شهد مكتب محامي المعلمين عاطف النجمي في القاهرة اجتماعا موسعا لقيادات نقابية وحقوقية وشخصيات عامة، للمطالبة بإجراء انتخابات نقابة المهن التعليمية التي تضم نحو 1.5 مليون معلم، والإفراج عن القيادي النقابي محمد زهران المحبوس منذ يوليو.

 

ويكشف التحرك اتساع أزمة نقابة يفترض أن تمثل أكبر كتلة مهنية في مصر، بينما بقيت منذ فرض الحراسة عليها عام 2014 بعيدة عن انتخابات عامة تستعيد بها قواعدها حق اختيار ممثليها ومحاسبتهم على إدارة أموالها ومصالحها.

 

وتركز الاجتماع على الضغط لتنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري الصادر في 30 نوفمبر 2025، والذي ألزم النقابة بإجراء الانتخابات وفقا للقانون وفتح الطريق أمام أعضاء الجمعيات العمومية للمشاركة والترشح بعد سنوات طويلة من تعطل الاستحقاق.

 

وفي المقابل، جاءت المطالبة بالإفراج عن زهران بعدما ألقت قوات الأمن القبض عليه من منزله في يوليو، إثر دعوته معلمي القاهرة إلى اجتماع يناقش الطرق القانونية لتنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالانتخابات وإنهاء الحراسة على النقابة.

 

وبحسب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس زهران 15 يوما احتياطيا في القضية رقم 5773 لسنة 2026، ووجهت إليه اتهامات بنشر أخبار كاذبة واستخدام حساب إلكتروني للترويج لجريمة إرهابية.

 

ومنذ فرض الحراسة القضائية في مارس 2014، لم تستعد النقابة مسارا انتخابيا عاما مستقرا، بينما يعود آخر تجديد كلي واسع إلى عام 2012، أعقبته انتخابات تجديد نصفي في بعض النقابات الفرعية خلال عامي 2013 و2014.

 

الحكم يصطدم بالتعطيل

 

وعلى الرغم من صدور الحكم القضائي الملزم، يقول المشاركون في الحراك إن مجلس النقابة لم يفتح حتى الآن مسارا انتخابيا يحقق مضمون الحكم، بما يشمل إعلان مواعيد واضحة للترشح والاقتراع ودعوة الجمعيات العمومية للانعقاد.

 

وفي هذا الإطار، دعا المستشار محمود عبد الجواد، أمين الشباب بحزب المحافظين، إلى استخدام المسارات القانونية والإعلامية بالتوازي، باعتبار أن تنفيذ الحكم يحتاج ضغطا منظما يمنع إفراغه من مضمونه عبر التأجيل المستمر أو الإجراءات المطولة.

 

كما اقترح عبد الجواد إطلاق حملة إلكترونية واسعة للتعريف بقضية محمد زهران، إلى جانب تقديم الدعم القانوني للمعلمين الراغبين في الترشح، بما يسمح بتحويل الأزمة من قضية فردية إلى معركة حول الحق في التنظيم النقابي.

 

وبالتالي، يرى المشاركون أن اعتقال زهران لا يمكن فصله عن توقيت دعوته للاجتماع، خاصة أن الدعوة ركزت على مناقشة آليات قانونية لتنفيذ أحكام قائمة، ولم تتضمن الدعوة المعلنة تأسيس كيان بديل أو تجاوز الأطر النقابية.

 

ومن ناحية أخرى، أعلن المحامي الحقوقي خالد علي أن القبض على زهران جاء عقب دعوته إلى الاجتماع، قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا، وهو ما أثار مطالبات حقوقية بالكشف عن ملابسات توقيفه والإفراج عنه.

 

وفوق ذلك، تثير الواقعة سؤالا قانونيا حول حدود تجريم النشاط النقابي، عندما يصبح اجتماع لمناقشة تنفيذ حكم قضائي سببا في ملاحقة أحد الداعين إليه، بينما يظل تنفيذ الحكم نفسه محل تأخير ونزاع بين المعلمين والإدارة القائمة.

 

وعليه، يطالب المشاركون في التحرك بإعلان جدول زمني ملزم للانتخابات، لأن استمرار الحديث عن مراجعة الكشوف والاستعدادات دون موعد نهائي يفتح الباب أمام تمديد الوضع الحالي، ويحول الإجراءات التحضيرية إلى وسيلة جديدة لتأجيل الاقتراع.

 

كتلة مهنية بلا اختيار

 

وفي قلب الأزمة، يبلغ عدد أعضاء نقابة المهن التعليمية نحو 1.5 مليون معلم، موزعين على 320 لجنة نقابية و53 نقابة فرعية، وهو حجم يمنحها ثقلا اجتماعيا ومهنيا وقدرة كبيرة على التأثير في ملفات التعليم والأجور.

