تتسع في واشنطن دائرة الأسئلة حول العلاقة بين المصالح التجارية الخاصة وصناعة القرار الخارجي، بعد ظهور تفاصيل صفقة إماراتية ضخمة مع مشروع للعملات المشفرة مرتبط بعائلة دونالد ترامب قبل عودته إلى البيت الأبيض.

 

وتضع الوثائق والسجلات البرلمانية أمام الأمريكيين ملفًا يتجاوز الاستثمار التجاري التقليدي، إذ ربط مشرعون بين تدفقات مالية كبيرة من جهة مدعومة من أبوظبي وبين قرارات لاحقة تتعلق بتكنولوجيا أمريكية شديدة الحساسية.

 

 

صفقة أبوظبي تفتح باب الشبهات

 

ففي يناير 2025، وقبل أيام من بدء الولاية الجديدة، أبرمت جهة مدعومة من الشيخ طحنون بن زايد صفقة بقيمة 500 مليون دولار للحصول على حصة كبيرة في شركة وورلد ليبرتي فايننشال.

 

وبحسب السجلات التي استند إليها أعضاء في مجلس الشيوخ، دُفع نصف قيمة الصفقة مقدمًا، بينما اتجه نحو 187 مليون دولار إلى كيانات مرتبطة بعائلة ترامب ضمن الترتيبات المالية الخاصة بالاستثمار.

 

كما ذهبت دفعة لا تقل عن 31 مليون دولار إلى جهات مرتبطة بعائلة ستيف ويتكوف، الشريك المؤسس في المشروع والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، وفق ما ورد في السجلات البرلمانية المنشورة.

 

وفي المقابل، لا تسند السجلات الرسمية التي راجعتها نسبة دفعة الـ31 مليون دولار إلى مسعد بولس، رغم تداول هذا الربط لاحقًا في مواد ومنشورات أعادت عرض خطاب السيناتور كريس ميرفي.

 

ومن ثم، فإن إدخال بولس باعتباره متلقيًا لهذه الأموال يخلط بين شخصيتين تعملان داخل الدائرة الخارجية لترامب، بينما الاسم الوارد صراحة في المصادر التي فصلت الدفعة هو ويتكوف وعائلته وليس بولس.

 

وبالتوازي، صعّد أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ من لهجتهم، معتبرين أن ترتيب الاستثمار وتوقيته يثيران أسئلة مباشرة بشأن تضارب المصالح واحتمال تأثير المال الأجنبي في قرارات تخص الأمن القومي.

 

وفي فبراير 2026، وصف كريس ميرفي الوقائع من منصة مجلس الشيوخ بأنها تتضمن ما سماه عناصر رشوة محتملة، لكنه قدم ذلك كاتهام سياسي وقانوني يستدعي التحقيق وليس كحكم قضائي نهائي.

 

كذلك تحرك أعضاء بلجان العلاقات الخارجية والمصارف للمطالبة بمزيد من التحقيق والشفافية، مؤكدين أن الصفقات المرتبطة بمصالح خاصة لا يمكن فصلها بسهولة عن القرارات الحكومية التي استفادت منها أبوظبي لاحقًا.

 

 

رقائق الذكاء الاصطناعي في القلب

 

فبعد الصفقة، اتجهت واشنطن إلى السماح بوصول الإمارات إلى رقائق ذكاء اصطناعي أمريكية متقدمة، وهي خطوة كانت تواجه سابقًا اعتراضات أمنية بسبب مخاوف من انتقال التكنولوجيا الحساسة إلى الصين.

 

وبحسب تقرير صادر عن الأقلية في لجنة المصارف بمجلس الشيوخ في يونيو 2026، اتخذت الإدارة ما لا يقل عن عشرة إجراءات قال معدوه إنها أفادت الإمارات بعد استثمارات مرتبطة بمشروع العائلة.

 

كما ركز المشرعون على شركة G42 الإماراتية وعلاقتها بالشيخ طحنون، في ظل تحذيرات أمريكية سابقة من صلات تكنولوجية وتجارية بالصين واحتمالات وصول تقنيات متقدمة إلى جهات غير مرغوب فيها.

