في التاسع عشر من يوليو، عقد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، محادثات في القاهرة مع وزراء خارجية مصر وإريتريا والصومال، فينا وصف المشاركون في المحادثات بأنها تستهدف تعزيز الأمن في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وجاء ذلك في الوقت الذي تتمسك فيه مصر وإريتريا بأن إدارة البحر الأحمر يجب أن تظل مسؤولية حصرية لدولها المطلة عليه، وهو تحذير مبطن لإثيوبيا، وهي دولة غير ساحلية يبلغ عدد سكانها 140 مليون نسمة ولديها طموحات بحرية متزايدة.
وفي وقت لاحق، في الرابع من أغسطس، نفى بولس التكهنات بأن واشنطن بصدد تشكيل تحالف مناهض لإثيوبيا، مؤكدًا سعيها لإقامة علاقات ودية مع جميع دول المنطقة.
تحقيق التوازن في المنطقة
وقالت "منصة ريسبونسبل ستيت كرافت" الأمريكية، إن هذا النفي يشير إلى محاولة واشنطن الدقيقة لتحقيق التوازن في منطقة تشهد انقسامات متزايدة.
وأضافت، أنه بعد أيام قليلة من المحادثات في القاهرة، أعلنت واشنطن عن اهتمامها بالسعي إلى مشاركة أعمق من قبل المزيد من الشركات الأمريكية في مطار بيشوفتو الدولي المخطط له بتكلفة 12.5 مليار دولار بالقرب من العاصمة أديس أبابا.
وتابعت: "قد لا تكون الولايات المتحدة تُفضّل القاهرة على أديس أبابا عن قصد، أو العكس. ولكن في غياب استراتيجية متماسكة، فإنها تتبنى نهجًا عشوائيًا في معالجة قضايا شائكة مثل النزاع المصري الإثيوبي حول النيل، ومسألة الوصول إلى البحر الأحمر، ومهمة الاتحاد الأفريقي الأمنية في الصومال".
ورأت أن "هذا يُنذر بتعزيز التحالفات التي تحاول واشنطن النأي بنفسها عنها".
الأهداف الاستراتيجية الأمريكية
وقال كاميرون هدسون، وهو مسؤول أمريكي سابق عمل في شؤون أفريقيا في وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي: "أعتقد أن واشنطن تعتقد أنها تستطيع الحصول على كل شيء: يمكنها تعزيز أهدافها الاستراتيجية في المنطقة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والمعادن الحيوية والأمن البحري والدبلوماسية التجارية، بينما تدير من خلال الجهل المنافسة الإقليمية المتقلبة بشكل متزايد".
ويكمن جوهر النزاع في سد النهضة الإثيوبي. فعلى الرغم من احتجاجات القاهرة منذ بدء العمل في السد عام 2011، فقد تم افتتاحه في سبتمبر 2025، وهو الآن أكبر سد كهرومائي في أفريقيا.
وقالت المنصة إن مشروع الخمسة مليارات دولار لا يزال مثيرًا للجدل. وقد تحوّل الاهتمام اليوم إلى كيفية إدارة إثيوبيا لتدفقات المياه إلى السودان ومصر في اتجاه مجرى النهر، لا سيما خلال فترات الجفاف، وما إذا كانت أي التزامات ستكون ملزمة.
وفي يناير، أبلغ ترامب (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي بأنه مستعد لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، داعيًا إثيوبيا على الالتزام بتصريف مياه قابل للتنبؤ به خلال فترات الجفاف.
لكنّ التقرير قال إن الكلام وحده قد لا يُجدي نفعًا، فخلال ولاية ترامب الأولى، علّقت الولايات المتحدة بعض المساعدات لإثيوبيا بعد رفض أديس أبابا التوقيع على اتفاقية مقترحة بوساطة أمريكية. وألمح ترامب لاحقًا إلى أن مصر قد "تُفجّر" السدّ.
شكوك إثيوبية في الدوافع الأمريكية
وقال ديفيد شين، السفير الأمريكي السابق لدى إثيوبيا والأستاذ المساعد في جامعة جورج واشنطن، لمجلة "رولينج ستون": "بالنظر إلى دعم ترامب السابق لمصر، فإن إثيوبيا تشك في الدوافع الأمريكية".
وأضاف: "إنّ تواصل الولايات المتحدة مع المسؤولين الإريتريين في القاهرة سيزيد من مخاوف إثيوبيا".
ووصف التقرير هذا التواصل بأنه كان لافتًا للنظر، نظرًا للعلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وإريتريا على مدى عقود، ولأنه جاء وسط تصاعد التوترات بين البلدين.
ورأى أن حذر أديس أبابا تجاه واشنطن سيزيد من تعقيد أي جهود أمريكية لتخفيف حدة التنافس بين مصر وإثيوبيا، والذي امتد الآن إلى البحر الأحمر.
موقف مصر من محاولة إثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر
إلى جانب إريتريا، سعت مصر إلى كبح جماح طموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر. في يناير 2024، وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع السلطات الحاكمة في أرض الصومال، وهي منطقة انفصالية عن الصومال لا تعترف باستقلالها سوى إسرائيل .
ونصّ الاتفاق على منح إثيوبيا عقد إيجار لمدة 50 عامًا لشريط ساحلي بطول 12 ميلًا قرب خليج عدن، مقابل الاعتراف النهائي بأرض الصومال كدولة مستقلة. ردّت مصر بتقديم أسلحة وقوات للصومال، مؤكدةً دعمها لوحدة أراضي الصومال.
وأشار التقرير إلى أنه وسط تزايد الضغوط الإقليمية والدولية على أديس أبابا، ساعدت الوساطة التركية في أواخر عام 2024 على استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وإثيوبيا، مما أدى فعليًا إلى تهميش مذكرة التفاهم.
لكن إثيوبيا لا تزال مصممة على الوصول إلى البحر الأحمر، وهو ما وصفه رئيس الوزراء آبي أحمد بأنه ضرورة اقتصادية وجودية.
https://responsiblestatecraft.org/egypt-ethiopia-tensions/

