بعد ثلاثة عشر عامًا على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في القاهرة والجيزة، لا تزال أحداث الرابع عشر من أغسطس 2013 واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل والانقسام في تاريخ مصر الحديث، فيما بقيت حصيلة الضحايا محل خلاف بين روايات رسمية وحقوقية ومعارضة، بينما استمرت التداعيات السياسية والقانونية والأمنية للأحداث لسنوات طويلة.

 

ففي الوقت الذي تحولت فيه واقعة الفض إلى محطة فاصلة أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني في مصر، ظل ملف الضحايا وما جرى خلال ساعات الفض وما سبقها وما تلاها موضوعًا تتباين بشأنه التقديرات، وسط مطالبات حقوقية متكررة بإجراء تحقيقات مستقلة وشاملة تحدد المسؤوليات، في مقابل قضايا وأحكام طالت أعدادًا كبيرة من أنصار الاعتصامين.

 

 

13 عامًا على يوم غيّر المشهد المصري


بدأت قصة الاعتصام في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر خلال صيف عام 2013، في حكم الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر.

 

تحولت رابعة إلى مركز رئيسي لأنصار الرئيس محمد مرسي والقوى المؤيدة لاستمراره في الحكم، بينما ظهر اعتصام آخر في ميدان النهضة بمحافظة الجيزة.


وفي الثالث من يوليو 2013، أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي الانقلاب على الرئيس الشرعي محمد مرسي، وتولي المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية رئاسة البلاد بصورة مؤقتة، لتدخل مصر مرحلة جديدة اتسمت بتوتر سياسي وأمني غير مسبوق.

 

رفض أنصار مرسي القرار، وتمسكوا بـ"الشرعية"، وتحولت ساحتا رابعة والنهضة إلى مركزين للاحتجاجات والمظاهرات والخطابات السياسية، واستمر الاعتصامان لأسابيع.

 

 

مواجهات دامية سبقت قرار الفض


لم تكن عملية الفض في الرابع عشر من أغسطس حدثًا منفصلًا عن سلسلة من المواجهات التي سبقتها.


فخلال الأسابيع السابقة وقعت اشتباكات دامية في محيط اعتصام رابعة ومناطق أخرى، كان من أبرزها أحداث الحرس الجمهوري في الثامن من يوليو، والتي أعلنت وزارة الصحة آنذاك أنها أسفرت عن استشهاد 51 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 435 آخرين.

 

كما شهد محيط رابعة في السابع والعشرين من يوليو أحداثًا عرفت إعلاميًا باسم "أحداث المنصة"، وأسفرت، وفق بيانات رسمية، عن استشهاد عشرات الأشخاص.

 

وفي منطقة بين السرايات القريبة من اعتصام النهضة، وقعت مواجهات أخرى في الثاني من يوليو خلفت شهداء ومصابين.

 

 

الحكومة تعلن الاستعداد لفض الاعتصامين


في الحادي والثلاثين من يوليو 2013، أعلنت الحكومة تفويض وزير الداخلية آنذاك بإعداد الخطط اللازمة للتعامل مع اعتصامي رابعة والنهضة، من دون الإعلان عن موعد محدد لتنفيذ عملية الفض.

 

وخلال الأيام التالية، جرت محاولات ووساطات محلية ودولية لإيجاد مخرج سياسي للأزمة، إلا أنها لم تنجح في التوصل إلى اتفاق ينهي الاعتصامين بصورة سلمية.

 

وفي الوقت نفسه، ارتفعت حدة الخطاب السياسي والإعلامي من الجانبين، وتزايدت أعداد المعتصمين في الميدانين، بينما كانت السلطات تؤكد ضرورة إنهاء الاعتصامين، محذرة من استمرار ما وصفته بتعطيل مؤسسات الدولة وتهديد الأمن.

 

 

فجر الرابع عشر من أغسطس.. بداية عملية الفض


مع الساعات الأولى من صباح الأربعاء الرابع عشر من أغسطس 2013، بدأت قوات الأمن تنفيذ عملية فض اعتصامي رابعة والنهضة.

 

وتشير الروايات التي وثقت الأحداث إلى انتشار أعداد كبيرة من قوات الشرطة والجيش، مدعومة بمدرعات ومركبات أمنية، بينما حلقت طائرات في سماء المنطقة.

 

واستمرت العملية لساعات طويلة، وسط إطلاق نار كثيف وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء والمصابين.

 

وامتلأت المستشفيات الميدانية وقاعات مسجد رابعة بجثث الشهداء والمصابين، وتحولت المنطقة المحيطة بالميدان إلى ساحة اشتباكات واسعة.

 

 

مسجد الإيمان.. مشهد الجثامين والصدمة


وفي الوقت نفسه، أصبح مسجد الإيمان القريب من رابعة نقطة تجمع لجثامين الضحايا، وسط توافد أعداد كبيرة من ذويهم الذين حاولوا التعرف على أقاربهم.


وكانت المشاهد التي خرجت من المسجد والمناطق المحيطة به من أكثر الصور التي رسخت في الذاكرة الجماعية للأحداث، بعدما ظهرت أعداد كبيرة من الجثامين والمصابين وسط حالة من الذهول والحزن.

 

وعلى المستوى الدولي، أثارت عملية الفض ردود فعل متباينة؛ فبينما أدانت جهات ودول استخدام القوة ودعت إلى وقف العنف، ركزت أطراف أخرى على ضرورة استعادة الاستقرار ومنع انهيار مؤسسات الدولة.

 

وفي خضم تلك التطورات، أعلن محمد البرادعي، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، استقالته احتجاجًا على استخدام القوة في فض الاعتصامين.

 

 

أحداث رمسيس تضيف مئات الضحايا إلى المشهد


بعد يومين فقط من عملية الفض، خرج مؤيدون لمرسي في مسيرات احتجاجية، كان من أبرزها المسيرة التي تحركت بعد صلاة الجمعة في السادس عشر من أغسطس باتجاه ميدان رمسيس وسط القاهرة.

 

واندلعت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الشهداء.

 

ووفق أرقام مصلحة الطب الشرعي، تجاوز عدد الشهداء في تلك الأحداث 120 شخصًا.

 

وبذلك لم تعد حصيلة الضحايا مرتبطة فقط بالساعات التي جرى خلالها فض رابعة والنهضة، بل امتدت إلى سلسلة الأحداث الدامية التي أعقبت الفض في مناطق متعددة من البلاد.