أعلنت ريشيو بتروليوم الإسرائيلية اتفاقها على شراء فاروس إنرجي، المالكة لأصول في مصر وفيتنام، مقابل 124.3 مليون جنيه إسترليني، لتفتح الصفقة بابًا سياسيًا واقتصاديًا حساسًا حول مصير أصول إنتاج مصرية قائمة.

 

سياسيًا، لا تبدو الصفقة مجرد انتقال أسهم بين شركتين للطاقة، بل حلقة جديدة في اقتصاد يطبع الوقائع قبل أن يشرحها للناس، ويترك المصريين أمام سؤال: من يملك حق تقرير وجهة مواردهم.

 

أصول مصرية على مائدة صفقة خارجية

 

بداية، تمنح الصفقة ريشيو بتروليوم مدخلًا مباشرًا إلى محفظة إنتاج قائمة في مصر وفيتنام، بعدما ركزت الشركة تاريخيًا على التنقيب، قبل أن تتجه إلى شراء أصول منتجة تقلل مخاطر الانتظار.

 

وبالتالي، فإن الأهمية لا تكمن فقط في قيمة الصفقة، بل في طبيعة الأصول نفسها، لأنها مرتبطة بإنتاج قائم وتراخيص عاملة، لا بمجرد وعود مستقبلية أو مناطق استكشاف بعيدة الاحتمال.

 

كما أن فاروس لم تدخل الصفقة وهي في وضع منهار، بل بعد تمديد تراخيص فيتنام، وسداد ديونها، واسترداد مستحقاتها المصرية، وهو ما يطرح سؤالًا عن توقيت البيع بعد تنظيف الدفاتر.

 

لذلك، يبدو المشهد كأن الشركة أصبحت أكثر جاذبية بمجرد أن دفعت مصر المتأخرات، ثم وجدت نفسها على طاولة استحواذ تمنح المشتري الجديد مكاسب مالية وتشغيلية وسياسية دفعة واحدة.

 

ومن ثم، فإن دافعي الضرائب لا يرون سوى نصف الصورة، فالحكومة تسدد للشركات الأجنبية لتشجيع الإنتاج، بينما لا يسمع المواطن نقاشًا عامًا حول من يدخل السوق بعد هذه التسويات.

 

غير أن شروط الصفقة تكشف أن إتمامها لا يزال مرتبطًا بموافقات مساهمي فاروس، والموافقات التنظيمية في مصر وفيتنام، بما يجعل القاهرة طرفًا حاسمًا لا مجرد متفرج على انتقال الملكية.

 

علاوة على ذلك، حصلت ريشيو على تعهدات دعم من مساهمين يمثلون نحو 41.76% من رأس مال فاروس، ما يمنح الصفقة زخمًا قويًا، قبل أن تقول السلطات المصرية كلمتها النهائية.

 

في المقابل، يقدم العرض لمساهمي فاروس قيمة تصل إلى 28 بنسًا للسهم، تشمل مقابلًا نقديًا وتوزيعات، بينما يغيب المواطن المصري عن معادلة الربح رغم أن جزءًا من القيمة جاء من أصول مصرية.

 

تصفير المستحقات ثم فتح الباب

 

بناءً على ذلك، يصبح ملف المستحقات المصرية محورًا لا يمكن تجاهله، إذ أعلنت فاروس أنها حصلت على 12.6 مليون دولار في 2026، بينها 3.8 ملايين في يونيو، لتصفير الرصيد المتأخر.

 

كذلك، سبقت هذه المدفوعات دفعة قدرها 20 مليون دولار في نهاية ديسمبر 2025، وهي خطوة قالت الشركة إنها خفضت الرصيد المتبقي، قبل أن يكتمل السداد لاحقًا لأول مرة منذ 2019.

 

ومن ناحية أخرى، فإن تسوية المستحقات ليست تفصيلًا محاسبيًا، بل عامل جذب استثماري، لأنها تعني أن الدولة استخدمت موارد شحيحة لإعادة الثقة لشركات الطاقة الأجنبية بعد سنوات من التأخر.

