لا تكاد تمر مناسبة دولية تتعلق بتركيا إلا وتتحول إلى مادة جديدة في وسائل الإعلام الإسرائيلية للتحريض ضدها، ويبدو أن استضافة أنقرة للقمة المقبلة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وما رافقها من استعدادات وُصفت بالناجحة، أعادت هذا الخطاب إلى الواجهة، في ظل تنامي الحضور التركي داخل المعادلات الأمنية والسياسية الغربية.

 

وفي هذا السياق، تناول الكاتب الإسرائيلي يوناثان أديري، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" وترجمته "عربي21"، المكانة المتصاعدة لتركيا داخل الحلف، محاولًا تفسير أسباب الترحيب الغربي المتزايد بها، رغم استمرار التوتر الحاد بينها وبين دولة الاحتلال.

 

قمة الناتو في أنقرة.. لماذا يرحب الغرب بتركيا؟

 

يرى أديري أن التصعيد التركي تجاه إسرائيل "مثير للغضب"، لكنه لم يكن مفاجئًا، خاصة في ظل الحسابات السياسية الداخلية والاستعدادات للمرحلة التي ستلي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

 

ويؤكد أن تركيا تمتلك أوراق قوة لا تملكها حتى إسرائيل، وهو ما يفسر – بحسب وصفه – الترحيب الذي تحظى به من الولايات المتحدة وأوروبا، بالتزامن مع استضافتها قمة الناتو في أنقرة، والإعلان عن مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيها، بعدما تعهد بالحضور وهو يحمل "حقيبة من المفاجآت".

 

ويضيف أن فهم أسباب هذا الترحيب الأمريكي بتركيا يقتضي – بحسب رأيه – استبعاد إسرائيل مؤقتًا من المشهد، لأنها ليست سوى جزء من الصورة، بينما يتمثل المحور الأساسي في التحول الذي تشهده أوروبا نحو تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها ودفاعها التقليدي.

 

وأشار إلى أن هذه الرؤية تنسجم مع ما طرحه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيسيث أمام منتدى الناتو الشهر الماضي، حين قال إن الحلف أصبح "نمراً من ورق" وطريقًا ذا اتجاه واحد، مؤكدًا أن نجاحه خلال الحرب الباردة جاء لأنه كان "منظمة قتالية شرسة".

 

أربع نقاط قوة تمنح تركيا أفضلية داخل الحلف

 

ويشير الكاتب إلى أن قراءة جدول أعمال قمة الناتو تكشف حجم المكانة التي باتت تتمتع بها أنقرة، مستشهدًا بتصريحات نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، التي وصفت تركيا خلال زيارتها لأنقرة بأنها "شريك رئيسي في الأمن والهجرة والطاقة".

 

كما لفت إلى إعلان إدارة ترامب أمام الكونغرس موافقتها على بيع محركات F110 بقيمة 700 مليون دولار لصالح برنامج المقاتلة التركية "كان"، إضافة إلى مشاركة تركيا ومصر وأذربيجان في مناورات "نسر الأناضول"، إلى جانب طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف الناتو.

 

ويرى الكاتب أن تركيا تتفوق على إسرائيل في أربع مزايا رئيسية تجعلها تحقق "اختبار الجدارة" داخل الحلف.

 

أولى هذه المزايا، بحسب قوله، تتمثل في العامل الديموغرافي؛ فحلف الناتو يحتاج إلى المقاتلين أكثر من حاجته إلى الرمزية السياسية، بينما يبلغ متوسط أعمار السكان في تركيا 34 عامًا، مقارنة بـ46 عامًا في ألمانيا و48 عامًا في إيطاليا، وهو ما يمنح أنقرة قاعدة بشرية شابة قوامها نحو 86 مليون نسمة، في وقت تعاني فيه أوروبا نقصًا متزايدًا في الكوادر العسكرية.