 

وبحسب وزير القوى العاملة الأسبق كمال أبو عيطة، فإن القوة الحقيقية للمعلمين تكمن في عددهم وقدرتهم على التحرك الجماعي، معتبرا أن اصطفافهم خلف مطلب الإفراج عن زهران وإجراء الانتخابات يمكن أن يفرض استجابة مختلفة.

 

ويرى أبو عيطة أن التنظيم المهني الواسع يمنح أعضاءه قوة لا توفرها التحركات الفردية، ولذلك دعا المعلمين إلى استخدام ثقلهم العددي للدفاع عن زهران وعن حقهم في استعادة نقابتهم عبر انتخابات حقيقية تعبر عن إرادتهم.

 

ومن ثم، لا تتعلق الانتخابات فقط باستبدال أسماء داخل مجلس النقابة، وإنما بإعادة بناء آلية يستطيع المعلمون من خلالها التفاوض حول الأجور والمعاشات والتعيينات وظروف العمل، ومراقبة السياسات التي تؤثر مباشرة في حياتهم المهنية.

 

وفي السنوات الأخيرة، توسعت وزارة التربية والتعليم في العمل بنظام الحصة والتعاقدات المؤقتة لسد العجز بالمدارس، بينما ظلت شكاوى المعلمين من تدني الأجور وارتفاع الأعباء وغياب التعيينات الدائمة حاضرة في نقاشات القطاع التعليمي.

 

إضافة إلى ذلك، يرى داعمو الانتخابات أن وجود مجلس منتخب يمكن أن يمنح المعلمين طرفا تفاوضيا مستقلا أمام الوزارة، بدلا من بقاء القرارات المتعلقة بالأجور والتشغيل والتكليفات المهنية بعيدة عن رقابة قاعدة نقابية تختار ممثليها دوريا.

 

ومع ذلك، لا يعني إجراء الانتخابات وحده حل أزمات التعليم، لكنه يوفر آلية مؤسسية للمحاسبة والتمثيل، تسمح للمعلمين بتغيير قياداتهم إذا أخفقت، وهو حق ظل معطلا طوال سنوات الحراسة وعدم انتظام الاستحقاقات النقابية.

 

وبهذا المعنى، تصبح استعادة الانتخابات جزءا من الصراع على طبيعة النقابة نفسها، بين مؤسسة تقدم خدمات اجتماعية ومهنية محدودة، وكيان منتخب يستطيع الدفاع عن مصالح أعضائه ومناقشة سياسات الوزارة من موقع أكثر استقلالا.

 

استقلال النقابة تحت الاختبار

 

وفي قراءة أوسع، يرى المحامي عاطف النجمي، الذي استضاف مكتبه الاجتماع، أن المسار القانوني يمثل أداة أساسية لدفع الأزمة إلى الأمام، خاصة بعد حصول المعلمين على حكم قضائي يفرض إجراء الانتخابات وفق القواعد المنظمة للنقابة.

 

وعلى هذا الأساس، تحول مكتب النجمي إلى نقطة تجمع لقيادات نقابية وحقوقية تبحث كيفية تحويل الحكم من وثيقة قضائية إلى إجراءات عملية، بما يشمل الضغط على النقابة وتوفير المساندة القانونية للراغبين في المشاركة بالانتخابات.

 

وفي الوقت نفسه، يربط المشاركون بين استقلال النقابة وقدرتها على مناقشة أوضاع المعلمين، لأن مجلسا لا يخضع لاختبار انتخابي دوري يفتقد أحد أهم مصادر المساءلة التي تسمح للأعضاء بمراجعة أدائه واختيار بديل عنه.

 

كذلك يخشى ناشطون نقابيون أن يؤدي استمرار الوضع الحالي إلى ترسيخ نموذج تكون فيه المؤسسات المهنية الكبرى خاضعة لإدارة طويلة المدى من دون تجديد انتخابي، بما يضعف قدرة قواعدها على التأثير في قراراتها أو مساءلة قياداتها.

 

وبناء على ذلك، يطالب المجتمعون بألا يقتصر التحرك على الإفراج عن محمد زهران وحده، رغم أولوية القضية، وإنما يمتد إلى ضمان إجراء انتخابات كاملة وشفافة وعدم معاقبة أي معلم بسبب المشاركة أو الترشح أو الدعوة للاجتماعات النقابية.

 

وفي المقابل، سيكون على مجلس النقابة إثبات جديته عبر إعلان خطوات قابلة للقياس، تبدأ بمواعيد واضحة لتنقية الجداول وفتح الترشح وتنتهي بيوم اقتراع محدد، بدلا من الاكتفاء بتأكيدات عامة حول الاستعداد للانتخابات في وقت لاحق.

 

وأخيرا، تعيد أزمة زهران والانتخابات طرح سؤال أوسع حول ما إذا كانت الدولة مستعدة لقبول نقابة معلمين منتخبة ومستقلة بعد 12 عاما من الحراسة، أم أن الحكم القضائي سيظل معلقا بينما يدفع المطالبون بتنفيذه ثمن تحركهم.