوات عثرت بحوزة القتلى على أسلحة نارية وعدد من السيارات، وربطت الواقعة باتهامات جنائية نسبت إلى الضحايا.
وتتطلب مثل هذه الرواية، في حال وجود خلاف بشأن تفاصيلها، فحص الأدلة المرتبطة بمسرح الحادث، بما في ذلك الأسلحة المضبوطة، والذخائر والفوارغ، وتقارير الطب الشرعي، وأي تسجيلات مصورة أو أدلة إلكترونية يمكن أن تساعد في تحديد تسلسل الأحداث بدقة.
من هم الضحايا الخمسة؟
الضحايا الذين أعلنت أسماؤهم في أعقاب الواقعة هم:
محمد أبو متروك الغنامي الحويطي.
أحمد حامد أبو متروك الغنامي الحويطي.
ناصر أبو عيد القعيص الحويطي.
محمد أبو سليمان الشلح الحويطي.
حمد أبو إبراهيم الشلح الحويطي.
وأثارت الواقعة حالة من الغضب بين عدد من أقارب الضحايا وشخصيات من قبيلة الحويطات، خصوصًا مع رفضهم الاتهامات التي وردت في الرواية الرسمية، ومطالبتهم بالكشف عن حقيقة ما جرى.
أقارب الضحايا يقدمون رواية مختلفة
في المقابل، تحدثت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان مع ثلاثة من أقارب الضحايا، الذين نفوا ما ورد بشأن وجود سوابق جنائية بحقهم، وقدموا رواية مغايرة لما أعلنته وزارة الداخلية بشأن الظروف التي سبقت مقتلهم داخل المصنع.
لكن المؤسسة أشارت في الوقت نفسه إلى أنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من جميع تفاصيل الرواية التي قدمها أقارب الضحايا، وهو ما يعيد التأكيد على أهمية وجود تحقيق محايد يستطيع الوصول إلى الأدلة والشهود وتحديد المسؤوليات بعيدًا عن الروايات المتضاربة.
ونشر عدد من أقارب الضحايا وشخصيات من قبيلة الحويطات مطالبات بإجراء تحقيق مستقل في الواقعة، فيما أعلن محامٍ موكل عن أسر ثلاثة من الضحايا اتخاذ إجراءات قانونية أمام النيابة العامة، مع طلب فحص الأدلة وسماع الشهود.
لماذا يطالب حقوقيون بتحقيق مستقل؟
تتمحور المطالب الحقوقية حول نقطة أساسية، وهي ضرورة ألا تقتصر عملية التحقيق على الرواية الأمنية وحدها، خصوصًا عندما تكون الجهة التي استخدمت القوة المميتة هي نفسها الجهة التي تقدم الرواية الأولية حول كيفية وقوع الحادث.
وبحسب مؤسسة سيناء، فإن وجود روايات متعارضة بشأن الواقعة يستوجب فحصًا مستقلًا للأدلة، بما يضمن تحديد ما إذا كان إطلاق النار قد جاء في إطار الضرورة القصوى لحماية الأرواح، أم كان بالإمكان القبض على الأشخاص الخمسة أو التعامل معهم بوسائل أقل فتكًا.
وتشير المؤسسة إلى أن مجرد إعلان وزارة الداخلية أن الأشخاص الخمسة بادروا بإطلاق النار لا يمثل، بمفرده، دليلًا نهائيًا على مشروعية استخدام القوة المميتة، إذ ينبغي أن تحدد التحقيقات طبيعة الخطر الذي كان قائمًا في اللحظة التي أطلقت فيها القوات النار، وما إذا كان خطرًا وشيكًا على حياة أفراد الأمن أو أشخاص آخرين.
السوابق الجنائية لا تعني إهدار الحق في الحياة
وتطرح الواقعة أيضًا نقاشًا أوسع بشأن الحدود القانونية لاستخدام القوة من جانب أجهزة إنفاذ القانون.
فحتى إذا ثبتت الاتهامات الجنائية المنسوبة إلى أي شخص، فإن ذلك لا يعني سقوط حقه في الإجراءات القانونية أو يبرر استخدام القوة المميتة بحقه خارج الضوابط التي يحددها القانون.
