ليس في الدنيا داءٌ إلا جعل الله له دواء، ولا كربٌ إلا وله فرج، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ما أنزل داءً إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله، فإذا وافق الدواء الداء حصل الشفاء بإذن الله. ويشمل ذلك أمراض الأجساد واضطرابات النفوس وآلام الأفراد والمجتمعات، فالله سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وما يصيب الإنسان من اكتئاب أو قلق أو حزن ليس دليلًا على ضعف إيمانه، ولا حالة نادرة تستوجب الخجل، بل ابتلاء يحتاج إلى علاج وصبر واستعانة بالله، مع الأخذ بالأسباب الطبية والنفسية النافعة. ويقوم طريق التعافي على معرفة العلاج المناسب، والالتزام به، وقبول النفس له، والصبر على نتائجه، والثقة بالله ثم بأهل الخبرة والاختصاص.
الشفاء سنة ربانية
يعيش الإنسان المعاصر وسط تقدم علمي وتقني هائل، لكنه كثيرًا ما يعجز عن تحقيق السكينة في داخله، حتى وُصف عصرنا بأنه عصر القلق والاكتئاب واليأس. وقد يصعد الإنسان إلى القمر، لكنه يظل عاجزًا عن إسعاد نفسه على الأرض إذا فقد الإيمان والمعنى والطمأنينة.
والمؤمن ليس بمنأى عن الحزن أو الاضطراب النفسي، لكنه يملك زادًا يعينه على مواجهته، ويعرف أن الابتلاء ليس نهاية الطريق، وأن أبواب الرحمة لا تُغلق، وأن الأخذ بالعلاج لا يناقض التوكل، بل هو من تمامه.
ولكي ينتفع المريض بعلاجه، لا بد أن يبحث عن الدواء المناسب، ويلتزم به وفق مقداره ووقته وطريقته، ويهيئ نفسه لقبوله، ويصبر عليه دون استعجال، ويثق بخبرة من يعالجه، راجيًا الشفاء من الله تعالى.
الاعتصام بالله
أول طريق النجاة أن يعتصم الإنسان بالله، ويلجأ إليه، ويحسن الظن به، ويوقن أنه سبحانه أرحم به من نفسه ومن والديه، وأنه لن يضيعه ما دام صادقًا في طلبه، آخذًا بالأسباب، راجيًا رحمته.
قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} يوسف: 87.
وقال سبحانه: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} الحجر: 56.
فالله سبحانه لا يستعصي عليه مرض، ولا يعجزه كرب مادي أو معنوي؛ كم من مريض شفاه، وفقير أغناه، وسائل أعطاه، ومشرف على الهلاك نجاه، وضال هداه، ومشرد آواه، وضعيف قواه، ومبتلى عافاه.
والثقة بالله ليست كلمة تُقال باللسان فقط، بل يقين يسكن القلب، وعمل يأخذ بالأسباب، ودعاء لا ينقطع، وصبر لا يستسلم. ومن صدق في طرق باب الله، ولجأ إليه لجوء المضطر، وجد رحمته أقرب إليه من كل قريب.
نماذج من فرج الله
اشتد الحزن بيعقوب عليه السلام لفراق أبنائه، فلم يشكُ الله إلى خلقه، وإنما قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} يوسف: 86.
وقال أيضًا: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} يوسف: 83.
فكشف الله غمته، ورد إليه أبناءه، وجمع شمله بعد سنوات من الفراق والحزن، ليبقى الصبر الجميل شاهدًا على أن تأخر الفرج لا يعني غيابه.
واشتد المرض بأيوب عليه السلام، فنادى ربه بأدب العبودية والافتقار، فقال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} الأنبياء: 83-84.
ونادى يونس عليه السلام ربه وهو في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت، فقال تعالى: {أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} الأنبياء: 87-88.
ودعا زكريا عليه السلام ربه وقد بلغ من الكبر عتيًا، فقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الأنبياء: 89-90.
وحين أُلقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، فأمر الله النار بقوله: {كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} الأنبياء: 69.
ونصر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم حين أخرجه قومه من أحب البلاد إليه، فقال سبحانه: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة: 40.
