تتصاعد المخاوف من تحول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى بؤرة جديدة للكارثة الإنسانية في السودان، مع استمرار الحصار والحشد العسكري والقصف المتواصل بالطائرات المسيّرة، في وقت يعيش فيه أكثر من نصف مليون مدني، بينهم عشرات الآلاف من النازحين، تحت تهديد مباشر يطال الأسواق والمدارس والمستشفيات ومرافق المياه والكهرباء.
التحذيرات لم تعد محصورة في بيانات القلق، بعدما دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد الحديث عن احتمال تكرار الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر، وصدور تحركات من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإدانة العنف وتشكيل لجنة تحقيق عاجلة في الانتهاكات التي تشهدها الأبيض. كما تزامنت هذه التطورات مع مؤشرات إنسانية شديدة القسوة، بينها إعلان منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» مقتل أكثر من 300 طفل خلال ستة أشهر فقط، في ظل تصاعد حرب الطائرات المسيّرة التي تسببت، بحسب المنظمة، في 60% من الخسائر البشرية.
وفي قلب هذه الأزمة، تتزايد التحذيرات من أن استمرار استهداف البنية التحتية قد يدفع المدينة إلى انهيار شامل. فقد أدى قصف المحطة الرئيسية للكهرباء إلى انقطاع التيار عن مناطق واسعة، وهو ما انعكس على مراكز الطوارئ وغسيل الكلى وهدد حياة المرضى، بينما تتواصل المخاوف من تعطيل خدمات المياه والرعاية الصحية ووصول المساعدات الإنسانية.
أكثر من نصف مليون مدني في قلب الحصار.. وخطر تكرار سيناريو الفاشر
أعرب نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن بالغ القلق إزاء التطورات الخطيرة في مدينة الأبيض، محذرًا من أن أكثر من نصف مليون مدني يعيشون تحت حصار خانق وقصف مستمر بالطائرات المسيّرة تنفذه قوات الدعم السريع.
وبحسب البيان، لم تقتصر الهجمات على المواقع العسكرية، بل طالت الأسواق والمدارس والمستشفيات ومرافق المياه والكهرباء، بما يضع حياة السكان المدنيين في دائرة الخطر المباشر، ويهدد بانهيار الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها مئات الآلاف داخل المدينة.
وحذر الأمين العام من أن استمرار الحشد العسكري حول الأبيض واستهداف الأحياء السكنية والمنشآت المدنية قد يؤدي إلى تكرار الفظائع التي شهدتها الفاشر، رغم التحذيرات الدولية السابقة من خطر وقوع انتهاكات جسيمة يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وتنبع خطورة الوضع في الأبيض من كون المدينة تضم أعدادًا كبيرة من النازحين إلى جانب سكانها الأصليين، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري واسع مرشحًا لإنتاج موجة جديدة من النزوح والمعاناة، في بلد شهد بالفعل واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
وأكد نبيل فهمي ضرورة تكثيف الجهود الدولية والإقليمية المنسقة لمنع انزلاق المدينة إلى كارثة إنسانية وأمنية أكبر، ووقف كل الخطوات التي تؤدي إلى إطالة أمد الحرب، مع التشديد على احترام وحدة السودان وسيادته وسلامته الإقليمية.
وجدد كذلك التأكيد على استمرار الأمانة العامة في دعم الجهود السياسية من خلال الآلية الخماسية التي تضم جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي و«إيغاد»، بهدف تهيئة مسار سياسي سوداني شامل وتشجيع الحوار بين القوى السودانية.
ويستند هذا المسار، بحسب البيان، إلى إعلان جدة لعام 2023 بشأن حماية المدنيين وتخفيف المعاناة الإنسانية، مع العمل على إنهاء الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة.
الأمم المتحدة تتحرك.. لجنة تحقيق عاجلة بعد تصاعد الانتهاكات
مع اشتداد القصف وتزايد التحذيرات، أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقترحًا يندد بتصاعد العنف الذي ترتكبه قوات الدعم السريع في مدينة الأبيض، وأمر بتشكيل لجنة تحقيق عاجلة في الانتهاكات التي تشهدها المدينة.
