دعت ثماني دول عربية وإسلامية، الخميس، إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، محذرة من أن استمرار القصف وعنف المستوطنين يقوضان اتفاق وقف إطلاق النار ويعرقلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الشاملة لإنهاء النزاع.
وأكد وزراء خارجية مصر وتركيا وقطر والأردن والسعودية وباكستان والإمارات وإندونيسيا رفض بلدانهم القاطع لأي محاولة إسرائيلية لضم الأراضي الفلسطينية أو فرض السيادة عليها أو تهجير سكانها قسرًا، مطالبين بإطلاق مسار جاد يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إدانة تتجاوز حدود غزة
أدان البيان المشترك الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في قطاع غزة، مؤكدًا أن استهداف المدنيين والمنشآت الصحية والبنية التحتية لا يمكن فصله عن تصاعد هجمات المستوطنين واقتحامات قوات الاحتلال للمدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية.
وشدد الوزراء على أن الانتهاكات تمثل خرقًا لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن تعارضها مع التفاهمات التي يفترض أن تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار وبدء التعافي وإعادة إعمار القطاع المدمر.
وأشار البيان إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية تعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد، وتعرقل الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى استكمال تنفيذ الاتفاق، بينما يواصل الفلسطينيون دفع الثمن من أرواحهم ومنازلهم وخدماتهم الأساسية رغم مرور أشهر على بدء وقف إطلاق النار.
وتكشف الدعوة الجديدة استمرار الفجوة بين كثافة البيانات الدبلوماسية ومحدودية الإجراءات العملية القادرة على ردع إسرائيل، إذ تكررت الإدانات العربية والإسلامية خلال الشهور الماضية من دون أن تتوقف الغارات أو هجمات المستوطنين أو محاولات تغيير الوضع القانوني للأرض المحتلة.
الضم يهدد الدولة الفلسطينية
جددت الدول الثماني رفضها أي خطوات إسرائيلية أحادية تستهدف ضم الضفة الغربية أو توسيع المستوطنات أو مصادرة الأراضي وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، مؤكدة أن هذه الإجراءات غير قانونية وتهدد بتصفية فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ويأتي هذا التحذير في ظل تسارع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى ترسيخ السيطرة على الضفة الغربية، عبر توسيع المستوطنات وتسوية ملكية الأراضي لمصلحة الاحتلال وتهجير التجمعات الفلسطينية، بما يقطع التواصل الجغرافي بين المدن ويحول الدولة المنتظرة إلى مناطق معزولة ومحاصرة.
وأكد الوزراء أن السلام العادل لا يمكن تحقيقه من خلال إدارة الأزمة أو فرض وقائع جديدة بالقوة، وإنما عبر مسار يضمن إنهاء الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما طالب البيان المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية واتخاذ إجراءات ملموسة لإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي، بدل الاكتفاء ببيانات القلق التي لم تمنع استمرار القتل والاستيطان والتدمير والتهجير.
وحث الوزراء على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة بحق الفلسطينيين، معتبرين أن غياب المساءلة يشجع على تكرار الجرائم ويمنح الاحتلال حصانة عملية، بينما تتراجع فرص التسوية أمام سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية والحماية الدولية.
ضحايا الهدنة وعبء الإعمار
جاء البيان بينما تواصلت الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، إذ أعلنت وزارة الصحة وصول 4 قتلى فلسطينيين إلى مستشفيات القطاع خلال 24 ساعة، لترتفع الحصيلة المسجلة منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023 إلى 73,381 قتيلًا و174,231 مصابًا.
وبحسب بيانات السلطات الصحية، ارتفعت حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 إلى 1,254 قتيلًا و4,121 مصابًا، وهي أرقام تعكس هشاشة الاتفاق وعجزه عن توفير حماية فعلية للمدنيين.
ولا تشمل الأعداد المعلنة جميع المفقودين تحت الأنقاض أو في المناطق التي يتعذر على فرق الإسعاف والدفاع المدني الوصول إليها، ما يعني أن الخسائر البشرية الحقيقية قد تكون أعلى، خصوصًا مع استمرار القيود ونقص المعدات والوقود والآليات الثقيلة.
وإلى جانب الضحايا، يواجه قطاع غزة دمارًا غير مسبوق في المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي والطرق والمنشآت الاقتصادية، فيما يعيش معظم السكان بين الخيام ومراكز الإيواء والمباني المتضررة في ظل نقص الغذاء والدواء والمياه النظيفة.
وقدّر تقييم أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتعاون مع البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، بينها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال أول 18 شهرًا لاستعادة الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية الحيوية.
ويشير التقييم إلى تضرر أو تدمير أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وتعطل أكثر من نصف المستشفيات، وتضرر معظم المدارس، بينما انكمش اقتصاد القطاع بنسبة 84% وتراجعت مؤشرات التنمية البشرية لعقود نتيجة الحرب والحصار والتهجير.
وأمام هذا الحجم من الخراب، يبدو نجاح أي خطة سلام مرهونًا بوقف الانتهاكات فعليًا وفتح المعابر وضمان تدفق المساعدات والبدء في الإعمار، لا بمجرد الانتقال الشكلي بين مراحل اتفاق يواصل الفلسطينيون السقوط قتلى في ظله.

