يفجر تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية لمدة عام موجة غضب تتجاوز الخلاف التشريعي إلى مصير معتقلي الرأي، بعدما تحولت عدم جاهزية الحكومة إلى مهلة إضافية يدفع ثمنها محبوسون ينتظرون تغييرًا في أوضاعهم.
ويضع القرار الحكومة أمام اتهامات بالتنصل من مسؤوليتها تجاه من يقبعون خلف القضبان، إذ يرى نواب ونشطاء أن سنوات التحضير انتهت باعتراف بالعجز، بينما بقي المعتقلون وحدهم مطالبين بانتظار عام آخر.
الحكومة تؤجل والمعتقلون يدفعون الثمن
وفي أولى ردود الفعل، استنكرت النائبة إيرين سعيد التراجع المفاجئ عن تطبيق القانون، متسائلة عن كيفية إعلان عدم الجاهزية بعد سنوات من التحضير والمناقشات التي سبقت الموعد المحدد للتنفيذ.
النائبة إيرين سعيد تستنكر التراجع المفاجئ عن تطبيق قانون الإجراءات الجنائية منتقدة إعلان الحكومة عدم جاهزيتها بعد سنوات من التحضير https://t.co/SlzrrBUviP
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) September 30, 2026
وبالنسبة إلى سعيد، فإن الوصول إلى موعد التطبيق قبل الإعلان عن غياب الجاهزية لا يبدو خللًا عابرًا، بل يضع مسؤولية الاستعداد المسبق كاملة أمام الجهات التي امتلكت الوقت لتوفير المتطلبات اللازمة.
وفي الاتجاه نفسه، طالب النائب حسين هريدي بالإفراج الفوري عن سجناء الرأي، معتبرًا أنه من غير المقبول إبقاء المحبوسين خلف القضبان حتى موعد مناقشة القانون وإقراره مرة أخرى العام المقبل.
نائب البرلمان حسين هريدي يطالب بالإفراج الفوري عن سجناء الرأي بعد تأجيل قانون الإجراءات الجنائية عامًا، مشيرا إلى أنه من غير المقبول أن يظل المحبوسون رهن الحبس حتى موعد مناقشة القانون وإقراره العام المقبل #مزيد https://t.co/FyvYbtfh63
— مزيد - Mazid (@MazidNews) October 1, 2026
وبحسب هريدي، فإن المعتقلين لا يجوز أن يتحولوا إلى ضحايا لمهلة جديدة حصلت عليها الحكومة بعدما عجزت عن الاستعداد، بينما تستمر أيام الحبس فعليًا ولا يمكن استعادتها لاحقًا.
ومن هنا، يصبح التأجيل بالنسبة إلى هؤلاء أبعد كثيرًا من تغيير تاريخ على الورق، لأنه يضيف عامًا كاملًا إلى أزمة قائمة بالفعل ويترك مصير المحبوسين معلّقًا بانتظار جاهزية مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، لا يطالب أصحاب هذه المواقف بقانون جديد بقدر ما يضعون مسألة التنفيذ في المقدمة، معتبرين أن قيمة النصوص تسقط عندما تبقى ممارسات الحبس والتدوير أقوى من الضمانات المكتوبة.
ومن جانبها، قالت لمار القاضي إن الشعب لا يحتاج مزيدًا من القوانين بقدر حاجته إلى تنفيذ واقعي للقوانين الموجودة، وربطت التأجيل مباشرة بطريقة التعامل مع سجناء الرأي داخل منظومة الحبس.
بمناسبة تأجيل تنفيذ (قانون الإجراءات الجنائية)الشعب مش محتاج قوانين جديدة لكن المطلوب التنفيذ الواقعي للقوانين،الدولة بتعامل سجناء الرأي كأنهم مش بشر وكل ما يخلص قضية يتم تدويره في غيرها وبتكون متستفة وجاهزة والإفراج بمزاج النظام مش بالقانون ،لانه اصلا مادخلش بالقانون هو اتخطف .
— LAMAR Al-QADY 🦋 لمار القاضى 🦋 (@LAMARALKADY) October 1, 2026
وبحسب القاضي، فإن إعادة تدوير المعتقل من قضية إلى أخرى تجعل الإفراج خاضعًا للممارسة أكثر من النص، وهو ما يجعل الحديث عن تشريعات جديدة بلا قيمة إذا استمرت الآليات نفسها.
عام إضافي يضاعف أزمة السجون
وفي شهادة أكثر ارتباطًا بالأثر داخل السجون، حذر الناشط سيف الإسلام عيد من انعكاس التأجيل على المعتقلين، معتبرًا أن الشباب باتوا أمام حالة شديدة من الإحباط وانعدام الأمل في أي انفراجة.
