لطالما حاول قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي غسل يده من الأزمات التي عصفت بالمصريين منذ انقلابه على الرئيس المنتخب محمد مرسي، في ظل انهيار العملة المصرية (الجنيه) أمام الدولار، وهو ما كان سببًا مباشرًا في تفاقم الأزمات المعيشية في بلد يعاني من أوضاع اقتصادية سيئة، واللجوء إلى سياسة الاقتراض من أجل تنفيذ مشاريع يجمع الخبراء على أنه لا طائل منها.
 

وبدلاً من أن يعترف بمسؤوليته المباشرة عما آلت إليه الأوضاع في البلاد، يرى السيسي أن أحداث ثورة 25 يناير 2011 والاضطرابات التي تلتها هي السبب الجذري والأساسي وراء قفز سعر الدولار من 6 جنيهات إلى مستويات الـ 50 جنيهًا.
 

ويتنافى ذلك مع تحميل الخبراء السياسة العامة للدولة المسؤولية عن انهيار الجنيه خلال السنوات التي تلت الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، إذ تتحمل السياسات الاقتصادية والمالية التي تبنتها حكومة الانقلاب والبنك المركزي منذ عام 2014 مسؤولية أساسية في تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، وذلك وفقًا لتقارير مؤسسات التصنيف الدولية وصندوق النقد الدولي ومحللي الاقتصاد.

 

وتُقسّم المبادرة المصرية للحقوق الشخصية فترة ما بعد ثورة 25 يناير إلى فترتين بحسب مصادر النقد الأجنبي، وشهدت الفترة الأولى تعويضًا فاق أثر نقص الموارد الدولارية، وشهدت الفترة الثانية نقصًا طفيفًا، بما لا يجعل ندرة المتحصلات الدولارية هي السبب في ندرة الدولار.

 

الفترة 2011-2013:


طرأ نقص طفيف في بعض الموارد المعتادة للنقد الأجنبي، مثل السياحة وقناة السويس. إلا أن مقابل تلك الموارد كانت هناك زيادة في الاستثمار الأجنبي والصادرات وأخرى غير مسبوقة في تحويلات العاملين للخارج، وهو ما غطى كثيرًا على النقص.

 

وعلى الرغم من تلك الزيادة، خلال العامين الأولين من الثورة، شهدت الاحتياطات الدولية نزيفًا فقدت خلاله أكثر من 20 مليار دولار، لتقف عند 15.5 مليار دولار في مايو 2012.

 

إذن كانت هناك زيادة صافية في العائدات الدولارية للبلاد خلال الأعوام الثلاثة الأول للثورة. وتقدر هذه الزيادة (2-1) بأكثر من 14 مليار دولار.أيْ أنَّ أيَّ خطاب حكومي رشيد وموضوعي كان ينبغي أن يشيد بفضل الثورة على زيادة تدفقات النقد الأجنبي التي دخلت مصر خلال الأعوام الثلاثة التالية للثورة.

 

ويعزو الخبراء انهيار الجنيه إلى جملة من السياسات الهيكلية والنقدية في النقاط التالية:

 

تثبيت سعر الصرف


اتبع البنك المركزي لسنوات سياسة تثبيت سعر الصرف ودعم الجنيه أمام الدولار للحفاظ على استقرار الأسعار محليًا، وكبدت هذه السياسة الدولة مليارات الدولارات من احتياطياتها النقدية ومن أموال البنوك التجارية للدفاع عن عملة مقومة بأعلى من قيمتها الحقيقية. وأدى ذلك إلى لجوء المستوردين للسوق الموازية في ظل شح المعروض من الدولار، مما عمّق الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.

 

سياسات التعويم 


مع اتخاذ قرار التعويم في نوفمبر 2016، خفضت مصر قيمة الجنيه رسميًا بنحو 50 بالمائة كشرط أساسي لبرنامج صندوق النقد الدولي. وفي عامي 2022 و2023، واجهت مصر شحًا حادًا في العملة الصعبة مما أدى لتراجعات متتالية، وفي مارس 2024، تم خُفض الجنيه ليتجاوز حاجز الـ 45 والـ 50 جنيهاً مقابل الدولار للقضاء على السوق السوداء. 

 

 التوسع المفرط في الاقتراض الخارجي


تضاعف الدين الخارجي لمصر عدة مرات لتغطية عجز الموازنة وتمويل المشروعات (163.9 مليار دولار، وذلك وفقًا لآخر بيانات معلنة من البنك المركزي المصري)، مما جعل مصر واحدة من أكبر الدول المقترضة من صندوق النقد الدولي. وتحولت النسبة الأكبر من التدفقات الدولارية الواردة للبلاد إلى سداد أقساط وفوائد الديون بدلاً من توجيهها للاستثمار الإنتاجي.

 

 التركيز على مشروعات البنية التحتية 


وُجهت مئات المليارات من الدولارات والجنيهات نحو مشروعات عملاقة مثل المدن الجديدة (العاصمة الإدارية)، والتوسع في شبكة الطرق، وتشييد الكباري، وواجهت هذه المشاريع انتقادات على نطاق واسع في ظل التوسع فيها، على الرغم من الأوضاع الاقتصاية السيئة، بخاصة أن هذه المشروعات لا تولد تدفقات دولاريه سريعة أو صادرات مباشرة تساعد في سداد الديون التي تم الاقتراض بها لإنشائها.

 

الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة


اعتمدت السياسة النقدية على جذب استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية (أذون وسندات الخزانة) عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في العالم، وهذه الأموال بطبيعتها غير مستقرة؛ فعند حدوث أي أزمة عالمية (مثل قرار الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة)، خرجت أكثر من 20 مليار دولار من مصر في أسابيع معدودة، مما أحدث صدمة عنيفة للمعروض الدولاري.

 

مزاحمة الجيش للقطاع الخاص 


أدى توسع الأجهزة الحكومية والشركات التابعة للجيش في الأنشطة الاقتصادية إلى إحجام القطاع الخاص المحلي والأجنبي عن التوسع، بخاصة وأن هذه الشركات تتمتع بمميزات نتيجة الإغفاء الضريبي، ورخص العمالة، وهو ما أدى إلى تراجع استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة) في قطاعات الصناعة والزراعة والتصدير، وهي المصادر الوحيدة الكفيلة بخلق تدفقات دولارية مستدامة.

 

استمرار فجوة الاستيراد


لم تنجح السياسات الاقتصادية في تقليل الاعتماد على استيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة، مما جعل المصانع المحلية رهينة لتوافر الدولار في البنوك. واستمرت الصادرات في مستويات منخفضة مقارنة بحجم الاستيراد الضخم، مما حافظ على وجود "فجوة تمويلية" مزمنة بين ما تحتاجه الدولة من دولارات وما تحققه فعليًا.