شهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي مساء السبت 4 يوليو 2026 افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة في العاصمة الجديدة مرتديا الزي العسكري للمرة السادسة منذ استيلائه على كرسي الحكم، فانتهت المناسبة إلى استعراض سياسي وعسكري أعاد سؤال هوية الحاكم إلى الواجهة.
وجاء الظهور بعد 13 عاما من انقلاب 3 يوليو 2013 على الرئيس المنتخب د. محمد مرسي، ووسط أزمة معيشية خانقة ومساحة سياسية مغلقة، ليبدو الزي دليلا على أن النظام ما زال يطلب هيبته من الثكنة لا المواطنين.
6 عودات إلى الزي العسكري وذاكرة لم تغادر الثكنة
في المقابل، لم تكن هذه المرة الأولى التي يستدعي فيها السيسي صورته القديمة كضابط، فقد ظهر بالزي العسكري في شمال سيناء يوم 4 يوليو 2015 بعد هجمات استهدفت مواقع للجيش والشرطة ودفعت السلطة إلى استعراض التماسك.
بداية، حمل ظهوره الأول رسالة دعم للجنود بعد هجمات الشيخ زويد، لكنه دشن أيضا نمطا سياسيا متكررا، كلما احتاجت السلطة إلى صورة قوة عاد الرئيس الذي ترك الخدمة رسميا إلى الزي الذي يمنحه رمزية القيادة العسكرية.
ثم ارتدى السيسي الزي للمرة الثانية في 6 أغسطس 2015 خلال افتتاح قناة السويس الجديدة، وجال على متن المحروسة وسط عروض عسكرية كثيفة، فاختلط مشروع مدني اقتصادي بمشهد احتفالي صيغ بمنطق الانتصار العسكري والزعامة الفردية.
لاحقا، ظهر بالزي للمرة الثالثة في 5 يناير 2017 أثناء تدشين الأسطول الجنوبي في سفاجا، حيث رفع العلم على وحدات بحرية جديدة، مؤكدا مرة أخرى أن المناسبات الكبرى في عهده تقدم عبر بوابة الجيش وصورته.
بعد ذلك، جاءت المرة الرابعة في 25 فبراير 2018 خلال افتتاح قيادة قوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب، بالتزامن مع عملية سيناء الشاملة، ليعود الزي بوصفه أداة تعبئة تربط شرعية الحاكم باستمرار الخطر والحرب والطوارئ.
ومع المرة الخامسة في 19 أكتوبر 2018، ارتدى السيسي زي القوات الجوية خلال تفقد قاعدة جوية ثم تابع مشروع مستقبل مصر، في مزج جديد بين المؤسسة العسكرية والمشروعات المدنية تحت صورة رئيس يبدو قائدا أولا.
أخيرا، عاد الزي للمرة السادسة عند افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، لكن الفارق هذه المرة أن المناسبة جاءت بعد 12 عاما من استيلائة رسميا على الحكم، ما يجعل التفسير البروتوكولي أضعف ويجعل الدلالة السياسية أكثر إلحاحا وقسوة.
وبذلك، تبدو المناسبات الست خيطا واحدا لا حوادث منفصلة، فالزي يظهر عند الحرب والمشروعات والافتتاحات، وكأن النظام يحتاج دوريا إلى إعادة تقديم صاحبه باعتباره ابن المؤسسة التي حملته إلى السلطة ثم غطت حكمه بانتخابات صورية.
رئيس مدني على الورق وقائد عسكري في الصورة
أما المفارقة الأوضح، فهي أن السيسي قال في خطاب استقالته يوم 26 مارس 2014 إنه يقف أمام المصريين للمرة الأخيرة بزيه العسكري، قبل أن يتحول ذلك الوعد نفسه إلى مشهد تكرر ست مرات خلال سنوات حكمه.
علاوة على ذلك، لم يعد الرجل ضابطا عاملا منذ استقالته للترشح للرئاسة، ولذلك فإن عودته المتكررة إلى الزي تكشف تناقضا بين الصفة المدنية القانونية والصورة السياسية التي يصر على إنتاجها أمام الجيش والجمهور.
ومن زاوية أخرى، لا يتعلق الأمر بمجرد حق القائد الأعلى في حضور مناسبات عسكرية، لأن السيسي لا يكتفي بالحضور، بل يصوغ المشهد كاملا حول شخصه بين العربات المكشوفة والتحية والمدافع والطائرات والقادة المصطفين حوله.
هنا، تمنح قراءة الباحث يزيد صايغ معنى أعمق للمشهد، إذ يرى أن نظام السيسي يقوم على صلاحيات رئاسية مفرطة داخل وصاية عسكرية ناشئة، وأن أولوية الجيش السياسية صارت ركنا أساسيا في الجمهورية التي أعاد تشكيلها.
