تصاعدت في مصر خلال الأسابيع الأخيرة دعوات صادرة عن شخصيات قريبة من البرلمان ومؤسسات الدولة لتعديل الدستور قبل 2030، في حملة مبكرة انتهت إلى طرح بقاء عبد الفتاح السيسي بعد انتهاء ولايته الحالية.

 

وتكشف هذه الحملة أن السلطة لا تنتظر اقتراب الاستحقاق الرئاسي، بل تبدأ مبكراً في تهيئة المجال العام لقبول تمديد جديد، مستخدمة البرلمان والإعلام وشخصيات سياسية لصناعة انطباع بأن تعديل الدستور ضرورة وطنية.

 

وبينما تعاني البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، يعود النقاش الرسمي وشبه الرسمي إلى السؤال نفسه الذي طارد المصريين لعقود: كيف يبقى الحاكم أطول مدة ممكنة، لا كيف تتغير السياسات أو تُحاسب السلطة.

 

ومن ثم تبدو الطروحات المتعلقة بصلاحيات مجلس الشيوخ والمحليات والسلطة التنفيذية مجرد غلاف سياسي واسع، بينما يبقى جوهر الحملة هو المادة المنظمة للمدد الرئاسية، والطريق الذي يمكن أن يفتح للسيسي ولاية جديدة.

 

وعلى هذا الأساس، لا يبدو فتح الملف قبل 4 سنوات من نهاية الولاية الحالية نقاشاً دستورياً بريئاً، بل عملية جس نبض منظمة لاختبار ردود الفعل، وتطبيع فكرة أن 2030 ليست نهاية مؤكدة.


https://www.youtube.com/watch?v=Wh10O3niDdc

 

 

من جس النبض إلى صناعة الطلب السياسي

 

بدأت الدعوات تتدرج من تصريحات إعلامية متناثرة إلى مداخلات تصدر عن شخصيات داخل المجال التشريعي والسياسي، بما يمنحها وزناً مختلفاً، ويحوّلها من رأي عابر إلى حملة تتقدم خطوة بعد أخرى.

 

وفي البداية، طُرحت مطالب بتوسيع صلاحيات مجلس الشيوخ، ثم ظهرت دعوات لإعادة النظر في مدة الرئاسة، قبل أن تتسع المطالب إلى تغيير باب نظام الحكم ومنح السلطة التنفيذية مساحة أكبر.

 

لاحقاً، جاء طرح المستشار عدلي حسين لتغيير الدستور شكلاً وموضوعاً، وهو طرح يفتح الباب لإعادة بناء النص كله، بما يسمح بتمرير تعديلات واسعة تحت عنوان التخلص من آثار دستورية سابقة.

 

وبالتوازي، ظهرت دعوات مباشرة تسمح باستمرار السيسي سنوات إضافية، مستخدمة التحديات الإقليمية وحالة عدم الاستقرار مبرراً لتأجيل التداول، وكأن الخطر الخارجي يمنح الحاكم حقاً دائماً في البقاء داخل القصر الرئاسي.

 

ويحذر الباحث السياسي عمرو هاشم ربيع من منطق الترويج لعدم وجود بديل، ويرى أن الديمقراطية تعني تداول السلطة وتجديد الدماء، وأن تقييد المدد يمنع التكلس والاحتكار ويفتح المجال أمام برامج وشخصيات جديدة.

 

وبحسب هذا المنطق، فإن تحويل الرئيس إلى ضرورة أبدية يهين المجتمع قبل أن يحمي النظام، لأنه يفترض أن دولة بحجم مصر عاجزة عن إنتاج قيادة أخرى، ويجعل منصب الرئاسة حكراً على شخص واحد.

 

كذلك تكشف التجربة السابقة أن السلطة لا تحتاج إلى إعلان نيتها منذ البداية، إذ يمكنها ترك المقترحات تنتشر عبر الإعلام والبرلمان، ثم تقديمها لاحقاً باعتبارها استجابة لمطالب ظهرت تلقائياً داخل المجتمع.

 

وبالتالي يصبح الصمت الرسمي جزءاً من الحملة، لأن غياب النفي يترك الفكرة تكبر، بينما يتولى المقربون اختبار ردود الأفعال وتعديل الخطاب، حتى يتحول المستبعد سياسياً إلى احتمال قابل للنقاش ثم التنفيذ.

 

 

دستور يفصل على مقاس البقاء

 

تعود ذاكرة المصريين إلى 2019، حين عُدلت مدة الرئاسة من 4 إلى 6 سنوات، وأضيف ترتيب انتقالي مكّن السيسي من الاستمرار حتى 2030، بعدما كان سقف بقائه أقصر وفق القواعد السابقة.

