أثارت منصة شاهد التابعة لمجموعة إم بي سي موجة غضب واسعة في مصر بعد عرض مسلسل تحت السن منذ 2 يوليو 2026 في 12 حلقة تناولت اختفاء طالبة داخل مدرسة للبنات وما تبعه من حمل سري وابتزاز وتسريب مقاطع خاصة وتعاطي مخدرات، ما دفع متابعين إلى المطالبة بوقف العمل ومقاطعته.
وربطت الانتقادات بين مضمون المسلسل وعجز مؤسسات حكومة السيسي عن فرض معايير واضحة على المنصات المدفوعة التي تبث داخل مصر، إذ ترك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ووزارات التربية والتعليم والثقافة والتضامن الجدل يتصاعد، بينما ظهرت طالبات المدارس المصريات داخل العمل باعتبارهن طرفًا دائمًا في الجريمة والانحراف والتفكك الأسري.
تشويه المدارس واختزال المراهقات في الجريمة والانحراف
وبدأت أحداث المسلسل باختفاء الطالبة هنا عقب واقعة داخل المدرسة، قبل أن تدخل صديقتها مريم في مسار بحث يكشف علاقات متشابكة بين الطالبات وأسرهن، ويضع الغيرة والخيانة والابتزاز والعنف والمخدرات والعلاقات السرية في قلب الصورة المقدمة عن البيئة التعليمية المصرية.
ثم قدّم العمل شخصيات علي وداليدا وهنا ومريم وملك ونودي بوصفها نتاجًا مباشرًا لأسر مفككة، إذ نشأ علي بعيدًا عن نموذج أبوي سوي، بينما افتقدت داليدا اهتمام والدها العاطفي، وعانت بقية الفتيات من غياب الاحتواء والأمان، حتى أصبحت الأزمات النفسية والسلوكية رابطًا شبه ثابت بين الشخصيات.
وفي الوقت نفسه، حاول المسلسل تقديم اعتراض الأسرة على خروج الفتاة دون إذن بوصفه امتدادًا لنظرة ذكورية، كما طرح سرقة الزوج ذهب زوجته ضمن نقاش الاستقلال المالي للمرأة، وربط اعتراض الرجل على تجاوز حدود العلاقة السابقة أو الحالية بفكرة السلطة المطلقة، وهي معالجة أثارت اعتراض متابعين على تركيب الصراع بهذه الصورة.
لاحقًا، تصاعدت الأحداث في الحلقة التاسعة مع اكتشاف مريم سرقة سيد حقيبة والدتها بحثًا عن عقد زواج عرفي، ثم دخول ماربيلا على خط الابتزاز وعرض تسليم العقد مقابل المال، قبل أن تكشف التحريات العثور على جثة هنا طافية في البحر ووجود مؤشرات إلى حملها السري وعلاقتها بسيد.
وبالتوازي، سرّب دسوقي صاحب محل الهواتف مقاطع خاصة بملك وصديقاتها داليدا ونودي بعد رفضهن الاستجابة لتهديداته، فتسببت المقاطع في فضائح عائلية واعتداءات وطلاق، بينما أبقت الحلقات هوية المسؤول عن دفع هنا إلى مصيرها غامضة، وربطت مأساتها بالابتزاز والخوف وغياب الحماية الأسرية.
ومن زاوية اجتماعية، قالت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر إن أزمة بعض الأعمال الدرامية تكمن في غياب التوازن بين الصور التي تقدمها، مؤكدة ضرورة تمثيل التنوع الحقيقي داخل المجتمع بدل حصره في نموذج واحد، وهو معيار يكشف ضعف معالجة تحت السن عندما يحشد الانحرافات داخل بيئة مدرسية واحدة.
وبناء على ذلك، لا يتعلق الاعتراض بمجرد عرض جريمة أو مناقشة حمل سري، بل بطريقة تجميع المخدرات والسرقة والابتزاز والعلاقات غير المشروعة والبلطجة والتفكك داخل المدرسة نفسها، من دون منح الطالبات أو المعلمين أو الأسر نماذج مقابلة تمنع تحول الاستثناء الدرامي إلى صورة كلية عن المجتمع المصري.
غضب مجتمعي ومطالبات بوقف المسلسل
وعقب اتساع الجدل، طالب الناشط حازم خاطر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتدخل لإيقاف المسلسل، واتهم العمل بانتهاك الأعراف الإعلامية وتشويه المجتمع وطالبات المدارس، معتبرًا أن الشخصيات المصرية ظهرت في معظمها مرتبطة بالجريمة والسرقة والابتزاز والمخدرات والعلاقات السرية، بدل تقديم معالجة مسؤولة للمشكلات المطروحة.
كذلك وجّه الإعلامي علاء وحيد انتقادات إلى الجهات الرسمية بسبب غياب الرقابة على المنصات الأجنبية العاملة داخل مصر، وتساءل عن موقف وزارة التربية والتعليم من الصورة المقدمة للمدارس، وعن صمت المجلس القومي للمرأة ووزارة الدولة للإعلام أمام عمل يربط طالبات المدارس بصورة متكررة بالفساد الأخلاقي والجريمة.
وفي السياق نفسه، أكدت منة ياسر الشاعر أن الاعتراض لا يستهدف الفن أو مناقشة الأزمات الحقيقية، وإنما يرفض اختزال المجتمع المصري في نماذج سلبية تجعل الانحراف هو الصورة الغالبة، وطالبت بأعمال تنقل الجوانب الإيجابية والسلبية وتحترم هوية المجتمع والمسؤولية المرتبطة بالبث الجماهيري.
