كشف تقرير حقوقي حديث عن استمرار تدهور أوضاع العمال في مصر خلال شهر يوليو الماضي، في ظل تصاعد حوادث العمل والانتهاكات المرتبطة ببيئة العمل والحقوق النقابية، حيث رصد وفاة 25 عاملًا، بينهم 9 أطفال، وإصابة ما لا يقل عن 92 آخرين، فضلًا عن تسجيل وقائع احتجاز عمال على خلفية احتجاجات، وتهديدات بالفصل، وإجراءات اعتبرها التقرير انتهاكًا للحقوق العمالية.

 

وأوضحت نشرة "الحصاد العمالي" الصادرة عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن شهر يوليو شهد نحو 24 حادثة عمل في قطاعات اقتصادية مختلفة، تنوعت بين مواقع الإنتاج ووسائل نقل العمال، مؤكدة أن العاملين بالقطاع الخاص كانوا الأكثر تعرضًا للحوادث خلال الفترة محل الرصد.

 

 

ارتفاع الحوادث يكشف استمرار قصور إجراءات السلامة

 

وأشار التقرير إلى أن الحوادث التي شهدها الشهر الماضي تعكس استمرار تعرض العمال لمخاطر جسيمة داخل أماكن العمل وأثناء انتقالهم إليها، نتيجة تكرار الوقائع المرتبطة بالسقوط من الارتفاعات، والانهيارات، وحوادث نقل العمال، والصعق الكهربائي، والاختناق بالمواد الخطرة.

 

وأكدت المفوضية أن تكرار هذه الحوادث يعكس وجود قصور مستمر في تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية، وهو ما يضاعف من حجم المخاطر التي يتعرض لها العاملون في مختلف القطاعات، خاصة العمالة غير المنتظمة.

 

 

مأساة أطفال أسيوط تتصدر المشهد

 

ورصد التقرير واحدة من أكثر الحوادث مأساوية خلال شهر يوليو، بعدما سقط "تروسيكل" كان ينقل أطفالًا يعملون في الزراعة داخل ترعة نجع حمادي بمحافظة أسيوط، ما أسفر عن وفاة 9 أطفال وإصابة طفلين آخرين.

 

واعتبرت المفوضية أن الحادثة تمثل نموذجًا صارخًا للمخاطر التي يتعرض لها الأطفال العاملون في القطاع الزراعي، مشيرة إلى أن تشغيل الأطفال في مثل هذه الأعمال يأتي في كثير من الأحيان بسبب انخفاض تكلفة تشغيلهم مقارنة بالعمال البالغين.

 

وأضاف التقرير أن الواقعة تكشف استمرار مخالفة الضمانات القانونية المنظمة لعمل الأطفال، والتي تحظر تشغيلهم في الأعمال الخطرة، وتلزم بتوفير شروط وضوابط محددة لتدريبهم وتشغيلهم، فضلًا عن غياب وسائل نقل آمنة تحميهم أثناء انتقالهم من وإلى أماكن العمل.

 

 

القطاع الزراعي.. الأكثر هشاشة واستغلالًا

 

وأشار التقرير إلى أن العاملين في القطاع الزراعي ما زالوا من أكثر الفئات تعرضًا للاستغلال، رغم أن هذا القطاع يستوعب نحو 18.7% من إجمالي المشتغلين في مصر، وفقًا لبحث القوى العاملة لعام 2024.

 

وأوضح أن العمالة الزراعية، خاصة النساء والأطفال، تواجه ظروف عمل قاسية، حيث تمتد ساعات العمل إلى أكثر من 15 ساعة يوميًا عند احتساب زمن الانتقال، مع استخدام وسائل نقل متهالكة، مقابل أجور محدودة لا تتجاوز عشرات الجنيهات.

 

 

القبض على موظفين بوزارة الزراعة بعد احتجاجات

 

وفي ملف آخر، وثقت النشرة القبض على ما لا يقل عن ستة من العاملين بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، عقب مشاركتهم في احتجاجات للمطالبة بصرف رواتبهم المتوقفة منذ سنوات، وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم.

 

وأوضح التقرير أنه جرى الإفراج عن العاملين لاحقًا دون عرضهم على النيابة العامة، معتبرًا أن هذه الإجراءات تثير شبهة الاحتجاز التعسفي واستخدام الوسائل الأمنية لترهيب العمال المشاركين في الاحتجاجات.

 

 

إجراءات ضد عاملات "وبريات سمنود"

 

كما تناول التقرير أزمة العاملات بشركة وبريات سمنود للغزل والنسيج، مشيرًا إلى وقف ست عاملات عن العمل، وتعطيل الشكاوى المقدمة منهن إلى مكتب العمل، بالتزامن مع محاولات تشغيل عمالة مؤقتة لكسر الإضراب، وسط ما وصفه التقرير بوجود ضغوط وتهديدات.

 

واعتبرت المفوضية أن هذه الإجراءات تمثل تصعيدًا ضد العاملات المضربات، وانتهاكًا للحق في الإضراب وحرية التنظيم النقابي، مطالبة إدارة الشركة بوقف الإجراءات التي وصفتها بالانتقامية، وإعادة خدمات التأمين الصحي للعاملين، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، ومعالجة الأزمة من خلال الحوار بدلًا من التصعيد.

 

 

شكاوى من تهديدات بالفصل في شركة مياه القليوبية

 

ورصد التقرير كذلك تحركًا بين محصلي وقراء العدادات بشركة مياه الشرب والصرف الصحي بمحافظة القليوبية، بعد تلقي شكاوى من نحو 120 عاملًا.

 

وبحسب التقرير، اشتكى العاملون من ربط صرف الحد الأدنى للأجور بالتوقيع على عقود عمل بالوكالة، إلى جانب تعرضهم لتهديدات بالفصل حال رفضهم تغيير طبيعة عقودهم، وهو ما اعتبرته المفوضية ممارسة تضغط على العمال وتؤثر على استقرارهم الوظيفي.

 

 

مطالب بتحسين بيئة العمل وحماية الحقوق العمالية

 

وفي ختام تقريرها، شددت المفوضية المصرية للحقوق والحريات على ضرورة تعزيز إجراءات السلامة والصحة المهنية داخل مواقع العمل، وتوفير وسائل نقل آمنة للعمال، خاصة العمالة الزراعية والأطفال، إلى جانب احترام الحقوق النقابية، ووقف أي إجراءات وصفتها بأنها تعسفية ضد العاملين المشاركين في الاحتجاجات أو الإضرابات، مؤكدة أن تحسين أوضاع العمال يمثل أحد المتطلبات الأساسية لضمان بيئة عمل آمنة تحفظ الحقوق وتصون الأرواح.