أعادت واقعة غلق 12 منشأة وهمية لعلاج الإدمان والطب النفسي في الشرقية، تسليط الضوء على مخاطر إيداع المرضى داخل أماكن لا تخضع للرقابة الصحية والقانونية، خصوصًا مع وجود أكثر من 300 حالة داخل المنشآت التي جرى ضبطها.

 

وأظهرت الحملة التفتيشية التي نفذتها إدارة العلاج الحر بمديرية الشؤون الصحية بالشرقية، في العاشر من رمضان وبلبيس، حجم المشكلة المرتبطة بمنشآت تمارس نشاط علاج الإدمان والصحة النفسية دون تراخيص، ما استدعى إغلاقها وتشميعها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

 

 

مخاطر العلاج داخل منشآت وهمية

 

وفي هذا السياق، تبرز خطورة المنشآت غير المرخصة في غياب الضمانات الأساسية التي يفترض توافرها داخل أي مكان يقدم خدمات علاجية للمرضى، خاصة الحالات التي تحتاج إلى متابعة طبية ونفسية منتظمة خلال مراحل العلاج المختلفة.

 

كما أن علاج الإدمان لا يرتبط بمجرد إبعاد المريض عن المنزل أو عزله عن محيطه، وإنما يحتاج إلى تقييم طبي ونفسي دقيق يحدد طبيعة الحالة والمخاطر المرتبطة بها والبرنامج المناسب للتعامل معها.

 

ومن ناحية أخرى، قد تمر بعض الحالات بأعراض انسحاب تحتاج إلى تدخل طبي ومتابعة دقيقة، خصوصًا عندما يكون المريض معتادًا على مواد مخدرة لفترات طويلة أو يعاني مشكلات صحية ونفسية مصاحبة تتطلب إشرافًا متخصصًا.

 

وبالتالي فإن غياب الطبيب والفريق الطبي المؤهل داخل المنشأة قد يحرم المريض من التدخل المناسب في الوقت المطلوب، ويزيد من مخاطر التعامل مع حالته بطرق غير ملائمة لطبيعة احتياجاته الصحية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن المنشآت غير المرخصة لا تقدم للأسرة بالضرورة معلومات واضحة حول المسؤول الطبي عن الحالة، أو طبيعة البرنامج العلاجي، أو آليات المتابعة، أو الإجراءات المتبعة عند حدوث مضاعفات مفاجئة.

 

كذلك يمثل غياب الرقابة خطرًا إضافيًا على المرضى، لأن وجود ترخيص للمنشأة يرتبط باشتراطات قانونية وصحية يفترض الالتزام بها، ويمنح الجهات المختصة قدرة أكبر على متابعة النشاط والتحقق من سلامة ظروف العلاج والإقامة.

 

 

كيف تختار الأسرة مركز العلاج

 

وفي المقابل، تبدأ حماية المريض من الأسرة نفسها، من خلال التأكد قبل إيداعه من أن المنشأة حاصلة على الترخيص المطلوب، وأن الترخيص يتضمن ممارسة النشاط المرتبط بعلاج الإدمان أو الصحة النفسية وفق طبيعة الخدمة المقدمة.

 

كما ينبغي الاستعلام عن الجهة التي أصدرت الترخيص، وعدم الاكتفاء بوجود اسم تجاري أو لافتة تحمل عبارات تشير إلى العلاج أو التأهيل، لأن الشكل الخارجي للمنشأة لا يثبت قانونية نشاطها.

 

ومن المهم أيضًا أن تسأل الأسرة عن الطبيب المسؤول عن الحالات الموجودة داخل المركز، والتخصصات الطبية المتاحة، ونظام المتابعة، وطبيعة الرعاية المقدمة خلال ساعات اليوم، خاصة بالنسبة للحالات التي قد تحتاج إلى تدخل عاجل.

 

إضافة إلى ذلك، يجب التعرف على البرنامج العلاجي قبل الموافقة عليه، ومعرفة المدة المتوقعة للعلاج وطريقة تقييم تطور الحالة، وما إذا كانت الخطة قابلة للتعديل وفق استجابة المريض واحتياجاته الطبية والنفسية.

