سلطت مجلة سبيكيد (Spiked) البريطانية الضوء على التقرير المسرب للاستخباراات الداخلية في ألمانيا حول مدى نفوذ الإسلاميين على المؤسسات العامة.
وجاء في التقرير السري الذي حصلت عليه صحيفة "بيلد" الألمانية الشعبية في أوائل يونيو الجاري، أن "وكالة الاستخبارات الداخلية تحذر من نفوذ الإسلاميين على المؤسسات الألمانية".
ونقل التقرير عن سنان سيلين، رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية، قوله إن الإسلاميين، وجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص، يركزون على استراتيجية طويلة الأجل تهدف إلى "تحويل عمليات صنع القرار الاجتماعي والسياسي تدريجيًا".
موقف الحكومة الألمانية
وعلقت المجلة البريطانية، قائلة: "من الصعب تحديد أيهما أسوأ: التهديد الذي يشكله الإسلاميون بحد ذاته، أم رغبة الدولة الألمانية في إبقاء هذا التهديد سرًا؟، إذ اعتبرت أن برفضها نشر هذه المعلومات، توحي الحكومة ضمنًا بعدم إمكانية الوثوق بالمواطنين في التعامل معها.
وأشارت إلى أن سبب التكتم واضح، "فهذه التحذيرات الصادرة عن جهاز الاستخبارات الداخلية لا تتوافق مع الرواية الرسمية التي تُصوّر الهجرة الإسلامية، في مجملها، كقصة نجاح. وهي تُحرج بلا شكّ عددًا كبيرًا من السياسيين الذين لم يكتفوا بتجاهل المشاكل التي تُثيرها، بل تعمّدوا غضّ الطرف عنها، ليُظهروا أنفسهم على نحو أفضل كمدافعين مُستنيرين وفاضلين عن أقلية اختاروها على أنها جديرة بالحماية بشكلٍ فريد".
واعتبرت أن الأمثلة على هذا الموقف متعددة، ففي الخامس عشر من مارس، استضافت برلين "يومًا لمناهضة الإسلاموفوبيا" (بينما لا تحظى الأقليات الأخرى - كالهندوس أو البوذيين - بيوم مماثل). وقد رُوِّج لهذه المناسبة، التي ستُحتفل بها سنويًا، على أنها تهدف إلى تعزيز "التنوع والتماسك الاجتماعي".
تعرض المسلمين للعنصرية
أحد المبررات التي تقدمها النخب في المدينة هو أن المسلمين يتعرضون للعنصرية بشكل غير متناسب. في مقابلة تلفزيونية، قالت جانسل كيزيلتيبي، وزيرة التنوع ومكافحة التمييز في برلين، أن "60% من سكان برلين يكنّون تحيزات معادية للمسلمين". وقالت إن "العنصرية ضد المسلمين حقيقة مُرّة لكثير من الناس"، وأنه "قد حان الوقت لأن يُظهر (عمدة برلين ومجلس الشيوخ) تقديرهما لـ400 ألف مسلم في المدينة".
واستندت في ذلك إلى استطلاع رأي أجرته صحيفة " برلين مونيتور"، الممولة بشكل كبير من قبل عمدة برلين ومجلس شيوخها. وقد أظهر الاستطلاع، الذي اعتمد على استبيانٍ قدّم للمواطنين خيارًا ثنائيًا في الغالب "نعم/لا"، أن 58% من سكان برلين يوافقون على أن "الإسلام معادٍ للنساء بجميع أشكاله"، بينما رفض 61% الادعاء بأن "المسلمين يدعون إلى مجتمع منفتح". ورأى 42% أن عدد المسلمين في ألمانيا مرتفع للغاية، وأكد 36% أن "المسلمين يخططون لأسلمة الغرب تدريجيًا".
وأوضحت: "لا شك أن هناك الكثير مما يُقال حول مشاكل هذه التعميمات- فمن الواضح أن ليس كل المسلمين يرغبون في أسلمة الغرب. ولكن إذا كان لتحذير الاستخبارات الداخلية أي قيمة، فإنه يُظهر أن مخاوف هؤلاء المواطنين مُبررة جزئيًا على الأقل. بل إن هؤلاء الألمان أقل سذاجة وتهورًا من قطاعات واسعة من حكومتهم".