على جانب آخر، حذر حساب المانو تيوب من تحويل الحالات الاستثنائية إلى ظاهرة عامة، متسائلًا عما إذا كانت مدارس مصر كلها تشبه المدرسة التي قدمها المسلسل، ومعتبرًا أن تجاهل ملايين الفتيات الملتزمات والأسر المستقرة يرسخ صورة ذهنية لا تعكس التكوين الحقيقي للمجتمع ولا تعدد نماذجه.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1469306271902968&set=a.460195076147431
وعلميًا، حذر الناقد الفني طارق الشناوي من تقييم الدراما بمجرد إحصاء المشاهد الصادمة بعيدًا عن سياقها، وأكد أن ظهور الجريمة لا يعني الدعوة إليها، لكن معياره يحمّل العمل مسؤولية توضيح موقفه الدرامي منها، لأن تراكم الوقائع السلبية دون سياق مقابل يفتح باب التعميم الذي فجّر الغضب حول المسلسل.
ومن ثم، يصبح السؤال الأساسي متعلقًا بوظيفة كل خط درامي ومدى خدمته للقصة، إذ يستطيع العمل مناقشة الابتزاز أو التفكك أو المخدرات، لكنه يفقد مبرره الاجتماعي عندما يحول المدرسة إلى مخزن متتابع للجرائم، ويترك الجمهور أمام صورة واحدة تتكرر عبر الشخصيات والأسر والفضاء التعليمي المحيط بها.
سيادة إعلامية غائبة ومنصات عابرة للحدود بلا محاسبة
سياسيًا، تساءل طارق فهمي عما إذا كانت السعودية ستقبل إنتاج عمل داخل مصر يصور المجتمع السعودي بالطريقة نفسها، ودعا النائب العام إلى حماية المجتمع، معتبرًا أن السماح ببث العمل من دون رد رسمي يكشف ضعفًا في حماية صورة المجتمع المصري أمام منصات ذات نفوذ مالي وإعلامي واسع.
وفي الاتجاه نفسه، وصف رضا صالح العمل عبر صفحة مسلسلات رمضان بأنه نموذج لحرب محتوى ناعمة تنفذها منصات أجنبية في ظل رقابة مصرية ضعيفة وصمت رسمي ممتد، وطالب وزارات التربية والتعليم والأوقاف والمجلس القومي للمرأة بمواجهة ما اعتبره استهدافًا مباشرًا للمنظومة الأخلاقية.
وفي المقابل، تثبت بيانات منصة شاهد أن تحت السن عمل أصلي يتكون من 12 حلقة وينتمي إلى دراما الإثارة والغموض الاجتماعي، وتدور قصته الرسمية حول اختفاء طالبة في مدرسة للبنات وانكشاف أسرار مرتبطة بالهوس والغيرة والخيانة، وهو توصيف يؤكد أن المدرسة ليست خلفية عابرة بل مركز البناء الدرامي.
وعمليًا، سبق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن أخطر المنصات الرقمية والفضائية المشفرة بضرورة توفيق أوضاعها القانونية والالتزام بمعايير المحتوى المعروض داخل مصر، ولوّح باتخاذ إجراءات ضد المنصات غير المرخصة، لكن أزمة تحت السن كشفت فجوة واسعة بين بيانات المجلس وقدرته الفعلية على التدخل أمام محتوى يثير اعتراضات جماهيرية.
وتقنيًا، أوضح خبير أمن المعلومات محمد الحارثي أن الرقابة على المنصات الرقمية تختلف عن الرقابة التقليدية بسبب البث المستمر والخوارزميات وتعدد المستخدمين، غير أن هذه الصعوبة لا تعفي الحكومة من مراجعة التصنيف العمري، وإلزام المنصات بآليات واضحة للشكاوى، ونشر قرارات مفسرة بشأن الأعمال محل الاعتراض.
وبدلًا من ذلك، حافظت مؤسسات حكومة السيسي على صمتها، فلم تعلن وزارة التربية والتعليم موقفًا من صورة المدارس، ولم يقدم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تقييمًا علنيًا للمشاهد المعترض عليها، كما لم يوضح المجلس القومي للمرأة رؤيته بشأن تصوير طالبات المدارس، رغم توجيه النداءات مباشرة إلى هذه الجهات.
وأخيرًا، لا تمنح المطالبات بوقف المسلسل حكومة السيسي مبررًا لفرض رقابة سياسية جديدة على الفن، لكنها تكشف ضرورة إخضاع المنصات للقانون نفسه الذي تستخدمه السلطة ضد الصحفيين والمواقع المستقلة، ووضع نظام شفاف للتصنيف والمساءلة يواجه التجاوزات دون تحويل حماية المجتمع إلى ذريعة إضافية لمصادرة التعبير.
وتضع موجة الرفض مسلسل تحت السن أمام اختبار واضح يتعلق بالمسؤولية المهنية لا بحرية الإبداع وحدها، كما تضع الجهات الرقابية أمام مسؤوليتها بعد سنوات من ملاحقة الأصوات المعارضة وترك المحتوى التجاري العابر للحدود يعمل بلا مساءلة معلنة، بينما يتحمل المجتمع المصري وحده نتائج صورته المشوهة على الشاشة.