 

وفي هذا السياق، قدم أعضاء في مجلس الشيوخ مشروع قرار يطالب بالتراجع عن السماح بتصدير الرقائق المتقدمة للإمارات، وربطوا صراحة بين القرار والصفقة السرية البالغة قيمتها نصف مليار دولار.

 

ومن جانب آخر، قال ترامب إنه لم يكن على علم بصفقة الـ500 مليون دولار، موضحًا أن أبناءه يتولون إدارة المشروع، بينما قالت جهات في البيت الأبيض إنه بعيد عن الإدارة اليومية لمصالحه التجارية.

 

ومع ذلك، يرى المشرعون المنتقدون أن الفصل الإداري لا ينهي تضارب المصالح المحتمل ما دامت العائلة تستفيد ماليًا من استثمارات أجنبية، بالتزامن مع قرارات حكومية تمس مباشرة مصالح المستثمرين أنفسهم.

 

ولذلك انتقلت القضية من سؤال أخلاقي إلى مطالبة برقابة مؤسسية، إذ دعا أعضاء في لجان متعددة إلى جلسات استماع وتحقيقات تحدد ما إذا كانت الاستثمارات أثرت فعلًا في صناعة القرار.

 

 

سوابق النفوذ تعود إلى الواجهة

 

وفي استعادة لملفات أقدم، أعادت القضية إلى الأذهان الجدل الذي أحاط بالمبعوث الأممي السابق إلى ليبيا برناردينو ليون بعد تفاوضه على وظيفة رفيعة في مؤسسة دبلوماسية إماراتية أثناء مهمته الدولية.

 

وحينذاك، أثارت المراسلات المسربة اعتراضات على حياد الوساطة الأممية، خصوصًا مع دعم أبوظبي أحد أطراف النزاع الليبي، بينما دافع ليون عن نفسه وقال إن عمله ومقترحاته ظلت منصفة.

 

وبالمقارنة، لا تعني تلك السابقة تطابق الحالتين قانونيًا، لكنها توضح سبب الحساسية المتزايدة تجاه أي تداخل بين أموال حكومات أجنبية وأدوار رسمية أو شبه رسمية في ملفات استراتيجية.

 

وفوق ذلك، استخدمت شركة MGX المرتبطة بالشيخ طحنون عملة مستقرة صادرة عن وورلد ليبرتي لتسوية استثمار بقيمة ملياري دولار في منصة باينانس، ما رفع أهمية المنتج ماليًا بصورة كبيرة.

 

ومن ناحية أخرى، تعرض الوثائق المتاحة اتهامات ودعوات للتحقيق بشأن احتمال الرشوة وتضارب المصالح، ولا تعرض حكمًا قضائيًا نهائيًا يثبت وقوع الجريمة، وهو فارق جوهري بين المساءلة السياسية والإدانة الجنائية.

 

لكن استمرار الدعوات البرلمانية للتحقيق يعني أن الملف لم يعد مجرد سجال سياسي عابر، بل أصبح موضوعًا موثقًا في السجل البرلماني وتقارير اللجان ومشروعات قرارات تطرح أسئلة محددة حول المال والنفوذ.

 

وفي الوقت نفسه، يواصل مسعد بولس أداء مهامه المتعلقة بالشرق الأوسط وأفريقيا، وقد استقبلته قيادات إماراتية في أبوظبي خلال سبتمبر 2026، من دون أن تقدم تلك اللقاءات بحد ذاتها دليلًا على صلته بالدفعة المتنازع عليها.

 

ولهذا فإن الزاوية الأدق لا تتمثل في الجزم بأن واشنطن تتعقب بولس بتهمة الرشوة، وإنما في أن الكونغرس يضغط لفحص شبكة مصالح مالية إماراتية طالت دائرة ترامب وويتكوف وقرارات حساسة.

 

وفي النهاية، سيظل الحسم مرهونًا بما تنتجه التحقيقات والوثائق وأي إجراءات قضائية لاحقة، بينما تبقى الأرقام المنشورة كافية لفرض سؤال مركزي حول حدود الفصل بين المصالح الخاصة والقرار العام في واشنطن.