أطلق الخبير الاقتصادي هاني توفيق سبعة تحذيرات للمصريين ربط فيها بين الغلاء والبطالة واحتمالات التعرض للسرقة أو الاحتيال، مقدمًا صورة قاتمة للمخاطر الاجتماعية التي قد ترافق استمرار الضغوط المعيشية.
وتدفع هذه التحذيرات النقاش إلى ما هو أبعد من الأسعار، إذ تطرح سؤالًا حول قدرة الأسر على احتمال موجات الغلاء المتلاحقة، وحدود تأثير تراجع القدرة الشرائية في السلوك الاجتماعي والأمن اليومي للمواطنين.
الغلاء يدفع القلق إلى الشارع
وفي منشوره، دعا توفيق إلى الحذر من المقتنيات الثمينة والمعاملات المالية المفتوحة وترك الهواتف داخل السيارات، محذرًا من أن الأزمات قد تدفع أشخاصًا عاديين إلى سلوكيات لم يعتادوها في الظروف الطبيعية.
وفي الوقت نفسه، ظل التضخم عند مستويات مرتفعة خلال الشهور الأخيرة، بما يعني استمرار زيادة تكلفة الاحتياجات الأساسية على الأسر، حتى مع ظهور فترات محدودة يتباطأ فيها معدل ارتفاع الأسعار.
ومن ناحية أخرى، قفزت أسعار الوقود خلال السنوات الماضية إلى مستويات لم يعرفها المصريون قبل 2013، وأصبح البنزين والسولار عبئًا مباشرًا على تكلفة المواصلات ونقل السلع والإنتاج.
وفوق ذلك، لم تعد زيادات الأجور الحكومية قادرة بمفردها على ملاحقة الارتفاعات المتلاحقة في الأسعار، بينما يعمل ملايين المصريين في القطاع الخاص أو الاقتصاد غير الرسمي بأجور أقل واستقرار وظيفي أضعف.
وبالتالي، تتزايد الضغوط على الأسر حين تتقاطع أسعار الغذاء والطاقة والنقل والسكن مع دخول محدودة، بما يجعل أي زيادة جديدة في الأسعار ضربة إضافية لميزانيات لم تعد تحتمل المزيد.
ومع ذلك، لا تعني تحذيرات توفيق وجود موجة مؤكدة ووشيكة من السطو المسلح، لكنها تعكس مستوى القلق من التداعيات الاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن استمرار تدهور القوة الشرائية.
وفي المقابل، جاءت تعليقات مصريين على تحذيراته محملة بمخاوف أوسع، إذ ربط بعضهم بين ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاجتماعية، محذرين من غضب لا يعرفون الكيفية التي يمكن أن يظهر بها.
ولهذا، ينتقل الحديث من أزمة اقتصادية تتعلق بالأسعار والدخول إلى أزمة ثقة وشعور بالأمان، حين يصبح المواطن مطالبًا بالحذر من هاتفه وسيارته ومقتنياته وحتى بعض معاملاته اليومية.
اقتصاد مضغوط وأمن اجتماعي هش
وفي هذا الإطار، يتحول الغلاء من مجرد مؤشر اقتصادي إلى تجربة يومية قاسية، حين ترتفع تكاليف الطعام والعلاج والمواصلات والطاقة بوتيرة أسرع من قدرة الأسر على زيادة دخولها أو تكوين مدخرات.
كذلك، تحمل أسعار الوقود وزنًا مضاعفًا داخل الأزمة، لأنها تدخل في تكلفة النقل والإنتاج والتوزيع، ولذلك تنعكس أي زيادة جديدة عليها سريعًا على أسعار عشرات السلع والخدمات.
وفي المقابل، يحمّل اقتصاديون معارضون سياسات عبد الفتاح السيسي جانبًا كبيرًا من الضغوط، خاصة التوسع في الاقتراض، وبيع الأصول، والإنفاق على مشروعات يعتبرونها منخفضة الأولوية اقتصاديًا.
ومن جهة أخرى، تضاعفت أعباء خدمة الدين بصورة جعلت فوائد وأقساط الديون بندًا ضخمًا داخل الموازنة، بينما تستمر الحكومة في اللجوء إلى الاقتراض لتغطية العجز والالتزامات المالية المتزايدة.
