كشفت الدكتورة ميرفت التلاوي وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية الأسبق في القاهرة خلال مداخلة هاتفية ببرنامج المصري أفندي أن أموال التأمينات مولت مدينة الإنتاج الإعلامي ومشروع توشكى دون عائد لأصحاب المعاشات بما حرم ملايين المؤمن عليهم من ثمرة مدخراتهم التي اقتطعت من أجورهم طوال سنوات العمل.

 

وتعيد الشهادة فتح ملف سياسي وإنساني لم تغلقه حكومة السيسي رغم مرور عقود إذ يواجه أصحاب المعاشات الغلاء بتدفقات شهرية محدودة بينما تواصل الدولة جدولة حقوقهم حتى عام 2075 من دون كشف حساب علني يحدد أصل الأموال وعوائد كل مشروع والمسؤولين عن توجيهها بعيدًا عن مصلحة أصحابها.

 

تمويل بلا عائد

 

وبحسب التلاوي كانت أجهزة الدولة تتعامل مع مدخرات العاملين باعتبارها أموالًا بلا صاحب وكان الوزير الذي يبحث عن تمويل لمشروعه يتوجه إلى بنك الاستثمار القومي ويحصل على الأموال من دون ترتيب عائد واضح يعود إلى أصحاب المعاشات أو تمكين ممثليهم من مراقبة القرار الاستثماري.

 

وخلال أحد اجتماعات مجلس الوزراء أبلغ رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري التلاوي بأن الحكومة استولت ليلًا على الأموال اللازمة لتنفيذ توشكى وفق روايتها وأكدت الوزيرة السابقة أنها اعترضت داخل الاجتماع لأن القرار نقل مدخرات المؤمن عليهم إلى مشروع حكومي لم يخضع لإرادتهم ولم يضمن نصيبهم من عائده.

 

كذلك أكدت التلاوي أن توشكى لم يحقق عائدًا انعكس على المعاشات وأن مدينة الإنتاج الإعلامي لم توصل أرباحًا إلى أصحاب الأموال وهو ما يحول القضية من خلاف حول أولويات الاستثمار إلى سؤال موثق عن مصير العوائد وآليات التقييم ومن وافق على توظيف الأموال بلا ضمانات لصالح المستفيدين.

 

وفي المقابل قالت التلاوي إنها اقترحت شراء حصص في شركات حكومية ناجحة مثل الحديد والصلب ومجمع الألومنيوم حتى تمتلك صناديق التأمينات أصولًا منتجة وأشارت إلى أن نجاح هذا المسار كان يمكن أن يرفع معاشًا قيمته 500 جنيه إلى نحو 5000 جنيه بدل إبقاء أصحاب المعاشات تحت رحمة القرارات الحكومية.

 

ومن جانبه وثق الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار في عام 2014 أن مجموع أموال التأمينات كان يمكن أن يبلغ 923 مليارًا و400 مليون جنيه عند احتساب الديون والعوائد بصورة أكثر عدالة وطالب برقابة الجهاز المركزي للمحاسبات والنقابات وأصحاب المعاشات لمنع الفساد وضمان توجيه الاستثمار إلى أصحاب الحق.

 

وتاريخيًا مثلت أموال المعاشات موردًا رئيسيًا للتمويل طويل الأجل إذ بلغت نحو 48% من الناتج المحلي في العام المالي 2004 و2005 وشكلت قرابة 30% من الأوعية الادخارية المتاحة وهو حجم يفسر اعتماد بنك الاستثمار القومي عليها لكنه لا يبرر تجريد أصحابها من العائد والرقابة.

 

حماية دستورية معطلة

 

ولاحقًا أصرت التلاوي خلال عضويتها في لجنة الخمسين لإعداد دستور 2014 على إضافة نص يحسم طبيعة الأموال ويقرر أنها خاصة وليست عامة بعدما أظهر الاستخدام الحكومي السابق أن غياب الحماية الصريحة سمح للسلطة التنفيذية بمعاملة الاشتراكات كخزان تمويل مفتوح بدل اعتبارها حقوقًا مؤجلة للعاملين.