في هذا السياق، يصبح الزي إعلان ملكية سياسية للمنظومة أكثر منه حنينا شخصيا للماضي، فالرئيس المدني لا يظهر باعتباره مراقبا للمؤسسة العسكرية، بل كجزء عضوي منها ومركز أعلى لشبكة السلطة التي تحكم الدولة.
ومن ثم، فإن مشهد افتتاح مقر يفترض أنه مركز لإدارة الدولة يعيد ترتيب الصورة على نحو فاضح، لأن مؤسسات الدولة المدنية تظهر ضيوفا في احتفال عسكري، بينما يقف الرئيس بالزي بين قادة الجيش بوصفهم قلب المشهد.
وبحسب ناثان براون، لعبت القوات المسلحة منذ 2011 دورا استثنائيا في قلب الحكم وعلى نطاق واسع من الملفات، وهي قراءة تجعل الزي السادس متسقا مع واقع توسعت فيه المؤسسة العسكرية داخل المجال السياسي والمدني.
كذلك، فإن مقر القيادة الجديد لا يقدم نفسه كمبنى عسكري فقط، بل كمنظومة لربط مستويات القرار وإدارة الأزمات والظروف الاستثنائية، ما يوسع السؤال عن الجهة التي أصبحت تمسك بمفاتيح الدولة حين تذوب الحدود المؤسسية.
رسالة ولاء أم قلق من تصدع داخل الحكم؟
غير أن السؤال الأكثر حساسية هو لماذا يحتاج السيسي، بعد كل هذه السنوات من القبضة الأمنية وإغلاق المجال العام، إلى تذكير الجيش بأنه واحد منهم، ولماذا يختار لحظة كهذه كي يعيد تثبيت صورته داخل العائلة العسكرية.
لذلك، لا يمكن الجزم بأن الرجل يخشى تحركا بعينه دون دليل مباشر، لكن القراءة السياسية تسمح بسؤال مشروع حول القلق من الولاءات، خصوصا حين يصبح استعراض القرب من الجيش ضروريا بهذا الحجم بعد 12 عاما من الحكم.
أما الأشد دلالة، فهو أن يزيد صايغ وصف ولاء المؤسسة العسكرية للسيسي بأنه ولاء تعاقدي يمكن أن يجعل الرئيس نفسه رهينة لمصالحها، وهي ملاحظة تفسر لماذا تبدو إشارات القرب والامتياز والهوية المشتركة ضرورة مستمرة.
في المقابل السياسي، يرى روبرت سبرينغبورغ أن استمرار الحكم العسكري في مصر يستند إلى بنية تاريخية شديدة الرسوخ، وهو ما يجعل ارتداء الزي رسالة إلى المؤسسة بأن الحاكم لم يغادر معسكرها رغم تغير صفته الرسمية.
استنادا إلى ذلك، يمكن قراءة السيارة المكشوفة والتحية العسكرية والمدافع والطائرات واصطفاف القيادات كرسالة داخلية قبل أن تكون عرضا للجمهور، فصاحب السلطة يعيد تثبيت موقعه في قمة الهرم الذي صنع صعوده ويحمي بقائه.
وعليه، فإن الخوف المحتمل ليس بالضرورة خوفا من انقلاب وشيك، بل قد يكون خوفا أوسع من أي تصدع في شبكة الولاء، أو من اهتزاز صورة الرجل الذي يحتكر القرار ويمنع ظهور مراكز قوة منافسة داخل النظام.
ومع ذلك، يكشف الإصرار على الزي مأزقا أعمق، فالحاكم الذي امتلك أجهزة الدولة والبرلمان والإعلام لم ينجح في بناء شرعية مدنية مستقلة عن المؤسسة العسكرية، ولذلك يعود إلى الزي كلما أراد إعلان القوة والهيبة والاستمرار.
في المحصلة، لا يفتتح السيسي مقرا جديدا بقدر ما يعيد افتتاح السؤال القديم نفسه، من يحكم مصر فعليا، رئيس مدني يستمد شرعيته من المواطنين أم قائد سابق يصر على مخاطبة الدولة من داخل الذاكرة العسكرية.
وأخيرا، فإن الزي السادس لا يمحو فقط وعد المرة الأخيرة، بل يفضح جوهر نظام حاول تسويق نفسه كجمهورية جديدة بينما بقيت صورته الأشد صدقا هي مغتصب للحكم بزي عسكري يطلب من الجيش أن يتذكر دائما أنه واحد منهم.