 

أما الميزة الثانية فتتمثل في القوة الصناعية والعسكرية، إذ وصف الطائرات المسيّرة التي تنتجها شركة "بيكر" بأنها أنجح منتج عسكري تصديري في العالم، كما أشار إلى أن مشروع المقاتلة التركية "كان" حصل على أول عقد تصدير لتوريد 48 طائرة إلى إندونيسيا، فضلًا عن تصنيع محركات F110 داخل تركيا بموجب ترخيص، إلى جانب مساهمة الصناعات التركية في عدد من سلاسل الإنتاج الحيوية للاقتصاد الأوروبي.

 

الميزة الثالثة، وفق الكاتب، تكمن في امتلاك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو، إلى جانب امتلاكها استعدادًا فعليًا للتدخل العسكري، وهو ما ظهر في ليبيا والصومال وسوريا وإقليم قره باغ، حيث شاركت القوات التركية بصورة مباشرة، وأقامت قواعد عسكرية دائمة في بعض تلك المناطق، ولم تتردد – بحسب تعبيره – في مواجهة روسيا عندما اقتضت الضرورة.

 

أما الميزة الرابعة، فتتمثل في قدرة أنقرة على تحويل أزماتها إلى فرص، إذ يرى أن تداعيات الحرب الإيرانية أرهقت الاقتصاد التركي، لكنها دفعت الحكومة إلى الانفتاح على الاستثمارات وإبرام الصفقات، بالتوازي مع امتلاكها ورقة ضغط استراتيجية تتمثل في التحكم بمسارات تدفق اللاجئين من الشرق وإفريقيا نحو أوروبا، في وقت تمثل فيه الهجرة إحدى أكبر القضايا التي تواجه القارة.

 

التصعيد ضد إسرائيل.. حسابات داخلية ورسائل للخارج

 

ويعتبر الكاتب أن التصريحات المتشددة الصادرة عن الرئيس أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان تجاه إسرائيل لا تعكس بالضرورة جوهر الاستراتيجية التركية، بل تمثل مزيجًا بين الشعور المتزايد بالقوة نتيجة التقارب مع واشنطن وأوروبا، وبين اعتبارات السياسة الداخلية.

 

ويقول إن أردوغان يحتاج إلى انتخابات مبكرة أو إلى تعديل دستوري يسمح له بالترشح مجددًا، بينما يستعد فريقه بالفعل للاستحقاقات المقبلة، ويبرز اسم فيدان ضمن أبرز المرشحين لخلافته، وفي ظل الأزمة الاقتصادية، تصبح – بحسب وصف الكاتب – "الورقة الإسرائيلية" من أقل أدوات التعبئة السياسية تكلفة داخل الساحة التركية.

 

ويضيف أن تركيا، رغم الإرباك الذي أصاب استراتيجيتها الإقليمية بعد التطورات الأخيرة، أثبتت قدرة كبيرة على التكيف، مشيرًا إلى أنها انتقلت من الاستعداد لدفع ثمن رفض استخدام القوات الكردية في الحرب على إيران، إلى التنسيق غير المعلن مع إدارة ترامب، بالتزامن مع ما وصفه بـ"تراجع تماسك حلف الناتو".

 

ويرى أن هذه التطورات لا تبعث على الارتياح داخل إسرائيل، لأن الاعتراضات الإسرائيلية على تنامي الدور التركي ستكون – بحسب تقديره – محدودة التأثير أمام حجم المصالح الغربية مع أنقرة.

 

وفي ختام مقاله، ورغم نبرة التحريض الواضحة ضد تركيا، يخلص الكاتب بصورة غير مباشرة إلى الاعتراف بأن أنقرة باتت تمتلك عناصر قوة عسكرية وأمنية واقتصادية وديموغرافية تجعلها تحظى بأولوية متزايدة لدى الولايات المتحدة وأوروبا، وهي ميزات يرى أنها لا تتوافر بالقدر نفسه لدى إسرائيل، وهو اعتراف يعكس التحولات الجارية في موازين النفوذ داخل المنطقة، أكثر مما يعبر عن رغبة في الإشادة بتركيا نفسها.