 

وقانونيًا نصت المادة 17 من الدستور على أن أموال التأمينات والمعاشات أموال خاصة تتمتع بحماية الأموال العامة وأن الأموال وعوائدها حق للمستفيدين منها كما ألزمت باستثمارها بأمان وإدارتها بواسطة هيئة مستقلة وهو نص يجعل أي استخدام لا يحقق مصلحة أصحابها خاضعًا للمساءلة لا للاجتهاد السياسي.

 

وبدوره حذر سعيد الصباغ القيادي النقابي والخبير بملف التأمينات من بقاء الأموال في صورة صكوك واستثمارات بعيدة عن أصحاب المصلحة وطالب بأصول جيدة تدر عائدًا بعد دراسات اكتوارية كما أكد أن الحكومة لا تمنح أصحاب المعاشات فضلًا لأن المدفوعات حق مصدره اشتراكاتهم وعوائدها المستحقة.

 

وفوق ذلك شددت التلاوي على أن استثمار الأموال في البورصة خلال تلك المرحلة لم يكن آمنًا بسبب عدم اكتمال القواعد المنظمة للسوق ولذلك فضلت شراء شركات عامة ناجحة تتيح أصولًا ملموسة وتدفقات ربحية يمكن تتبعها بدل تعريض مدخرات الشيخوخة لمضاربة لا يملك أصحابها قرار الدخول فيها أو الخروج منها.

 

أما قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 فنظم نقل الالتزامات إلى الخزانة وسداد قسط سنوي للهيئة لكنه لم يقدم محاسبة تفصيلية منشورة لعائد توشكى أو مدينة الإنتاج الإعلامي كما لم يعلن مسارًا لمساءلة أصحاب القرارات التي كشفت التلاوي اعتراضها عليها داخل مجلس الوزراء.

 

حقوق مؤجلة حتى 2075

 

ومع تعديل مسار السداد حددت الدولة القسط الأول ابتداء من العام المالي 2025 و2026 بنحو 238 مليارًا و550 مليون جنيه ومدت الأداء 50 سنة حتى عام 2075 وهو ترتيب يحول حقوق أجيال قائمة من أصحاب المعاشات إلى التزام طويل يمتد بعد رحيل كثيرين ممن اقتطعت الاشتراكات من أجورهم.

 

في هذا السياق قال الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن قانون 2019 قنن الاستيلاء على أموال التأمينات وانتقد سدادها على 50 سنة وأوضح في نوفمبر 2025 أن التعديلات تجاهلت مشكلات المعاش المبكر والعمالة غير المنتظمة وربط الزيادات بالتضخم وركزت على إعادة ترتيب الدين الحكومي الممتد.

 

وبالأرقام نقل الميرغني تقديرات متباينة للمديونية تراوحت بين 755 مليار جنيه و923 مليارًا و400 مليون جنيه ورأى أن احتساب عائد سنوي افتراضي قدره 10% كان سيرفع بعض التقديرات إلى نحو تريليون و800 مليار جنيه بحلول عام 2021 بما كان يسمح بمضاعفة المعاشات وتمويل مزايا أوسع للمستفيدين.

 

وإنسانيًا لا تقف الخسارة عند أرقام الديون لأن كل عائد لم يصل إلى الصندوق خفض قدرة صاحب معاش على شراء الغذاء والدواء ودفع السكن بينما واصلت الحكومات عرض زيادات المعاشات بوصفها دعمًا اجتماعيًا رغم أن مصدر الاستحقاق الحقيقي هو أموال العاملين والعائد الذي حرموا منه.

 

وأخيرًا تقطع شهادة التلاوي الطريق على إنكار أصل الأزمة لأن وزيرة مسؤولة حضرت القرار واعترضت عليه وحددت المشروعات التي تلقت التمويل ولذلك تتحمل حكومة السيسي مسؤولية نشر حساب مستقل لتكلفة الأموال وعوائدها ومحاسبة من بددها ورد الحقوق بقيمتها الحقيقية لا ترحيلها إلى عام 2075.