الناشط سيف الإسلام عيد: تأجيل تنفيذ قانون الإجراءات الجنائية منعكس بشكل سيئ جدا على المعتقلين، الشباب ضهرها للحيط ومفيش أي أمل في أي حاجة، ولك أن تتخيل ازاي الكلام ده هينعكس بشكل كبير على السجون https://t.co/0gJLy09m6T
— شبكة رصد (@RassdNewsN) September 30, 2026
وبحسب عيد، فإن إضافة عام جديد قبل بدء تنفيذ القانون لا تمر على المعتقلين باعتبارها خطوة إدارية، وإنما تصل إليهم باعتبارها رسالة بأن انتظار أي تغيير يمكن تمديده مرة أخرى.
وفي هذا السياق، يصبح الأثر النفسي للتأجيل جزءًا من الأزمة نفسها، لأن المحبوس الذي ينتظر تغييرًا في القواعد المنظمة للحبس يجد نفسه أمام موعد جديد فرضته مؤسسات لم تُنجز استعداداتها.
كما تضع هذه المواقف الحكومة أمام سؤال لا يرتبط بالتكنولوجيا أو الإجراءات بقدر ارتباطه بالإنسان الذي يقضي أيامه داخل السجن، بينما تتحول المهلة الإدارية إلى شهور إضافية من حياته.
ومن ناحية أخرى، فإن التركيز على المعتقلين يغيّر معنى التأجيل بالكامل، فالحكومة تحصل على وقت جديد لترتيب أوراقها، بينما لا يحصل المحبوس على يوم واحد يعوضه عن الفترة التي سيقضيها منتظرًا.
وفي السياق ذاته، اعتبر أحمد صابر، عضو لجنة الشباب بحزب تكنوقراط مصر، أن إعلان عدم وجود بنية تكنولوجية قادرة على مواكبة القانون يعكس فجوة واسعة بين مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية.
أحمد صابر، عضو لجنة الشباب بحزب تكنوقراط مصر: تأجيل العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام، بعد تأكيد وزارة العدل عدم وجود بنية تحتية تكنولوجية تواكب العمل بهذه التعديلات، يؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية، بل ويكشف أن من يقف وراء هذه التعديلات ليس أيًّا من الجهتين. والأهم من كل ذلك هو الإجابة عن سؤال واحد: هل يُطبَّق القانون والدستور في مصر؟ #حراك_أكتوبر_البداية
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) September 30, 2026
كما طرح صابر سؤالًا مباشرًا حول ما إذا كان القانون والدستور يطبقان بالفعل، وهو سؤال يكتسب ثقله من وجود معتقلين ترتبط حرياتهم بمنظومة يفترض أن تحكمها نصوص واضحة وإجراءات منضبطة.
ومن ثم، لا يرى أصحاب هذه المواقف أن المشكلة انتهت بتحديد موعد جديد، بل يعتبرون أن التأجيل أعاد فتح ملف أوسع يتعلق بمن يدفع ثمن الفجوة بين التشريع والتنفيذ على الأرض.
غضب برلماني من عجز الحكومة
وفي أكثر المواقف البرلمانية حدة، قال النائب رضا عبدالسلام إن ما جرى كان يستوجب إقالة الحكومة فورًا، معتبرًا أن العجز عن توفير متطلبات تنفيذ قانون صدر منذ أكثر من عام لا يمكن تمريره بسهولة.
النائب رضا عبدالسلام عبر صفحته الرسمية ما حدث اليوم كان يستوجب إقالة الحكومة...فورا! كان من المفترض ان يبدأ الفصل التشريعي الخميس ١ أكتوبر، ولكننا فوجئنا برسالة من امين المجلس في الـ ٩ مساء بدعوة المجلس الأربعاء لجلسة طارئة، ولم يتحدد السبب! ثم عاد وأرسل أمين المجلس رسالة قبل منتصف الليل بدقيقتين يؤكد فيها علي دعوة رئيس المجلس وليس رئيس الجمهورية لجلسة طارئة لنظر مشروع قانون عاجل!!!! كل ذلك ونواب الشعب لا يعرفون شيء! متخيل؟! نواب الشعب أتوا لجلسة ولم يعرفوا ماذا سيناقشوا في الصباح!! للأسف الشديد، ما عايشته اليوم وما رأيته بعيني أحبطني للغاية....وليس كل ما يعرف يقال...وليس كل ما نفكر فيه ونتمناه ندركه...نعم. ولكننا تعلمنا ونعلم أبنائنا في كليات الحقوق أن السلطة التشريعية هي أم السلطات، تأتي بعدها وتخضع لها السلطات التنفيذية والقضائية، مع فصل دستوري، يضمن كفاءة الأداء...ولكن...