تتسع المأساة الفلسطينية بين قطاع غزة والضفة الغربية، مع استمرار سقوط الضحايا وتفاقم أزمة الغذاء في القطاع، بالتزامن مع تصعيد عسكري إسرائيلي واسع في مخيم قلنديا شمال القدس، شمل اعتقالات وتحقيقات ميدانية ومداهمات للمنازل، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال نماذج التهجير والتدمير التي شهدتها مخيمات شمال الضفة إلى مناطق جديدة.

 

وأعلنت وزارة الصحة في غزة وصول شهيد متأثرا بإصابته وخمسة جرحى إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، فيما أكدت أن عددا من الضحايا ما يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، مع عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب استمرار الظروف الميدانية الصعبة.

 

وبحسب الوزارة، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر إلى 1255 شهيدا، فيما بلغ عدد الإصابات 4125 إصابة، ووصل عدد الجثامين التي جرى انتشالها إلى 806، بما يكشف أن توقف العمليات العسكرية الواسعة لم ينه سقوط الضحايا أو آثار الحرب الممتدة.

 

أما الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفعت إلى 73382 شهيدا و174236 مصابا، وهي أرقام تعكس حجم الكلفة البشرية التي تكبدها القطاع، في وقت ما تزال فيه آثار الدمار وانهيار الخدمات الصحية ونقص الغذاء والمياه تضغط على حياة أكثر من مليوني فلسطيني.

 

 

الجوع يطارد غزة

 

لا تقف أزمة غزة عند أعداد القتلى والجرحى، إذ تتسع مخاطر انعدام الأمن الغذائي مع انهيار مصادر الدخل وتراجع قدرة السكان على الوصول إلى الغذاء، حتى عندما تتوفر بعض السلع في الأسواق أو من خلال المساعدات الإنسانية.

 

وحذر مسؤولون في الأمم المتحدة من استمرار هشاشة الوضع الغذائي، بينما تظهر تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن الأسر ما تزال تعتمد بصورة كبيرة على المساعدات، وأن التحسن المحدود يمكن أن يتراجع بسرعة إذا انخفض التمويل أو تعطلت تدفقات السلع.

 

وتكشف بيانات أممية حديثة أن جزءا كبيرا من المساعدات الغذائية لا يغطي كامل الاحتياجات اليومية، إذ حصلت أسر على طرود ودقيق وبسكويت عالي الطاقة تكفي لنحو 75 في المئة من الحد الأدنى من الاحتياجات من السعرات الحرارية فقط.

 

وقال الباحث في إدارة المخاطر والأزمات أنور عطا الله إن الأرقام المتعلقة بالجوع لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعكس واقعا يضع غزة على حافة كارثة إنسانية، موضحا أن انعدام الأمن الغذائي يعني غياب الوصول المستمر إلى غذاء كاف وآمن ومغذ.

 

وأضاف أن المجاعة تمثل المرحلة الأشد، حين تتفاقم ندرة الغذاء وتنتشر حالات سوء التغذية الحاد وترتفع الوفيات المرتبطة بالجوع، محذرا من أن الاعتماد المستمر على المعلبات لا يوفر احتياجات صحية متوازنة، خاصة للأطفال وكبار السن والمرضى.

 

وتعود جذور الأزمة إلى الأشهر الأولى للحرب، حين لجأت أسر كثيرة إلى تخزين المعلبات مع انقطاع الكهرباء والغاز وتراجع الإمدادات، ثم أصبحت هذه المنتجات جزءا أساسيا من غذاء آلاف العائلات مع الاعتماد المتزايد على المساعدات.

 

في المقابل، قال المختص الاقتصادي خالد أبو عامر إن أزمة الغذاء في غزة تحولت من مشكلة في توافر السلع إلى أزمة قدرة على الوصول إليها، نتيجة انهيار الدخل وارتفاع البطالة وفقدان شريحة واسعة من السكان قدرتها على الشراء.

 

وأشار إلى أن تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل والتخزين وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي أضعفت السوق المحلية، ودعت إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات، ما جعل الأمن الغذائي مرتبطا باستمرار الإغاثة وليس بوجود اقتصاد محلي قادر على توفير الاحتياجات.

 

وتدعم تقارير الأمم المتحدة هذه المخاوف، إذ تشير إلى أن الأسعار ما تزال أعلى كثيرا من مستويات ما قبل أكتوبر 2023، رغم بعض الانخفاضات المحدودة مؤخرا، فيما تبقى قطاعات زراعية واسعة متضررة أو خارج الإنتاج، بما يقيد فرص التعافي.

