كشفت معاينات مواطنين خصصت لهم وزارة الإسكان وحدات في 5 عمارات بحي الكوثر ضمن مشروع 607 عمارة بحدائق أكتوبر عن شروخ وتصدعات وسقوط أجزاء من المحارة، ما أثار مخاوف جدية بشأن سلامة الأسر.
ويفضح تخصيص شقق لمحدودي الدخل قبل حسم سلامتها كيف تتحول وعود الاستقرار إلى مخاطرة تفرضها مؤسسات لا تقدم تقريرا شفافا، بينما تتحمل الأسر المنتظرة منذ سنوات كلفة الإيجار والانتظار والخوف من السكن داخل مبان مشكوك في سلامتها.
شروخ تسبق تسليم الوحدات
وبحسب السكان، ظهرت العيوب في العمارات أرقام 61 و56 و196 و315 و533 عند تحرير محاضر المعاينة والاستلام، ولم تكن ملاحظات شكلية عابرة، إذ قالوا إن بعض الشقوق يتسع وإن أجزاء من المحارة سقطت بالفعل.
وفي المقابل، لم يتلق المتضررون وفق روايتهم تفسيرا رسميا يحدد منشأ الشروخ أو يفرق بين عيوب التشطيبات والتصدعات الإنشائية، رغم أن هذا التمييز لا يصنعه موظف التسليم ولا يمكن حسمه بالمعاينة البصرية وحدها.
ومع ذلك، يكتسب ظهور شقوق داخل شقق بالطابق الأرضي حساسية خاصة لدى السكان، لأنهم يخشون اتصالها بعناصر المبنى أو الأساسات، غير أن تقدير خطورتها يظل مستحيلا من الصور والشكاوى دون اختبارات هندسية موثقة.
وبالتوازي، يطالب الأهالي بلجنة مستقلة تضم متخصصين في الإنشاءات والتربة ومواد البناء، تفحص العناصر الخرسانية والأساسات ومسارات الصرف، وتقيس اتساع الشروخ وتراقب تطورها، ثم تنشر نتائجها بدلا من الاكتفاء بوعود شفوية مهدئة.
ومن جهة أخرى، شرح المهندس محمد نواف جمعة في ندوة متخصصة بنقابة المهندسين أسباب شروخ المباني وطرق علاجها، وهو ما يؤكد أن الإصلاح المسؤول يبدأ بتشخيص السبب وتصنيف الشرخ قبل اختيار مادة المعالجة.
وإزاء ذلك، فإن طلاء الجدران أو سد الفواصل قبل اكتمال الفحص قد يخفي العلامات مؤقتا ولا يقدم ضمانا إنشائيا، لذلك ينبغي توثيق كل شرخ بالصور والقياسات والتواريخ وإعادة رصده خلال مدة تحددها اللجنة المختصة.
وعلى صعيد المسؤولية، لا يكفي أن تطلب الجهة المالكة من الحاجزين توقيع محاضر المعاينة، بل يتعين إثبات تحفظاتهم كتابيا وعدم الضغط عليهم للاستلام، مع تسليم كل أسرة نسخة رسمية تحفظ حقها في الاعتراض والتعويض.
وفي هذا السياق، يصبح وقف تسليم الوحدات المتضررة إجراء احترازيا لازما حتى صدور تقرير هندسي معلن، لأن نقل الأسر إلى مبان لم تحسم سلامتها يحول المواطن من مستفيد بالإسكان المدعوم إلى طرف يختبر جودة التنفيذ بحياته.
فحص مستقل قبل الإشغال
وبدوره، أكد الدكتور محمد مسعود السعداوي، رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، أن المركز يراجع أكواد البناء بصورة مستمرة، بما يبرز أن السلامة تقاس بالاختبارات والاشتراطات الفنية لا بتقديرات إدارية تستهدف إغلاق ملفات التسليم.
وعمليا، يجب أن تشمل المعاينة مراجعة الرسومات والتقارير الجيوتقنية ونتائج اختبارات الخرسانة وسجلات الإشراف والاستلام الابتدائي، ومقارنة المنفذ بالمواصفات، ثم تحديد ما إذا كانت العيوب سطحية أو مرتبطة بهبوط أو حركة إنشائية.
وفنيا، لا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن العمارات معرضة للانهيار، كما لا تسمح بنفي الخطر، وهذه الفجوة تحديدا تلزم جهاز حدائق أكتوبر بإعلان تقرير موقع من استشاريين يتحملون مسؤولية رأيهم أمام السكان والجهات الرقابية.
وبناء عليه، ينبغي أن يتضمن التقرير وصف كل عيب وموقعه واتجاهه وعرضه وعمقه، ونتائج أجهزة القياس والاختبارات غير المتلفة، وأسباب الضرر، وخطة العلاج ومدته، والجهة المنفذة، وآلية التحقق بعد الإصلاح قبل أي استلام.
