يفجر تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية لمدة عام موجة غضب تتجاوز الخلاف التشريعي إلى مصير معتقلي الرأي، بعدما تحولت عدم جاهزية الحكومة إلى مهلة إضافية يدفع ثمنها محبوسون ينتظرون تغييرًا في أوضاعهم.

 

ويضع القرار الحكومة أمام اتهامات بالتنصل من مسؤوليتها تجاه من يقبعون خلف القضبان، إذ يرى نواب ونشطاء أن سنوات التحضير انتهت باعتراف بالعجز، بينما بقي المعتقلون وحدهم مطالبين بانتظار عام آخر.

 

 

الحكومة تؤجل والمعتقلون يدفعون الثمن

 

وفي أولى ردود الفعل، استنكرت النائبة إيرين سعيد التراجع المفاجئ عن تطبيق القانون، متسائلة عن كيفية إعلان عدم الجاهزية بعد سنوات من التحضير والمناقشات التي سبقت الموعد المحدد للتنفيذ.

 

 

 

 

وبالنسبة إلى سعيد، فإن الوصول إلى موعد التطبيق قبل الإعلان عن غياب الجاهزية لا يبدو خللًا عابرًا، بل يضع مسؤولية الاستعداد المسبق كاملة أمام الجهات التي امتلكت الوقت لتوفير المتطلبات اللازمة.

 

وفي الاتجاه نفسه، طالب النائب حسين هريدي بالإفراج الفوري عن سجناء الرأي، معتبرًا أنه من غير المقبول إبقاء المحبوسين خلف القضبان حتى موعد مناقشة القانون وإقراره مرة أخرى العام المقبل.

 

 

 

 

وبحسب هريدي، فإن المعتقلين لا يجوز أن يتحولوا إلى ضحايا لمهلة جديدة حصلت عليها الحكومة بعدما عجزت عن الاستعداد، بينما تستمر أيام الحبس فعليًا ولا يمكن استعادتها لاحقًا.

 

ومن هنا، يصبح التأجيل بالنسبة إلى هؤلاء أبعد كثيرًا من تغيير تاريخ على الورق، لأنه يضيف عامًا كاملًا إلى أزمة قائمة بالفعل ويترك مصير المحبوسين معلّقًا بانتظار جاهزية مؤسسات الدولة.

 

وفي المقابل، لا يطالب أصحاب هذه المواقف بقانون جديد بقدر ما يضعون مسألة التنفيذ في المقدمة، معتبرين أن قيمة النصوص تسقط عندما تبقى ممارسات الحبس والتدوير أقوى من الضمانات المكتوبة.

 

ومن جانبها، قالت لمار القاضي إن الشعب لا يحتاج مزيدًا من القوانين بقدر حاجته إلى تنفيذ واقعي للقوانين الموجودة، وربطت التأجيل مباشرة بطريقة التعامل مع سجناء الرأي داخل منظومة الحبس.

 

 

 

 

وبحسب القاضي، فإن إعادة تدوير المعتقل من قضية إلى أخرى تجعل الإفراج خاضعًا للممارسة أكثر من النص، وهو ما يجعل الحديث عن تشريعات جديدة بلا قيمة إذا استمرت الآليات نفسها.

 

 

عام إضافي يضاعف أزمة السجون

 

وفي شهادة أكثر ارتباطًا بالأثر داخل السجون، حذر الناشط سيف الإسلام عيد من انعكاس التأجيل على المعتقلين، معتبرًا أن الشباب باتوا أمام حالة شديدة من الإحباط وانعدام الأمل في أي انفراجة.

 

 

 

 

وبحسب عيد، فإن إضافة عام جديد قبل بدء تنفيذ القانون لا تمر على المعتقلين باعتبارها خطوة إدارية، وإنما تصل إليهم باعتبارها رسالة بأن انتظار أي تغيير يمكن تمديده مرة أخرى.

 

وفي هذا السياق، يصبح الأثر النفسي للتأجيل جزءًا من الأزمة نفسها، لأن المحبوس الذي ينتظر تغييرًا في القواعد المنظمة للحبس يجد نفسه أمام موعد جديد فرضته مؤسسات لم تُنجز استعداداتها.

 

كما تضع هذه المواقف الحكومة أمام سؤال لا يرتبط بالتكنولوجيا أو الإجراءات بقدر ارتباطه بالإنسان الذي يقضي أيامه داخل السجن، بينما تتحول المهلة الإدارية إلى شهور إضافية من حياته.