فأشد ساعات الليل ظلمة هي الساعات التي تسبق انبلاج الفجر، وسنة الله أن يجعل بعد العسر يسرًا، وبعد الضيق فرجًا:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
الصلاة سكينة للقلوب
من أعظم ما يلجأ إليه المسلم عند الشدة والكرب الصلاة؛ ففيها يقف بين يدي ربه متضرعًا، فتمنحه قوة الروح وطمأنينة القلب، وتمدّه بزاد يعينه على مواجهة ابتلاءات الحياة.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة: 153.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. فعلى المسلم أن يسبغ وضوءه، ويتم ركوعه وسجوده، ويجتهد في الخشوع، ويستحضر عظمة الله ومعيته، ويردد بقلب حاضر: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
وعليه أن يغتنم السجود فيبث إلى الله خوفه وحزنه وحاجته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
خدمة الناس باب للعافية
من الوسائل المعينة على الخروج من دائرة الحزن والوحدة الاجتهاد في نفع الناس، ولا سيما الفقراء واليتامى والأرامل وذوي الإعاقة وأصحاب الحاجات، وتفريج كرب المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ومسح دموع المحزونين.
فخدمة الناس عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا».
كما أن نفع الآخرين يخرج الإنسان من سجن العزلة، ويشعره بقيمته وقدرته على التأثير، ويصرفه عن الدوران المستمر حول آلامه، ويفتح أمامه أبواب التواصل والمحبة والأمل.
ويكسب المحسن محبة الضعفاء ودعاءهم الصادق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم».
أدعية الكرب والحزن
جاءت السنة النبوية بأذكار وأدعية تصل قلب المهموم بربه، وتمنحه الطمأنينة والرجاء، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عند الكرب: «لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض، رب العرش الكريم».
وفي جامع الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث».
وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت».
وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب، أو في الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئًا».
وجاء في رواية أنها تقال سبع مرات.
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحًا».
وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له».
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرّج الله عنه: كلمة أخي يونس».
وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فرأى رجلًا من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة، ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة».
فقال أبو أمامة: هموم لزمتني وديون يا رسول الله.
فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك».
قال: بلى يا رسول الله.
فقال صلى الله عليه وسلم: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال».
قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله عز وجل همي، وقضى عني ديني.
شروط الانتفاع بالدعاء
أول هذه الشروط إخلاص الدعاء لله وحده، فلا يتعلق القلب بنبي أو ولي أو مخلوق، وإنما يتوجه إلى الله سبحانه، عالمًا أن الخلق لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا إلا بإذنه.
وقد أخبر القرآن أن المشركين أنفسهم كانوا إذا أحاطت بهم الشدائد عادوا إلى فطرتهم ودعوا الله مخلصين، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} يونس: 22-23.
والشرط الثاني أن يدعو المسلم وهو موقن بأن الله يسمعه ويعلم حاله ويملك كشف ضره، فلا يدعو على سبيل التجربة والشك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة».
وقال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60.
وقال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} البقرة: 186.
والشرط الثالث الاستمرار في الدعاء، والتلذذ بمناجاة الله، وعدم جعل تأخر النتيجة سببًا لترك العبادة. فبعض الأدوية لا يظهر أثرها إلا بعد مدة، وكذلك قد يؤخر الله الإجابة لحكمة، أو يدفع بالدعاء شرًا، أو يدخر لصاحبه خيرًا.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من استعجال الإجابة، فقال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي».
فلا تستحسر، ولا تترك الدعاء، ولا تظن أن تأخر الفرج يعني أن الله ردك، بل واصل التضرع، وأحسن الظن بربك، وخذ بالأسباب، وانتظر تدبير الله في الوقت الذي يختاره لك.
الإيمان والعلاج المتخصص
الدعاء والصلاة والذكر وخدمة الناس أسباب عظيمة للسكينة، لكنها لا تمنع الاستعانة بطبيب نفسي أو معالج مؤهل عند استمرار الاكتئاب أو تعطله للحياة اليومية. والتداوي من الأخذ بالأسباب التي أرشد إليها الإسلام، ولا يدل على ضعف الإيمان.
فإذا بلغت المعاناة حد التفكير في إيذاء النفس أو تمني الموت، وجب طلب المساعدة العاجلة من شخص موثوق وطبيب مختص أو جهة طوارئ، وعدم البقاء منفردًا؛ فحفظ النفس عبادة، وطلب العلاج شجاعة، ورحمة الله أوسع من الألم كله.