وبحسب المعايير التي تستند إليها المؤسسة في مطالبتها بالتحقيق، فإن الأصل هو القبض على المتهم والتحقيق معه وتقديمه إلى محاكمة عادلة، بينما لا يجوز استخدام القوة المميتة إلا في الظروف التي تستدعيها حماية الأرواح من خطر وشيك، وبعد استنفاد أو تعذر الوسائل الأقل فتكًا عندما تكون الظروف تسمح بذلك.
ومن هنا، فإن السؤال المحوري في واقعة القطامية لا يتعلق فقط بما إذا كان الأشخاص الخمسة متهمين بارتكاب جرائم، وإنما يتعلق أيضًا بما حدث تحديدًا في اللحظات التي سبقت إطلاق النار عليهم، وما إذا كان استخدام القوة المميتة ضروريًا ومتناسبًا مع الخطر القائم آنذاك.
مؤسسة سيناء تربط الواقعة بنمط سابق
ولا تنظر مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إلى واقعة القطامية بمعزل عن وقائع أخرى قالت إنها وثقتها في السنوات السابقة، مشيرة إلى ما وصفته بنمط يتعلق باستخدام القوة المميتة من جانب أجهزة الأمن، ثم تقديم روايات رسمية عن مقتل الأشخاص باعتبارهم عناصر مسلحة قُتلوا خلال «تبادل لإطلاق النار».
واستشهدت المؤسسة بتقريرها «قتلوا بدم بارد»، الذي قالت إنها وثقت خلاله حالات لأشخاص قُتلوا خارج نطاق القانون في شمال سيناء، قبل أن تعلن السلطات لاحقًا مقتلهم خلال «اشتباكات مسلحة».
وترى المؤسسة أن تكرار مثل هذه الروايات، في حال عدم وجود تحقيقات مستقلة وفعالة، يثير مخاوف تتعلق بإمكانية الإفلات من العقاب، خصوصًا عندما لا تتاح للأسر أو المحامين فرصة مستقلة للوصول إلى الأدلة أو معرفة الملابسات الكاملة لمقتل ذويهم.
قضية المساءلة عن استخدام القوة
تضع الواقعة كذلك مسألة مساءلة قوات إنفاذ القانون في صدارة النقاش، إذ إن مشروعية استخدام السلاح لا ترتبط فقط بوجود مهمة أمنية أو اتهامات جنائية، وإنما بظروف استخدام القوة ذاتها.
فالتحقيق المستقل، وفق المطالب الحقوقية، يجب أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة، من بينها: هل كان الأشخاص الخمسة يحملون أسلحة فعلًا؟ وهل استخدموا هذه الأسلحة ضد القوات؟ وهل توجد أدلة فنية تؤكد وقوع إطلاق نار من جانبهم؟ وكم عدد الطلقات التي أطلقت من كل طرف؟ وما المسافة التي تفصل بين القوات والأشخاص المستهدفين؟ وهل كانت هناك إمكانية للقبض عليهم دون استخدام القوة المميتة؟.
كما ينبغي تحديد مواقع الأشخاص والقوات لحظة إطلاق النار، وتحليل الإصابات التي تعرض لها القتلى، ومطابقة ذلك مع الأسلحة والذخائر والفوارغ التي جرى العثور عليها في المكان.
تسجيل قديم يعيد ملف المساءلة إلى الواجهة
وفي سياق حديثها عن الإفلات من العقاب، أشارت مؤسسة سيناء إلى تسجيل مسرب نُشر عام 2013، حين كان عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع، قالت إنه يتضمن حديثًا عن تعامل الشرطة مع المتظاهرين، واقتبست منه عبارة: «حد يموت أو حد يحصل له حاجة في عينيه، يتحاكم الضابط أحمد؟ لا، مش هيحصل خلاص.. والمتظاهرين قد أدركوا ذلك».
وترى المؤسسة أن هذا الخطاب، إلى جانب ما تعتبره غيابًا للتحقيقات المستقلة والمحاسبة الفعالة في وقائع قتل سابقة، يمكن أن يساهم في تكريس مناخ يسمح باستخدام القوة دون رقابة أو مساءلة كافية.