ومن الناحية الحقوقية، يضع تخصيص وحدة معيبة الأسرة أمام خيارين قاسيين، إما قبول سكن تخشاه بعد سنوات الانتظار، أو رفضه مع احتمال العودة إلى طابور غير معلوم، ولذلك يصبح البديل المكافئ استحقاقا لا منحة استثنائية.
كذلك، يتعين إعلان أسماء المقاول والاستشاري وجهة الإشراف ومحاضر استلام الأعمال دون حجب، لأن المال العام لا يعفي من المساءلة، ولأن معرفة سلسلة المسؤولية ضرورية لتحديد من أجاز التنفيذ ومن اعتمد الجودة ومن يتحمل الإصلاح.
وعند ثبوت قصور في التنفيذ، يجب ألا تمول الخزانة تكلفة العيوب مرتين، بل تفعل ضمانات الأعمال ومسؤوليات المقاول والاستشاري، مع مساءلة من وقع محاضر القبول، وتعويض المتضررين عن التأخير والنفقات التي ترتبت على التخصيص المعيب.
وبينما ينتظر السكان ردا واضحا، يظل غياب جدول زمني للمعاينة والإصلاح أو الاستبدال مصدرا إضافيا للقلق، فالشفافية لا تعني بيان علاقات عامة مقتضبا، بل مواعيد محددة ونتائج قابلة للمراجعة ومسؤولا معروفا يتلقى الاعتراضات.
حي بلا خدمات مكتملة
أما الدكتور المهندس حسين جمعة، مؤسس جمعية الحفاظ على الثروة العقارية، فيضع تقييم المباني وإدارة صيانتها ضمن صميم الهندسة العقارية، وهي رؤية تجعل الفحص الدوري والتوثيق مسؤولية ممتدة لا حملة مؤقتة عقب انتشار الشكاوى.
وفوق ذلك، لا تقف أزمة حي الكوثر عند الشروخ، إذ يقول السكان إن المنطقة تعاني عجزا شبه كامل في الخطوط الأرضية والإنترنت، إلى جانب ضعف شبكات الهاتف المحمول، بما يعطل العمل والتعليم والتواصل والخدمات الرقمية.
ومن ثم، يكشف اجتماع مخاوف البناء ونقص الاتصالات خللا أوسع في مفهوم التسليم، فالوحدة ليست جدرانا ومفتاحا فقط، وإنما سكن آمن متصل بالمرافق الأساسية، ويمكن للأسرة الإقامة فيه دون أن تبدأ معركة جديدة لكل خدمة.
ولهذا، فإن الدعاية للمشروعات بعدد الوحدات المنجزة تخفي معيارا أهم هو قابلية السكن الفعلية، لأن عمارة بلا اطمئنان إنشائي وحي بلا اتصال مستقر لا يحققان الحق في المسكن الملائم مهما اكتملت أوراق التخصيص.
وفي غضون ذلك، يطالب الأهالي بتشغيل الخطوط الأرضية وخدمات الإنترنت وتحسين تغطية المحمول، وهي مطالب كان يفترض تنسيقها مع شركات الاتصالات قبل زيادة الإشغال، لا تركها حتى تتحول المنطقة إلى تجمع معزول يعاقب من انتقل إليه.
وعلاوة على ذلك، فإن انتظار الحاجزين منذ تقديم طلباتهم في إعلان 2020 حتى إخطارهم بالتخصيص خلال سبتمبر 2025 يضاعف مسؤولية الوزارة، لأن خمس سنوات من الانتظار كان ينبغي أن تنتهي بوحدة جاهزة لا بنزاع جديد.
وفي الأثناء، يجب فتح قناة موحدة لتلقي بلاغات جميع العمارات في المشروع، ونشر حصر دوري للعيوب والإجراءات، حتى لا يقتصر الفحص على الأرقام الخمسة المعروفة بينما تبقى شكاوى أخرى فردية أو غير موثقة خارج الاهتمام.
وعوضا عن مطالبة كل أسرة بخوض مواجهة منفصلة، يستطيع جهاز المدينة تحديد مهلة واضحة للفحص والرد، وتوفير وحدات بديلة لمن يثبت تضرر وحداتهم، وضمان عدم تحميلهم فروق أسعار أو مصروفات إضافية بسبب خطأ لم يرتكبوه.
وفي المحصلة، تقع على وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية مسؤولية وقف الاستلام المثير للنزاع وإعلان الحقيقة الفنية كاملة، فحماية الأرواح تبدأ قبل تسليم المفاتيح، والثقة لا تستعاد إلا بالمحاسبة والإصلاح والبدائل العادلة.
وأخيرا، ستظل وعود الإسكان الاجتماعي ناقصة ما دامت الأسرة مطالبة بالاختيار بين طول الانتظار وخوف السكن، أما الاختبار الحقيقي للجهات المعنية فهو سرعة الفحص وشفافية التقرير وتأمين البديل ومحاسبة المسؤول عن كل عيب.