 

ويرى مختصون أن معالجة الأزمة تحتاج إلى أكثر من إدخال شاحنات غذاء، فهي تتطلب دعما للقوة الشرائية وضمانا مستداما لتدفق السلع وإعادة تشغيل الزراعة والصناعة والأسواق، لمنع تحول السكان إلى مجتمع يعتمد كليا على الإغاثة.

 

 

قلنديا تحت الاقتحام

 

وبالتوازي مع مأساة غزة، دخل مخيم قلنديا شمال القدس مرحلة جديدة من التصعيد، بعد تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية عسكرية واسعة داخل المخيم شملت اقتحامات ومداهمات للمنازل وإغلاق طرق داخلية بالسواتر الترابية وفرض قيود على حركة السكان.

 

وقال نادي الأسير الفلسطيني إن القوات الإسرائيلية اعتقلت وحققت ميدانيا مع أكثر من 60 فلسطينيا، بينهم أطفال ونساء، منذ بدء العملية، وسط توقعات بارتفاع العدد مع استمرار الاقتحام وانتشار القوات في أحياء المخيم.

 

وبحسب النادي، رافقت الاعتقالات اعتداءات شملت الضرب المبرح واستخدام القيود وسيلة للتعذيب والتنكيل والتهديد، إضافة إلى إجبار بعض السكان على مغادرة منازلهم وتحويل عدد من البيوت إلى مواقع للتحقيق الميداني.

 

وتحدثت تقارير محلية عن تخريب ممتلكات وإغلاق طرق وإلحاق أضرار بمنازل، في حين يقول السكان إن العملية عطلت تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم وخلقت حالة من الخوف المستمر، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.

 

ويكتسب التصعيد في قلنديا خطورة إضافية بسبب تصريحات إسرائيلية سابقة عن تطبيق ما وصف بأنه نموذج جنين وطولكرم ونور شمس على مخيمات أخرى، وهي مناطق شهدت اقتحامات واسعة وهدم منازل وإخلاء سكان ومنع بعضهم من العودة.

 

وكان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد تحدث عن مواصلة العمليات داخل المخيمات، بينما يخشى الفلسطينيون أن تستخدم المبررات الأمنية غطاء لتكرار عمليات تهجير واسعة وإعادة تشكيل مناطق المخيمات بما يخدم خطط السيطرة الإسرائيلية.

 

وتتضاعف المخاوف لأن قلنديا يقع عند المدخل الشمالي للقدس ويجاور طرقا ومستوطَنات ومشروعات استيطانية مهمة، فضلا عن كونه من أكبر مخيمات اللاجئين في محيط المدينة ويضم أكثر من 16 ألف نسمة.

 

 

عدوان يتجاوز المخيم

 

ولا ينفصل ما يجري في قلنديا عن موجة أوسع من الاعتقالات في الضفة الغربية والقدس، إذ يقول نادي الأسير إن عدد حالات الاعتقال منذ بدء الحرب على غزة تجاوز 25600 حالة، شملت نساء وأطفالا وكبار سن وجرحى ومرضى.

 

ويعتبر النادي أن عمليات الاعتقال والتحقيق الميداني والتعذيب جزء من سياسة عقاب جماعي، محذرا من أن المخيمات الفلسطينية أصبحت هدفا رئيسيا للتصعيد منذ بداية الحرب، وما رافقه من تدمير للبنية التحتية وتهجير واسع.

 

وتستحضر المخاوف الحالية ما جرى في جنين وطولكرم ونور شمس، حيث أدت العمليات العسكرية إلى موجات نزوح وإخلاء واسعة وتدمير أجزاء من المخيمات، في واحدة من أشد مراحل التهجير في الضفة منذ عقود.

 

وفي شمال القدس تحديدا، تتزامن العمليات العسكرية مع مشروعات استيطانية وبنية تحتية إسرائيلية، من بينها مخطط عطروت ومشروعات طرق وخطط سابقة لإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية على أرض مطار قلنديا القديم بالقرب من المخيم.

 

ورغم عدم وجود إعلان رسمي يربط الاقتحام الحالي مباشرة بهذه المشروعات، فإن الفلسطينيين يخشون من أن تؤدي عمليات الهدم وإغلاق الطرق والضغط المستمر على السكان إلى تغيير الواقع السكاني والجغرافي بصورة تخدم التوسع الاستيطاني حول القدس.

 

وهكذا، تتشكل صورة واحدة من غزة إلى قلنديا، حيث يواجه الفلسطيني القتل والجوع ونقص العلاج في القطاع، والاقتحام والاعتقال والتهجير المحتمل في الضفة، بينما يبقى المدنيون الحلقة التي تدفع الكلفة الأكبر مع استمرار العدوان واتساع نطاقه.