أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا ترحيل 88 مهاجرًا من الجنسية البنغالية عبر مطار معيتيقة الدولي بالعاصمة طرابلس، بعد وجودهم في مركز إيواء شرقي العاصمة، واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية لإعادتهم إلى بلدهم الأم.
ويأتي القرار في بلد تحول منذ سنوات إلى محطة عبور خطرة للمهاجرين نحو أوروبا، حيث تختلط عمليات الإنقاذ والترحيل بخلفية إنسانية معقدة، تشمل الاتجار بالبشر، ومراكز الإيواء، والضغوط الأوروبية، وغياب دولة ليبية موحدة قادرة على إدارة الملف بشفافية كاملة.
ترحيل من معيتيقة بعد الإيواء والإجراءات
أفاد جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بأن المرحلين الـ88 كانوا من نزلاء مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرقي العاصمة طرابلس، قبل نقلهم عبر مطار معيتيقة الدولي، في إطار إجراءات قال الجهاز إنها تمت وفق القوانين والمواثيق الدولية المنظمة لعمليات الترحيل والعودة.
وبحسب بيان الجهاز، جاءت عملية الترحيل بعد إنقاذ هؤلاء المهاجرين واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة، وهي صيغة رسمية تؤكد أن العملية لم تكن مجرد نقل جماعي، بل جزءًا من مسار إداري يبدأ من الاحتجاز أو الإيواء وينتهي بالترحيل.
غير أن استخدام تعبير «العودة» يفتح سؤالًا مهمًا حول طبيعة العملية: هل كانت عودة طوعية بالكامل، أم ترحيلًا إداريًا بعد احتجاز داخل مركز إيواء؟ فالفارق بين الحالتين أساسي من زاوية الحقوق والحماية القانونية.
كما أن ترحيل مهاجرين من الجنسية البنغالية ليس حالة معزولة، إذ سبق الإعلان عن عمليات مشابهة عبر معيتيقة، منها ترحيل مهاجرين أفغان، وعمليات أخرى شملت بنغاليين وباكستانيين وجنسيات أفريقية مختلفة خلال الأسابيع الماضية.
ولذلك تبدو العملية جزءًا من سياسة أوسع تنتهجها السلطات الليبية في التعامل مع المهاجرين غير النظاميين، عبر مراكز الإيواء والترحيل الجوي أو البري، وسط ضغوط داخلية وخارجية مرتبطة بملف الهجرة نحو السواحل الأوروبية.
ليبيا كمعبر خطر لا كوجهة نهائية
تحولت ليبيا منذ سقوط نظام القذافي إلى واحدة من أكثر نقاط العبور خطورة في البحر المتوسط، حيث يستخدمها مهاجرون من بنغلاديش والسودان ومصر ونيجيريا ودول أخرى للوصول إلى أوروبا، غالبًا عبر شبكات تهريب منظمة تستغل الفقر والحروب وانعدام الفرص.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ترحيل 88 مهاجرًا بنغاليًا باعتباره إجراءً إداريًا فقط، بل كحلقة في مسار طويل يبدأ من بلد المنشأ، ويمر بشبكات سماسرة وطرق صحراوية ومراكز احتجاز، وينتهي إما بمحاولة عبور البحر أو العودة القسرية.
كما أن وجود مهاجرين بنغاليين في ليبيا يعكس اتساع خريطة الهجرة غير النظامية، فالأمر لم يعد مرتبطًا بجوار ليبيا الأفريقي فقط، بل يمتد إلى آسيا، حيث تدفع الأزمات الاقتصادية وانعدام فرص العمل كثيرين إلى رحلات مكلفة وخطرة.
ومن ناحية أخرى، تستخدم السلطات الليبية مثل هذه العمليات لتأكيد سيطرتها على ملف الهجرة وإظهار الالتزام بالقوانين، خصوصًا أمام الشركاء الأوروبيين، لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى مراقبة مستقلة تضمن أن كل عودة تتم باحترام الكرامة الإنسانية.
غير أن المعضلة الأكبر تكمن في مراكز الإيواء نفسها، إذ تحذر منظمات حقوقية منذ سنوات من ظروف احتجاز قاسية في بعض مراكز المهاجرين في ليبيا، ومن مخاطر التعرض للاستغلال أو العنف أو الابتزاز داخل منظومة متشعبة ومجزأة.
ولذلك فإن الحديث عن «استكمال الإجراءات القانونية» يجب أن يظل مرتبطًا بسؤال الشفافية: هل حصل المرحلون على فرصة للتواصل مع قنصلياتهم؟ هل جرى تقييم احتياجات الحماية؟ هل مُنحوا حق الاعتراض أو طلب المساعدة؟
بين الأمن والحقوق والضغوط الأوروبية
يمثل ملف الهجرة في ليبيا تقاطعًا شديد الحساسية بين الأمن والحقوق والسياسة الدولية، فالدول الأوروبية تريد الحد من تدفق المهاجرين نحو شواطئها، والسلطات الليبية تريد إثبات قدرتها على الضبط، بينما يبقى المهاجر الحلقة الأضعف في المعادلة.
وفي ظاهر الأمر، تبدو عمليات الترحيل وسيلة لتنظيم الوجود الأجنبي غير النظامي، لكنها تتحول إلى مشكلة إنسانية إذا جرت بصورة جماعية دون ضمانات فردية، أو إذا أعيد أشخاص إلى ظروف لا تسمح بسلامتهم أو كرامتهم.
كما أن وصف المرحلين بأنهم «غير شرعيين» يخفي أحيانًا تعقيدًا أكبر، فبعض المهاجرين قد يكونون ضحايا تهريب أو اتجار بالبشر، وبعضهم قد دخل ليبيا بحثًا عن عمل لا عن عبور، وبعضهم عالق بين سلطات متنازعة وحدود مغلقة.
لذلك تحتاج ليبيا إلى سياسة هجرة لا تقوم فقط على القبض والإيواء والترحيل، بل على فرز الحالات، والتنسيق القنصلي، وتوفير بدائل للعودة، ومحاسبة شبكات التهريب، وضمان عدم تحول مراكز الإيواء إلى مناطق خارج الرقابة.
ومن ناحية حقوقية، فإن العودة المنظمة لا تكون قانونية فقط لأنها تمت عبر مطار وبأوراق، بل لأنها تضمن موافقة المهاجر أو على الأقل سلامة الإجراء، وتمنع الإعادة إلى خطر، وتوفر للموقوفين مترجمين ومعلومات ومساعدة قانونية عند الحاجة.
أما من ناحية سياسية، فإن استمرار ترحيل دفعات متكررة من مهاجرين آسيويين وأفارقة يعكس حجم الضغط على ليبيا كدولة عبور، لكنه يكشف أيضًا غياب حل إقليمي عادل يعالج جذور الهجرة في بلدان المنشأ والعبور والمقصد.
وفي النهاية، فإن ترحيل 88 مهاجرًا بنغاليًا من معيتيقة ليس مجرد رقم في بيان أمني، بل عنوان لملف متشابك بين اليأس الاقتصادي، وشبكات التهريب، والحدود الأوروبية، ومراكز الإيواء الليبية، وحق كل إنسان في معاملة كريمة حتى عند إعادته إلى بلده.