ومليون ولكن! لايمكن للسلطة التشريعبة أن تؤدي هذا الدور الا اذا كانت علي مستوي من الكفاءة والقوة والقدرة والصلاحيات التي تؤهلها للقيام بدورها المنشود، لتكون في وضع الفاعل لا المفعول به. اليوم، وبعد مضي أكثر من عام علي صدور قانون الإجراءات الجنائية، كان من المفترض تنفيذ القانون من ١ أكتوبر، ولكن تفاجأت الحكومة بأنها ليست جاهزة للتنفيذ والتطبيق...متخيل؟! فانتقلت المفاجأة لأعضاء مجلس نواب الشعب المصري، وتفضل ٦٢ نائب بتقديم طلب بمشروع قانون لم يسمع به باقي نواب الشعب! وفي غضون دقائق معدودة، عُرِض المشروع وتم التصويت عليه...وبالطبع الموافقة!!!! كل ما كنت أود قوله لو تم منح الكلمة لي داخل المجلس، رغم طلبي الكلمة رسميا، كنت سأشترطت قبل الموافقة علي القانون المفاجيء موافقة المجلس علي إقالة حكومة وضعتنا في ورطة! حكومة عجزت عن ان توفر متطلبات تطبيق قانون سبقتنا فيه دول وإمارات أتت بعد آلاف السنين من قدوم مصر، وإياك أن تقول قدرات مالية! إنها الإرادة والقرار والقدرة....وهذا أمور أثبت واقعنا وبالقطع عدم وجودها. وفي الختام، أسأل الله ان يمنحني الصبر والقوة كي اتمكن من مواصلة رحلتي الشاقة.... إنه ولي ذلك والقادر عليه. #حراك_أكتوبر_البداية
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) October 1, 2026
وبحسب عبدالسلام، فوجئ النواب بالدعوة إلى جلسة طارئة من دون معرفة السبب مسبقًا، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام مشروع عاجل لتأجيل قانون كان يفترض أن يبدأ تطبيقه في اليوم التالي.
كما قال عبدالسلام إن نوابًا حضروا الجلسة من دون معرفة ما سيناقشونه صباحًا، ثم عُرض المشروع وصُوّت عليه خلال وقت وجيز، وهو ما ضاعف غضبه من طريقة إدارة الملف.
وفوق ذلك، اعتبر عبدالسلام أن الحكومة وضعت البرلمان في ورطة بعدما أخفقت في تجهيز متطلبات التنفيذ، مشددًا على أن المشكلة ليست في نقص الأموال وحده، بل في الإرادة والقرار والقدرة.
وفي السياق نفسه، قال الدكتور مصطفى جاويش إن النواب استدعوا بصورة عاجلة ثم اتضح أن الهدف هو الموافقة على تأجيل تنفيذ قانون سبق للمجلس نفسه أن وافق عليه قبل ذلك.
صدر أمس قرار من السيسى بدعوة عاجلة لانعقاد مجلس النواب اليوم الخميس دون ابداء جدول الأعمال.. حضر أعضاء مجلس النواب من الاجازة، واتضح لهم أن الهدف هو: الموافقة على تاجيل تنفيذ قانون الإجراءات الجنائية؛ و الذى سبق لهم الموافقة عليه ... إنه #العجب_العجاب https://t.co/5A8AcyczZE
— دكتور مصطفى جاويش (@drmgaweesh) September 30, 2026
وبالنسبة إلى أصحاب هذه المواقف، فإن الصورة تبدو أكثر قسوة عندما يوضع العجز الحكومي في مواجهة أوضاع معتقلي الرأي، لأن نتيجة الفشل الإداري لا تتوقف عند مؤسسة بل تمتد إلى حرية أشخاص.
كما أن المطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي جاءت باعتبارها المخرج الوحيد الذي يمنع المعتقل من دفع ثمن التأجيل، بدل إبقائه رهن منظومة تقول الجهات المسؤولة نفسها إنها غير جاهزة لتطبيق القانون الجديد.
ومن ناحية أخرى، يضع استمرار الحبس طوال سنة التأجيل الحكومة في مواجهة سؤال أخلاقي وسياسي ثقيل طرحه المنتقدون بوضوح: لماذا يتحمل المعتقل وحده ثمن عدم استعداد مؤسسات امتلكت عامًا كاملًا للتحضير؟
وفي المحصلة، تتقاطع مواقف إيرين سعيد وحسين هريدي ورضا عبدالسلام ولمار القاضي وسيف الإسلام عيد وأحمد صابر ومصطفى جاويش عند نتيجة واحدة، هي أن التأجيل لا يمكن فصله عن مصير المحبوسين وانه سلق ليلا ليستمر السيسي في إطفاء حياة المعتقلين وضياع حياتهم بالسجون.
وفي النهاية، يبدو العام المؤجل في عيون أصحاب هذه المواقف عامًا إضافيًا خلف القضبان لمعتقلي الرأي، بينما تحصل الحكومة على مهلة جديدة للتنكيل بالمعتقلين، ويبقى المحبوس هو الطرف الذي لا يملك مهلة ولا تعويضًا.