 

لكن السؤال المعارض هنا مشروع: إذا كان تصفير المستحقات يرفع قيمة الأصول ويشجع الاستحواذ، فما الضمان أن المصريين سيحصلون على طاقة أرخص أو إنتاج أعلى أو شفافية أكبر.

 

في هذا السياق، رأى بدر الصراف، المحلل الاقتصادي في ستاندرد تشارترد، أن سداد مستحقات شركات النفط خطوة مهمة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الواردات، لكنه ربط الأثر بتحسن فعلي في الاستثمار.

 

إلا أن هذا المنطق يظل ناقصًا إذا لم يتحول إلى التزام معلن بزيادة الإنتاج داخل مصر، لأن المستثمر لا يأتي بدافع الخير العام، بل يبحث عن عائد وضمانات وربح قابل للتحويل.

 

ثم إن فاروس أعلنت استئناف الحفر في مصر ضمن برنامج من 6 آبار، بعد تسوية المستحقات، ما يعني أن الدولة دفعت أولًا، ثم عاد النشاط، ثم جاءت صفقة الاستحواذ بسرعة لافتة.

 

وفوق ذلك، يشير تقييم أوكتوس أدفايزرز إلى أن فاروس دخلت 2026 بمحفظة إنتاج وأرباح وتوزيعات وفرص حفر، وهو ما يؤكد أن الشركة لم تكن أصلًا هامشيًا عند لحظة التفاوض.

 

طاقة تحت ضغط الحرب والديون

 

على صعيد أوسع، تأتي الصفقة وسط حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، وتقلبات في أسعار الطاقة، وضغوط على فاتورة الاستيراد المصرية، ما يجعل أي تغيير في ملكية أصول الطاقة ملفًا سياسيًا بامتياز.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن جذب الاستثمار، يعيش المواطن أثر أزمة الطاقة في أسعار الوقود والكهرباء والنقل، ثم يجد أصولًا عاملة تنتقل بين شركات أجنبية دون حوار عام أو رقابة شعبية.

 

كما حذر فيليب دوبانتاناس، رئيس التحليل الجيوسياسي في ستاندرد تشارترد، من أن ممرات الطاقة الاستراتيجية ستظل محل قلق للأسواق، حتى لو هدأت التوترات، بسبب هشاشة خطوط الإمداد العالمية.

 

لذلك، لا يمكن قراءة دخول شركة إسرائيلية إلى أصول مرتبطة بمصر بعيدًا عن الإقليم المشتعل، ولا عن حاجة القاهرة للعملة والطاقة والاستثمار، ولا عن ضعف الموقف التفاوضي تحت ضغط الديون.

 

ومن زاوية السوق، قال ستيفان فوكو، محلل أوكتوس أدفايزرز، إن فاروس تجمع بين زيادة التوزيعات وإعادة تأكيد التوجيهات، وهي إشارة إلى أن الشركة كانت تقدم قصة استثمارية مستقرة نسبيًا.

 

غير أن استقرار فاروس للمساهمين لا يعني بالضرورة استقرارًا للمصلحة المصرية، فالشركة الجديدة قد تدرس بيع حصة من أصول مصر لطرف ثالث، بما يفتح بابًا آخر لإعادة تدوير الملكية.

 

علاوة على ذلك، تحتاج الصفقة إلى موافقة مصرية على انتقال الحقوق والالتزامات بشكل غير مباشر، وإلى مراجعة من جهاز حماية المنافسة، ما يجعل الصمت الرسمي غير مقبول أمام حساسية الملكية.

 

في النهاية، لا تكشف الصفقة فقط عن توسع شركة إسرائيلية، بل عن اقتصاد مصري يبيع الطمأنة للمستثمرين ويدفع المتأخرات ويطلب الثقة، بينما يترك المجتمع خارج معرفة شروط الطاقة والسيادة والربح.

 

وبذلك، يصبح السؤال الأهم ليس هل تكتمل الصفقة في النصف الأول من 2027، بل هل تملك مصر شروطًا واضحة تحمي إنتاجها وقرارها، أم أن الأصول ستظل تتحرك فوق رؤوس الناس.