وتابعت: "في الحقيقة، كان زحف الإسلاميين عبر المؤسسات الألمانية مستمرًا منذ سنوات، ولم تُسهم التحذيرات من "الإسلاموفوبيا" إلا في تسريع هذه العملية. وبدلاً من المخاطرة بالانتقاد، فضّل كثيرون ممن يشغلون مناصب السلطة غض الطرف، حتى مع تزايد وضوح أن جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من المنظمات الإسلامية المتطرفة قد أمضت سنوات في بناء علاقات مع مسؤولين حكوميين ومنظمات غير حكومية ألمانية، في عملية تبادلية، حيث كانت الدولة الألمانية على استعداد تام لتعزيز هذه العلاقات ودعمها"، وفق قولها.
التعليم الديني في المدارس الحكومية
ومن الأمثلة على ذلك التعليم الديني الإسلامي في المدارس الحكومية، حيث يشارك عشرات الآلاف من الأطفال في هذه الحصص سنويًا، منهم 60 ألفًا في عام 2020 وحده. وعلى الرغم من المخاوف المتكررة، لا تزال بعض إدارات التعليم تتعاون بشكل وثيق مع الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (DITIB )- أكبر منظمة إسلامية جامعة في ألمانيا، ويشرف على نحو 900 مسجد- ويعمل تحت الإشراف المباشر لهيئة الشؤون الدينية التركية (ديانت). إلى جانب ذلك، هناك مئات المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلًا حكوميًا وتعمل بتعاون وثيق مع الحكومة.
وتجلّى حجم المشكلة قبل أسابيع، عندما انتقدت المحكمة الاتحادية الألمانية للمراجعين بشدة الحكومة لتمويلها منظمة تُدعى "الإغاثة الإسلامية في ألمانيا". وكانت أجهزة الاستخبارات الداخلية تُشير سرًا إلى صلات المنظمة بجماعة الإخوان المسلمين لسنوات عديدة، ومع ذلك استمرت وزارة الخارجية في تحويل الأموال إليها. ورفضت الوزارة، كحال الدولة الألمانية عمومًا، الكشف عن ترتيبات التمويل، مُتذرعةً بمصالح أمنية مزعومة. ولم يُكشف عن هذه الترتيبات إلا بعد أن رفع صحفيون من منظمة "فوكس" دعوى قضائية، ما أدى إلى نشر تقارير كشفت عن مدفوعات بلغت قيمتها 15 مليون يورو للمنظمة.
مشكلة ألمانيا مع الإسلام
وأشار عالم السياسة الألماني من أصل سوري، بسام طيبي، منذ فترة طويلة إلى مشكلة ألمانيا مع الإسلام. وفي مقابلة أجريت معه عام 2024، انتقد عجز الحكومة الألمانية عن مطالبة المهاجرين بالاندماج. وأوضح أن الإسلام المنظم في ألمانيا "متشدد"، وأن جمعيات المساجد الرئيسة تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي. وعلى الرغم من أن هذه الجمعيات لا تمثل سوى أقلية من المسلمين، إلا أنها "تُطالب بمطالب قوية، وتتعامل معها المؤسسة السياسية كنقاط اتصال رئيسة"، مما يُعزز نفوذها ويُشجعها.
ويرى طيبي أن المشكلة الأعمق تكمن في أن ممثلي الإسلام السياسي يواجهون طبقة سياسية إما أنها لا تملك الكثير لتقدمه في المعارضة أو أنها تسعى جاهدة للتقرب منهم. وعندما سُئل عن رأيه في إضاءة وتزيين شوارع فرانكفورت وكولونيا خلال شهر رمضان، وصف طيبي ذلك بأنه مثال آخر على استرضاء السياسيين للإسلاميين، وهو أمر يرسل إشارة خاطئة فيما يتعلق بالاندماج. وقد دأبت ألمانيا على ارتكاب هذا الخطأ لسنوات، وفق قوله.
وتابعت: "يجب الإصغاء إلى تحذير أجهزة الاستخبارات الألمانية نفسها. لقد حان الوقت للألمان أن يتحدثوا بحرية عن خطر الإسلام السياسي".
https://www.spiked-online.com/2026/06/28/islamism-poses-a-clear-threat-to-german-public-life/

