طالب الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي بجامعة عين شمس، وزارة التربية والتعليم بتأجيل الدراسة في المدارس المصرية 7 أيام، من 12 إلى 19 سبتمبر 2026، لضمان استعداد أفضل للطلاب والمعلمين والأسر.
ويكشف الجدل حول الموعد كيف تدار حياة ملايين الأسر بقرار مركزي يتجاهل الحر الشديد وضيق الدخول وتراكم المصروفات، بينما تتحول المدرسة إلى ساحة لتجريب قرارات متعجلة يدفع الطلاب والمعلمون ثمن ارتباكها.
وفيما تتصاعد المطالبات بالتأجيل، تتمسك الوزارة ببدء العام الدراسي يوم السبت 12 سبتمبر في المدارس الحكومية والرسمية والخاصة ومدارس المتفوقين والمدارس المصرية اليابانية بالمحافظات التي لا تطبق إجازة السبت.
أيام أكثر وجودة أقل
يستند شوقي في مطالبته إلى أن زيادة أيام الدراسة لا تضمن تلقائيًا تعليمًا أفضل، لأن القيمة الحقيقية لليوم الدراسي تتحدد بما يقدمه داخل الفصل، لا بمجرد إضافته إلى الخريطة الزمنية الرسمية.
أولًا، يرى الخبير التربوي أن الموعد المعتاد لبدء الدراسة ظل لسنوات مرتبطًا بالسبت الثالث من سبتمبر، ولذلك فإن تقديمه إلى الأسبوع الثاني يحتاج إلى مبررات تعليمية واضحة تتجاوز الرغبة في زيادة الأيام.
كذلك، يؤكد أن استنزاف وقت المعلمين في الإجراءات الإدارية وكثرة التقييمات والمهام المتكررة يقلل الساعات المتاحة للشرح والمتابعة، ما يجعل إصلاح استخدام اليوم الدراسي أكثر أهمية من تمديد العام بصورة شكلية.
ويرى شوقي أن الوزارة تستطيع تعويض الأسبوع المقترح عبر تخفيف الأعباء المكتبية، وتنظيم التقييمات، وتحسين توزيع الحصص، بما يمنح المعلم فرصة للتركيز على الشرح ويتيح للطالب وقتًا أكثر للفهم والتطبيق داخل الفصل.
وبدلًا من معالجة ضعف البيئة التعليمية، تبدو زيادة أيام الحضور حلًا حسابيًا سهلًا لأزمة مركبة، إذ لا تضمن الفصول المزدحمة والتجهيزات المحدودة والإدارة المثقلة أن يتحول اليوم الإضافي إلى تعلم حقيقي.
ومن جانبه، يشدد الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة عين شمس، على أن جودة التعليم تتطلب منظومة متكاملة، يكون المعلم المدرب والمناهج الملائمة وطرق التدريس الفعالة عناصر أساسية فيها.
ويذهب رأي شحاتة إلى أن تطوير التعليم لا يتحقق بتغيير المواعيد وحدها، لأن نجاح أي خطة يظل مرتبطًا بقدرة المدارس على تنفيذها، وتوافر المعلمين المؤهلين، وتحويل المناهج من أوراق رسمية إلى تعلم فعلي.
ووفقًا لهذا المنظور، يصبح السؤال الحقيقي متعلقًا بما إذا كانت الوزارة قد استكملت التجهيز والتدريب والتوزيع قبل 12 سبتمبر، لا بعدد الأيام التي تستطيع إضافتها إلى عام دراسي يعاني أصلًا من اختلالات مزمنة.
الحرارة وكلفة الاستعداد
تتصدر درجات الحرارة المرتفعة أسباب المطالبة بالتأجيل، إذ يحذر شوقي من أن الأسبوع الثاني من سبتمبر قد يشهد طقسًا يؤثر في تركيز الطلاب وأداء المعلمين، خصوصًا داخل المدارس محدودة التهوية والتبريد.
ويؤكد هذا التحذير أن تحديد موعد الدراسة لا ينبغي أن ينفصل عن الظروف الفعلية داخل الفصول، لأن الطالب الذي يجلس وسط الحرارة والكثافة المرتفعة لن يستفيد من يوم دراسي مبكر تفتقد بيئته الراحة.