وبذلك، يجد المواطن نفسه في مواجهة أسعار أعلى وخدمات أكثر تكلفة، بينما يرى منتقدو السياسات الاقتصادية أن الجزء الأكبر من فاتورة الاختيارات الحكومية جرى تحميله للمستهلك والموظف وصاحب المعاش.
وعلى المستوى الاجتماعي، قد يؤدي استمرار هذه الضغوط إلى زيادة التعثر المالي والنزاعات الأسرية والشعور بعدم الأمان، خصوصًا عندما تتحول أبسط الاحتياجات اليومية إلى عبء يحتاج إلى حسابات دقيقة.
وفي جانب آخر، يزيد تآكل قيمة المدخرات من هشاشة الأسر، لأن أي أزمة علاجية أو تعليمية أو سكنية مفاجئة يمكن أن تدفع الأسرة إلى الاستدانة أو التخلي عن احتياجات أساسية.
وبالمثل، أصبحت الفجوة بين الدخول والأسعار أحد أكثر مصادر الغضب وضوحًا، إذ يشعر كثير من المواطنين أن زيادات الرواتب والمعاشات تفقد قيمتها سريعًا أمام موجات الغلاء المتلاحقة.
ومن ثم، فإن تحذيرات توفيق لا تنفصل عن واقع اقتصادي شديد الضغط، لكنه يظل بحاجة إلى بيانات دقيقة عند الحديث عن العلاقة بين الغلاء ومعدلات الجريمة بدل تحويل المخاوف إلى نتائج مؤكدة.
الغضب يتسع والسلطة تتحسب
وفي المجال السياسي، تتزامن الضغوط الاقتصادية مع تضييق مستمر على الاحتجاج والعمل العام، وهو ما يجعل مساحات التعبير المنظمة عن الغضب محدودة مقارنة بحجم الأزمات التي تواجه المصريين يوميًا.
ومع هذا، لا يعني وجود السخط أن البلاد مقبلة حتمًا على اضطرابات واسعة، لكنه يجعل التعامل مع الأسعار والبطالة ومستوى الخدمات مسألة تتجاوز الاقتصاد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وفي الوقت نفسه، تتكرر تحذيرات إعلامية رسمية من النزول إلى الشارع، مع استدعاء مشاهد الفوضى والحروب الإقليمية، وهي لغة يرى معارضون أنها تستهدف تخويف المواطنين من الاحتجاج على أوضاعهم.
وفي المقابل، يطرح منتقدون سؤالًا مختلفًا: لماذا يجري التركيز على تخويف الناس من الاحتجاج بدل معالجة الأسباب التي تنتج الغضب، وفي مقدمتها الغلاء والديون وتراجع القدرة الشرائية؟
ومن ناحية أخرى، يستعيد المصريون مع كل أزمة أمنية أو واقعة اعتداء تُنسب إلى أفراد من الشرطة ذكريات السنوات الأخيرة من حكم حسني مبارك، حين ارتبط الغضب الشعبي أيضًا بانتهاكات وزارة الداخلية.
وفوق ذلك، يعيد الحديث عن غضب الشارع إلى الواجهة تجربة يناير 2011، لكن المقارنة لا تعني تطابق الظروف أو قرب تكرار السيناريو نفسه، لأن السياق السياسي والأمني والاقتصادي تغير بصورة كبيرة.
وبالتالي، تصبح المشكلة الأساسية في اتساع المسافة بين ما تعلنه الحكومة عن مؤشرات الاقتصاد وبين ما يواجهه المواطن من أسعار متزايدة، وأعباء معيشية متصاعدة، وشعور متراجع بالأمان الاقتصادي.
وفي النهاية، لا تحتاج الأزمة إلى توقع موعد للفوضى بقدر ما تحتاج إلى قراءة حجم الضغط الذي تتعرض له الأسر، ومدى قدرة المواطنين على تحمل مزيد من الزيادات في الوقود والغذاء والخدمات.
وأخيرًا، تضع تحذيرات هاني توفيق جرس إنذار أمام المشهد كله، ليس لأنها تثبت أن الجريمة أو الفوضى قادمتان حتمًا، وإنما لأنها تعبر عن خشية متزايدة من الثمن الاجتماعي لاستمرار الأزمة الاقتصادية.