 

ومن ناحية أخرى، فإن التركيز على المعتقلين يغيّر معنى التأجيل بالكامل، فالحكومة تحصل على وقت جديد لترتيب أوراقها، بينما لا يحصل المحبوس على يوم واحد يعوضه عن الفترة التي سيقضيها منتظرًا.

 

وفي السياق ذاته، اعتبر أحمد صابر، عضو لجنة الشباب بحزب تكنوقراط مصر، أن إعلان عدم وجود بنية تكنولوجية قادرة على مواكبة القانون يعكس فجوة واسعة بين مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية.

 

 

 

 

كما طرح صابر سؤالًا مباشرًا حول ما إذا كان القانون والدستور يطبقان بالفعل، وهو سؤال يكتسب ثقله من وجود معتقلين ترتبط حرياتهم بمنظومة يفترض أن تحكمها نصوص واضحة وإجراءات منضبطة.

 

ومن ثم، لا يرى أصحاب هذه المواقف أن المشكلة انتهت بتحديد موعد جديد، بل يعتبرون أن التأجيل أعاد فتح ملف أوسع يتعلق بمن يدفع ثمن الفجوة بين التشريع والتنفيذ على الأرض.

 

 

غضب برلماني من عجز الحكومة

 

وفي أكثر المواقف البرلمانية حدة، قال النائب رضا عبدالسلام إن ما جرى كان يستوجب إقالة الحكومة فورًا، معتبرًا أن العجز عن توفير متطلبات تنفيذ قانون صدر منذ أكثر من عام لا يمكن تمريره بسهولة.

 

 

 

 

وبحسب عبدالسلام، فوجئ النواب بالدعوة إلى جلسة طارئة من دون معرفة السبب مسبقًا، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام مشروع عاجل لتأجيل قانون كان يفترض أن يبدأ تطبيقه في اليوم التالي.

 

كما قال عبدالسلام إن نوابًا حضروا الجلسة من دون معرفة ما سيناقشونه صباحًا، ثم عُرض المشروع وصُوّت عليه خلال وقت وجيز، وهو ما ضاعف غضبه من طريقة إدارة الملف.

 

وفوق ذلك، اعتبر عبدالسلام أن الحكومة وضعت البرلمان في ورطة بعدما أخفقت في تجهيز متطلبات التنفيذ، مشددًا على أن المشكلة ليست في نقص الأموال وحده، بل في الإرادة والقرار والقدرة.

 

وفي السياق نفسه، قال الدكتور مصطفى جاويش إن النواب استدعوا بصورة عاجلة ثم اتضح أن الهدف هو الموافقة على تأجيل تنفيذ قانون سبق للمجلس نفسه أن وافق عليه قبل ذلك.

 

 

 

 

وبالنسبة إلى أصحاب هذه المواقف، فإن الصورة تبدو أكثر قسوة عندما يوضع العجز الحكومي في مواجهة أوضاع معتقلي الرأي، لأن نتيجة الفشل الإداري لا تتوقف عند مؤسسة بل تمتد إلى حرية أشخاص.

 

كما أن المطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي جاءت باعتبارها المخرج الوحيد الذي يمنع المعتقل من دفع ثمن التأجيل، بدل إبقائه رهن منظومة تقول الجهات المسؤولة نفسها إنها غير جاهزة لتطبيق القانون الجديد.

 

ومن ناحية أخرى، يضع استمرار الحبس طوال سنة التأجيل الحكومة في مواجهة سؤال أخلاقي وسياسي ثقيل طرحه المنتقدون بوضوح: لماذا يتحمل المعتقل وحده ثمن عدم استعداد مؤسسات امتلكت عامًا كاملًا للتحضير؟

 

وفي المحصلة، تتقاطع مواقف إيرين سعيد وحسين هريدي ورضا عبدالسلام ولمار القاضي وسيف الإسلام عيد وأحمد صابر ومصطفى جاويش عند نتيجة واحدة، هي أن التأجيل لا يمكن فصله عن مصير المحبوسين وانه سلق ليلا ليستمر السيسي في إطفاء حياة المعتقلين وضياع حياتهم بالسجون.

 

وفي النهاية، يبدو العام المؤجل في عيون أصحاب هذه المواقف عامًا إضافيًا خلف القضبان لمعتقلي الرأي، بينما تحصل الحكومة على مهلة جديدة للتنكيل بالمعتقلين، ويبقى المحبوس هو الطرف الذي لا يملك مهلة ولا تعويضًا.