وبالنسبة للمعلمين، تعني البداية المبكرة العودة إلى فصول مرهقة قبل اكتمال الاستعدادات، مع تحمل أعباء الشرح والتقييم والإدارة في وقت واحد، وهو ما قد ينعكس على جودة الأداء منذ الأسبوع الأول.
وإلى جانب الاعتبارات المناخية، يمنح التأجيل الأسر أسبوعًا إضافيًا لتوفير الكتب والأدوات والملابس والمصروفات ووسائل الانتقال، وهي التزامات أصبحت تمثل عبئًا ثقيلًا مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ثم إن التعامل مع هذا الأسبوع باعتباره عطلة زائدة يتجاهل الواقع الإنساني لبيوت تحاول تدبير احتياجات عدة أبناء من دخول محدودة، بينما تفرض القرارات الرسمية موعدًا واحدًا لا يراعي تفاوت الظروف.
ويشير شوقي إلى أن بدء المدارس يوم 19 سبتمبر يحقق التزامن مع الجامعات، بما يمنح الأسر قدرًا أكبر من التنظيم، ويعيد البداية إلى الموعد المعتاد بدل فرض جدول مبكر يربك الاستعدادات.
ومن زاوية تربوية، يرى الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، أن المعلم يمثل مفتاح نجاح أي تطوير، وأن تدريس المناهج المتقدمة يحتاج إلى معلمين جرى إعدادهم وتأهيلهم لاستيعاب فلسفتها وآليات تطبيقها.
ويضيف هذا الرأي بعدًا مهمًا إلى مطالب التأجيل، فالأسبوع الإضافي يمكن توظيفه في التدريب وتوزيع الأدلة وتوضيح التكليفات، بدل إدخال المعلمين إلى الفصول بمناهج جديدة ثم مطالبتهم بفهمها أثناء التنفيذ.
وعلى المستوى الإنساني، لا تبدو مطالبة الأسر بمهلة إضافية ترفًا، بل استجابة لضغط اقتصادي وتعليمي متزامن، كان يفترض أن يدفع الوزارة إلى التشاور قبل تثبيت موعد يمس ملايين الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.
البكالوريا أمام اختبار الجاهزية
يتمسك شوقي بأن تأخر إعلان مناهج البكالوريا إلى الأسبوع الأخير من أغسطس يبرر التأجيل، لأن الفترة الفاصلة حتى 12 سبتمبر قد لا تكفي لقراءة المناهج وفهمها والاستعداد لتدريسها بصورة سليمة.
غير أن الأزمة لا تقتصر على وصول الكتب، إذ تحتاج المدارس إلى تنظيم اختيار الطلاب بين المسارات، وإعادة توزيعهم على الفصول، وتحديد المعلمين والجداول، وشرح النظام الجديد للأسر قبل بدء الدراسة.
علاوة على ذلك، يوضح الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن اختيار مسار البكالوريا قرار يرتبط بمستقبل الطالب، ويجب أن يقوم على دراسة القدرات والميول والفرص التعليمية والمهنية.
وبناءً على ذلك، فإن دفع الطلاب إلى اختيار مساراتهم خلال وقت ضيق قد يحول القرار المصيري إلى إجراء إداري متعجل، بدل أن يكون اختيارًا واعيًا تسبقه معرفة بالمواد والكليات ومتطلبات كل اتجاه.
وفي السياق نفسه، يشدد حجازي على أهمية استشارة المعلمين والخبراء وأولياء الأمور قبل حسم المسار، وهو ما يتطلب وقتًا للتوعية والحوار، لا مجرد توزيع استمارات داخل مدارس تستعد تحت ضغط البداية المبكرة.
وفي تقدير الخبراء الثلاثة، لا تقاس الجاهزية بإعلان الوزارة أن الأبواب ستفتح في 12 سبتمبر، وإنما بقدرة الطالب على التعلم، والمعلم على الشرح، والمدرسة على تنفيذ النظام دون فوضى أو تجريب.
وأخيرًا، يضع تمسك الوزارة بالموعد الرسمي مسؤولية مباشرة عليها عن نتائج البداية، لأن تجاهل التحذيرات المناخية والتنظيمية والاقتصادية يعني تقديم أسبوع شكلي على سلامة الطلاب واستعداد المعلمين وحق الأسر في تعليم مستقر.