وفي المقابل، فإن إثبات المسؤولية القانونية عن أي واقعة محددة يظل مرتبطًا بالأدلة والتحقيقات القضائية، وليس بمجرد الاستناد إلى وقائع أو تصريحات سابقة.
ما الأدلة التي يمكن أن تحسم الحقيقة؟
يرى المطالبون بتحقيق مستقل أن هناك مجموعة من الأدلة التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء تسلسل الأحداث داخل المصنع ومحيطه.
وتأتي في مقدمة هذه الأدلة تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة في موقع الحادث أو المناطق المحيطة به، إلى جانب الهواتف والأجهزة الإلكترونية التي قد تكون مرتبطة بالواقعة، فضلًا عن الأسلحة المضبوطة والذخائر والفوارغ ومقارنة آثار إطلاق النار.
كما تمثل تقارير الطب الشرعي والصفة التشريحية عنصرًا مهمًا في تحديد اتجاهات إطلاق النار، ومواقع الإصابات، والمسافات التقريبية، وما إذا كانت الإصابات تتوافق مع الرواية التي أعلنتها السلطات.
ويشمل ذلك أيضًا الاستماع إلى أفراد القوة الأمنية الذين شاركوا في العملية، وكذلك العاملين أو الأشخاص الذين كانوا موجودين في محيط المصنع وقت وقوع الحادث، مع ضرورة حماية الشهود من أي ضغوط قد تؤثر في شهاداتهم.
مطالب بفحص القضايا المنسوبة إلى الضحايا
ومن بين المطالب التي طرحتها مؤسسة سيناء التحقق من القضايا والأحكام التي قالت وزارة الداخلية إن الضحايا سبق اتهامهم أو إدانتهم فيها.
ولا يقتصر الهدف من هذا الفحص على التحقق من وجود سوابق جنائية من عدمه، وإنما تحديد طبيعة الاتهامات والأحكام، وما إذا كانت هناك أحكام نهائية بالفعل، وما إذا كانت هذه المعلومات قد استُخدمت في توصيف الواقعة على نحو دقيق.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بعدما نفى أقارب الضحايا وجود سوابق جنائية بحقهم، وهو ما يجعل الرجوع إلى السجلات الرسمية والأحكام القضائية، إن وجدت، السبيل الأكثر دقة لحسم الخلاف بشأن هذه المسألة.
مطالبة بإشراك أسر الضحايا ومحاميهم
كما طالبت المؤسسة بضمان مشاركة أسر الضحايا ومحاميهم في الإجراءات القانونية وفقًا للقانون، وتمكينهم من متابعة التحقيقات ومعرفة نتائجها.
وترى المؤسسة أن وجود أسر الضحايا ومحاميهم ضمن الإجراءات من شأنه تعزيز الثقة في التحقيق، خصوصًا في الوقائع التي تتعلق باستخدام القوة المميتة من جانب أجهزة الدولة.
كما طالبت بإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي قتل غير مشروع، بحيث لا تظل الواقعة محصورة في روايات متعارضة دون نتيجة قضائية واضحة.
قلق بشأن اعتقال قريب أحد الضحايا
وفي تطور آخر، طالبت مؤسسة سيناء بالكشف الفوري عن مكان ووضع إبراهيم محمد الجوهري الحويطي، أحد أقارب الضحايا، بعد أن أفادت معلومات تلقتها المؤسسة باعتقاله من منزله في القاهرة في 6 أغسطس، عقب نشره مطالبات بالتحقيق في الواقعة.
وتطالب المؤسسة بتمكينه من الاتصال بأسرته ومحاميه وعرضه على جهة التحقيق المختصة، أو الإفراج عنه فورًا إذا لم يكن هناك سند قانوني لاحتجازه.
كما شددت على ضرورة عدم تعرض أقارب الضحايا أو أي أشخاص آخرين للملاحقة بسبب مطالبتهم، بصورة سلمية، بالكشف عن حقيقة الواقعة أو المطالبة بالعدالة.

