بقلم د/ عبد الله سيف
تمر الدولة المصرية بمنعطف تاريخي تتشابك فيه الأزمات الهيكلية المحلية مع اضطرابات إقليمية ودولية غير مسبوقة. وفي محاولة لمواجهة هذه التحديات الوجودية، تبنت السلطة السياسية في العقد الأخير استراتيجية مكثفة تعتمد على نقل نمط الإدارة العسكرية إلى الفضاءين الإداري والاقتصادي المدنيين. وتحت لافتات "الانضباط، والسرعة، وحماية الأمن القومي"، جرى التوسع في إسناد المشروعات الكبرى للمؤسسة العسكرية، واشتراط الدورات العسكرية لتأهيل الكوادر المدنية من قضاة وأئمة ودبلوماسيين وموظفي تكنولوجيا المعلومات.
ورغم أن هذا النموذج يطرح نفسه كطوق نجاة لضبط إيقاع الدولة، إلا أن القراءة العميقة لآثاره على المديين المتوسط والطويل تكشف عن مخاطر هيكلية قد تفوق في كُلفتها العوائد المؤقتة للانضباط الظاهري.
تقوم العقيدة الإدارية للمؤسسة العسكرية على التراتبية الصارمة، والتنفيذ الحرفي للأوامر، والامتثال الكامل لخطط القيادة العليا. ورغم أهمية هذه القيم في ميادين القتال والإغاثة الطارئة، إلا أن إسقاطها على الجهاز المدني للدولة (البيروقراطية) يُنتج آثارًا عكسية:
- قتل المبادرة الفردية: إن تحويل الموظف العام أو التكنوقراطي إلى عنصر في منظومة لا تقبل النقاش، يؤدي إلى ضمور قدرته على الابتكار وإيجاد حلول مرنة للأزمات اليومية المعقدة. الإدارة الحديثة تقوم على اللامركزية وحرية تدفق المعلومات، بينما الإدارة العسكرية تقوم على المركزية الشديدة وحجب المعلومات.
- الولاء قبل الكفاءة: عندما يصبح معيار الترقي والتعيين وتولي المناصب القيادية هو "التحصين الفكري" والاجتياز الأمني للدورات العسكرية، تتراجع معايير التنافسية المهنية والكفاءة الفنية. هذا الإقصاء غير المعلن للخبرات المستقلة يدفع بالبلاد نحو فقر إداري حاد في وقت تحتاج فيه مصر لأعلى درجات التخصص والابتكار لمواجهة أزمات كالمياه، والطاقة، والديون.
يمثل التوغل الاقتصادي للمؤسسات التابعة للقوات المسلحة في قطاعات المدنيين والأغذية والمقاولات أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري حاليًا. وتتجلى مخاطر هذا التوغل في نقطتين رئيسيتين:
- غياب التنافسية العادلة: تتمتع الكيانات الاقتصادية العسكرية بمزايا تفضيلية لا تتوفر لأي فاعل في القطاع الخاص، مثل الإعفاءات الجمركية والضريبية، وتوافر العمالة الرخيصة (المجندين)، وسرعة تخصيص الأراضي، والحصانة القضائية ضد النزاعات التجارية الاعتيادية. هذه البيئة تصنع "سوقًا مشوهة" لا تقوم على الكفاءة والتسعير العادل، مما يدفع برأس المال الوطني والقطاع الخاص المستقل إلى الانكماش أو الهروب.
- طرد الاستثمار الأجنبي المباشر: يتردد رأس المال الأجنبي كثيراً قبل دخول أسواق تكون فيها "الدولة بزيها العسكري" هي المنافس والحكم في آن واحد. فالمستثمر يبحث عن بيئة قانونية مدنية، وشفافية في البيانات المالية، وقضاء تجاري مستقل؛ وهي شروط تتآكل تدريجيًا مع اتساع رقعة الاقتصاد غير الخاضع لرقابة الأجهزة المدنية كالجهاز المركزي للمحاسبات أو البرلمان.
إن عسكرة تأهيل الأئمة والدعاة والمعلمين، وفرض أقسام يمين جديدة، يحمل في طياته محاولة لـ "هندسة الوعي الاجتماعي" وفق قالب واحد ومحدد. خطورة هذا التوجه تكمن في:
- إضعاف السلم المجتمعي: عندما يجري الربط بين الرواية السياسية الرسمية للدولة وبين "صحيح الدين والوطنية"، فإن أي نقد للسياسات الاقتصادية أو الاجتماعية يصبح في نظر السلطة "تهديدًا للأمن القومي" أو "خروجًا عن الصف". هذا التنميط يلغي المساحات الوسيطة للنقاش العام، ويحول الاختلاف الطبيعي في الرؤى إلى صراع صفري.
- أزمة المصداقية للمؤسسات الدينية والثقافية: عندما يشعر المواطن أن الداعية أو المفكر أو الإعلامي يتحدث بلغة "التوجيه المعنوي" وليس بنبض الشارع أو انطلاقاً من استقلالية التخصص، تسقط مصداقية هذه المنابر، مما يدفع الجماهير (خاصة الشباب) للبحث عن بدائل خارج الأطر الرسمية، وهو ما يفتح الباب مجددًا للتطرف أو الاغتراب التام عن قضايا الوطن.
منظور آخر لخطورة هذا النهج يتعلق بالمؤسسة العسكرية ذاتها. فإقحام الجيش في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين (من إدارة المخابز والتموين إلى التعيين في النقل والري) يحمّل هذه المؤسسة العريقة مسؤولية الأزمات الحياتية والمعيشية في نظر الشارع.
في النظم المدنية، تتحمل الحكومات والوزراء الفشل والنجاح، ويتم تغييرهم عبر صناديق الاقتراع أو التعديلات الوزارية دون أن تهتز صورة الدولة. أما في نموذج "العسكرة الشاملة"، فإن أي إخفاق اقتصادي أو تراجع خدمي يمس مباشرة شرعية وصورة المؤسسة التي استقرت في وجدان المصريين كرمز للحماية والدفاع عن الحدود، مما يضع استقرار البلاد بأكمله على المحك.
إن مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المعقدة المحيطة بمصر لا تتطلب تحويل المجتمع إلى ثكنة عسكرية تُدار بالخطوة المنتظمة، بل تتطلب بناء "دولة مؤسسات مدنية قوية ومستقلة".
الاستقرار الحقيقي والمستدام لا ينتج عن غلق المجال العام وفرض الامتثال، بل يولد من رحم التعددية، وحرية البحث العلمي، وتمكين القطاع الخاص، ومنح المساحة للمجتمع المدني ليتنفس ويقود قاطرة التنمية البشريّة. إن إعادة صياغة العلاقة بين العسكري والمدني على أسس الدستور، والمهنية، والفصل الواضح بين أدوار الحماية الجيوسياسية وأدوار التنمية المحلية، هي الخطوة الأولى والضرورية لإنقاذ مستقبل التطور والإبداع والنمو في مصر.