 

ومع ذلك، لم تمنع التعديلات السابقة من عودة المطالب بفتح النص مرة أخرى، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست في قصر المدة، بل في رفض وجود سقف نهائي يفرض انتقال السلطة.

 

ويرى الأكاديمي والحقوقي معتز الفجيري أن موسم الدعاية لتعديل الدستور بدأ بالفعل، وأن المقترحات المتعلقة بالمجالس والمحليات والحريات تبقى تفاصيل هامشية، بينما يتمحور الهدف الأهم حول مدد الرئاسة واستمرار الرئيس الحالي.

 

كما يربط الفجيري هذه الحملة بحالة التصحر السياسي وتقييد المجال العام، معتبراً أن السلطة تستفيد من غياب تحد منظم، ومن أحزاب ملتصقة بالدولة تؤدي دور المعارضة الشكلية دون تغيير حقيقي.

 

وفوق ذلك، تستخدم السلطة خطاب الاستقرار بالطريقة نفسها التي استخدمته طوال السنوات الماضية، فتقدم أي تداول محتمل باعتباره قفزة نحو المجهول، وتحوّل الأزمات الإقليمية إلى بوليصة تأمين سياسية دائمة للحاكم.

 

لكن هذا الخطاب يتجاهل أن الاستقرار الذي يحتاج إلى تعديل الدستور كلما اقتربت نهاية ولاية ليس استقراراً مؤسسياً، بل اعتماد كامل على فرد، وهو ما يكشف هشاشة النظام لا قوته.

 

لذلك تبدو المقارنة مع تعديل 1980 شديدة الدلالة، عندما جُمعت تعديلات متعددة في حزمة واحدة، بينما كان الهدف السياسي الأثقل هو إزالة القيود على مدد الرئاسة وفتح الباب أمام البقاء المفتوح.

 

والآن قد يعاد إنتاج الأسلوب نفسه عبر حزمة تتحدث عن البرلمان والمحليات والحقوق ومدنية الدولة، ثم يوضع داخلها التعديل الحاسم الذي يعيد ترتيب قواعد الرئاسة لمصلحة استمرار السيسي بعد 2030.

 

 

2030 ليس موعداً للانتخابات بل موعداً لإعادة كتابة القواعد

 

من الناحية الدستورية، تضع المادة 226 قيوداً على تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب الرئيس، لكن تجربة 2019 أثبتت أن السلطة قادرة على صناعة ترتيبات انتقالية تغير النتيجة السياسية دون الاعتراف بإلغاء المبدأ.

 

وفي هذا السياق، يشدد أستاذ العلوم السياسية إكرام بدر الدين على أن الدساتير تحتاج إلى الثبات والاستمرارية، وأن تكرار تعديلها خلال مدد قصيرة يضر استقرارها، وأن أي تغيير يجب أن يحقق توافقاً مجتمعياً حقيقياً.

 

غير أن التوافق يبدو بعيداً في بيئة سياسية أُضعفت فيها المنافسة، وقُيدت حرية التنظيم، وغابت عنها القوى القادرة على التفاوض المتكافئ، بينما يحتكر الإعلام القريب من السلطة مساحة تعريف الضرورة والمصلحة العامة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن فتح الدستور تحت ضغط حملة مبكرة يعني أن قواعد المنافسة نفسها قد تُكتب بواسطة المستفيد الأول منها، وهو ما يحول الاستفتاء من اختيار حر إلى تصديق على ترتيبات صُنعت مسبقاً.

 

بناءً على ذلك، لا تبدو القضية خلافاً قانونياً حول مادة أو فقرة، بل صراعاً على آخر مكسب دستوري بقي من ثورة يناير: أن يكون للرئاسة سقف زمني لا يستطيع الحاكم تجاوزه.

 

ولهذا فإن الحملة الجارية لا تستهدف 2030 وحده، بل تستهدف مبدأ انتقال السلطة نفسه، وتعيد المصريين إلى عصر كان فيه الدستور يتغير كلما ضاقت النصوص بطموح الرئيس في البقاء داخل الحكم.

 

وفي المحصلة، تتهيأ السلطة مبكراً لمعركة عنوانها تعديل الدستور، لكن مضمونها الحقيقي هو تمديد حكم السيسي، بينما تُستخدم المخاوف الإقليمية والمشروعات والبرلمان والمحليات ستاراً لإعادة إنتاج الرئاسة المفتوحة بثوب دستوري جديد.