 

وفي الوقت نفسه، تحتاج الأسرة إلى معرفة حقوق المريض داخل المنشأة، وطبيعة ظروف الإقامة، وآليات التواصل مع الطبيب، والإجراءات المتبعة في حالات الطوارئ، فضلًا عن كيفية التعامل مع الزيارات والتواصل بين المريض وأسرته.

 

ومن ثم فإن قرار اختيار مركز العلاج يجب ألا يتحول إلى محاولة سريعة لإبعاد المريض عن المنزل، لأن الهدف الأساسي يفترض أن يكون توفير بيئة علاجية آمنة تساعده على تلقي الرعاية المناسبة وتحافظ على كرامته وحقوقه.

 

 

الرقابة تحمي المرضى من الاستغلال

 

وفي هذا الإطار، تمثل الحملات الرقابية التي تنفذها الجهات الصحية وسيلة أساسية لاكتشاف المنشآت التي تمارس النشاط دون ترخيص، والتحقق من أوضاع المرضى الموجودين بها، واتخاذ الإجراءات القانونية عند ثبوت المخالفات.

 

كذلك تتيح الرقابة التعامل مع المخالفات قبل استمرارها لفترات أطول، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنشآت تستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى دون استيفاء الاشتراطات اللازمة، وهو ما يضاعف أهمية المتابعة والتفتيش المستمر.

 

ومن جهة أخرى، فإن وجود أكثر من 300 حالة داخل المنشآت التي جرى ضبطها في الشرقية يوضح حجم المسؤولية المرتبطة بضرورة التأكد من أوضاع المرضى عند إغلاق أي منشأة مخالفة، وضمان عدم تعرضهم لمزيد من المخاطر.

 

وبناءً على ذلك، تحتاج الأسر إلى التعامل بحذر مع الإعلانات التي تقدم وعودًا سريعة بالشفاء أو تتحدث عن نتائج مضمونة لعلاج الإدمان، لأن طبيعة العلاج تختلف من حالة إلى أخرى وتحتاج إلى تقييم متخصص.

 

كما أن الوعود غير الواقعية قد تدفع الأسرة إلى اتخاذ قرارات متسرعة، خصوصًا عندما تكون تحت ضغط البحث عن حل سريع لمشكلة الإدمان، بينما يحتاج العلاج في حالات كثيرة إلى وقت ومتابعة وتقييم مستمر.

 

وفي السياق نفسه، يجب ألا تكون تكلفة الإقامة أو العروض المالية العامل الوحيد في اختيار المنشأة، لأن انخفاض التكلفة لا يعني بالضرورة جودة الخدمة، كما أن ارتفاع التكلفة لا يثبت وحده توافر الرعاية الطبية المطلوبة.

 

وفوق ذلك، فإن الأسرة مطالبة بالاحتفاظ بالمعلومات الأساسية المتعلقة بالمركز والطبيب المسؤول والبرنامج العلاجي، والتأكد من وضوح المسؤوليات الطبية والقانونية قبل تسليم المريض، بدلًا من الاعتماد على معلومات غير موثقة.

 

وعلى جانب آخر، يمكن للأسرة اللجوء إلى مديريات الصحة والجهات المختصة بالصحة النفسية للاستعلام عن قانونية المنشأة، أو الإبلاغ عن أي شبهة تتعلق بممارسة نشاط طبي دون ترخيص أو وجود مخالفات تهدد سلامة المرضى.

 

وبذلك لا تتوقف حماية مرضى الإدمان والاضطرابات النفسية على حملات التفتيش وحدها، وإنما تبدأ من اختيار الأسرة لجهة علاج قانونية، ثم استمرار المتابعة والتأكد من حصول المريض على رعاية طبية وإنسانية تتناسب مع حالته.

 

وأخيرًا، تفرض واقعة إغلاق 12 منشأة وهمية في الشرقية ضرورة رفع وعي الأسر بمخاطر المراكز غير المرخصة، والتعامل مع علاج الإدمان باعتباره مسارًا طبيًا ونفسيًا يحتاج إلى متخصصين ورقابة مستمرة، وليس مجرد وسيلة لعزل المريض بعيدًا عن أسرته.