وجاء القرار خلال جلسة ترأستها بريطانيا، وشهدت استعراضًا لما وصف بأنه فظائع واسعة النطاق تعيد إلى الأذهان ما جرى في شمال دارفور خلال العام الماضي.
ويعكس تحرك مجلس حقوق الإنسان مستوى القلق الدولي من اتجاه المعارك نحو سيناريو أكثر دموية، خاصة مع استمرار الحشد العسكري واستهداف البنية التحتية المدنية.
وكان الدكتور محمد فيصل، المتحدث باسم شبكة أطباء السودان، قد أشار إلى تكثيف قوات الدعم السريع هجماتها بالطائرات المسيّرة على مناطق حيوية داخل الأبيض، ومن بينها المحطة الرئيسية للكهرباء التحويلية.
وأدى استهداف المحطة إلى انقطاع الكهرباء عن أجزاء واسعة من المدينة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المرافق الصحية، خاصة مراكز الطوارئ وغسيل الكلى، وهدد المرضى الذين يعتمدون على أجهزة وخدمات لا يمكن استمرارها دون مصدر منتظم للطاقة.
وتحولت البنية التحتية، في ظل الحرب، إلى نقطة ضعف خطيرة. فاستهداف الكهرباء لا يعني فقط انقطاع الإنارة، وإنما تعطيل المستشفيات، وإرباك خدمات المياه، وإضعاف قدرة فرق الإنقاذ والطوارئ على الاستجابة.
وتزداد خطورة هذه الأوضاع مع دعوات الأمم المتحدة إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وسريع ودون عوائق.
كما دعت المنظمة الدولية الأطراف إلى اتخاذ كل التدابير الممكنة لحماية الأطفال، في وقت أصبح فيه المدنيون، وخاصة صغار السن، من أكثر الفئات تعرضًا للخطر المباشر نتيجة القصف والنزوح وانهيار الخدمات.
300 طفل في ستة أشهر.. المسيّرات تحصد الأرواح والأزمة تتسع
على وقع المعارك في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» أن أكثر من 300 طفل قتلوا خلال الأشهر الستة الماضية، نتيجة الحرب الدائرة في السودان، وبصورة كبيرة جراء الهجمات بالطائرات المسيّرة.
وبحسب المنظمة، تسببت حرب المسيّرات في 60% من الخسائر البشرية، في مؤشر يكشف التحول الخطير في طبيعة الصراع واتساع نطاق التهديد الذي يطال المدنيين بعيدًا عن خطوط المواجهة التقليدية.
وقال شيلدون يت، ممثل اليونيسف في السودان، إن الأطفال يعيشون داخل دائرة من العنف والنزوح والحرمان، في ظل استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
وتأتي هذه الأرقام ضمن حصيلة أوسع للنزاع، الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 59 ألف شخص، وأدى إلى نزوح نحو 13 مليون آخرين، بينما دفعت الحرب مناطق واسعة من السودان نحو المجاعة.
ويحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، ما يجعل أي تصعيد جديد في الأبيض عبئًا إضافيًا على أزمة بلغت بالفعل مستويات شديدة الخطورة.
وأعربت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجهات أخرى عن مخاوفها من احتمال وقوع أعمال وحشية جديدة بسبب القتال للسيطرة على مدينة الأبيض الاستراتيجية.
وتنبع أهمية المدينة من موقعها في شمال كردفان، في وقت انتقل فيه ثقل المعارك بصورة متزايدة إلى ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، ما يجعل مصيرها جزءًا من خريطة أوسع للصراع على السيطرة والنفوذ.
وبين التحذيرات العربية، والتحرك الأممي، والأرقام القاسية التي تكشفها اليونيسف، تبدو الأبيض واقفة على حافة كارثة كبرى. فالحصار مستمر، والمسيّرات تضرب، والخدمات الأساسية تتعرض للشلل، بينما يعيش مئات الآلاف تحت تهديد لا يتوقف.
وإذا استمرت المعارك والحشود العسكرية دون وقف، فإن المخاوف من تكرار «فظائع الفاشر» قد تتحول من تحذير إلى واقع جديد، لتضاف الأبيض إلى قائمة المدن السودانية التي دفعت الثمن الأكبر في حرب أكلت البشر والبنية التحتية ودفعت الملايين إلى النزوح والجوع.

