حذر وزراء ري مصريون سابقون، من تداعيات جديدة لسد النهضة على مصر والسودان، بينها خسارة مصر 8% إلى 10% من حصتها التاريخية، وتعرض السودان لمخاطر فيضانات كارثية.

 

وفي لحظة تتعلق فيها حياة ملايين المصريين والسودانيين بشريان النيل، يبدو التعويل على وعود دونالد ترامب أشبه باعتراف متأخر بفشل سنوات طويلة من التفاوض، بينما تواصل إثيوبيا فرض الأمر الواقع على دولتي المصب.

 

كما أن تصريحات ترامب الداعمة للوساطة تمنح القاهرة والخرطوم ورقة دبلوماسية جديدة، لكنها لا تمحو حقيقة أن السد اكتمل وتشغل منفرداً، وأن الاتفاق القانوني الملزم ما زال غائباً عن المشهد.

 

من الجفاف إلى الفيضان

 

لذلك يضع سد النهضة دولتي المصب أمام معادلة قاسية، فمصر تخشى سنوات الجفاف ونقص الإيراد، بينما يقف السودان في مواجهة مباشرة مع أي تصريف مفاجئ أو تشغيل غير منسق للسد الإثيوبي.

 

ومن ثم أكد الدكتور حسام الدين مغازي، وزير الري المصري الأسبق، أن السودان يأتي في مقدمة المتضررين، بسبب قربه الجغرافي الشديد من السد، إذ يبعد نحو 20 كيلومتراً فقط عنه.

 

غير أن الخطر السوداني لا يقتصر على زيادة المياه، بل يمتد إلى احتمال خروج النهر عن مساره، وتهديد السدود السودانية الواقعة على المجرى، وغرق مساحات واسعة إذا جاءت التدفقات بلا تنسيق.

 

علاوة على ذلك، أعادت فيضانات 2025 إحياء الجدل حول التشغيل الأحادي، بعدما اتهمت وزارة الري المصرية إثيوبيا بتصريفات منفردة ومتهورة، بينما نفت أديس أبابا وقالت إن السد خفف الأضرار.

 

بناءً على ذلك، يصبح السودان الحلقة الأضعف في أي خطأ تشغيل، لأنه يتلقى الصدمة المائية أولاً، بينما تعاني بنيته التحتية أصلاً من الحرب والانقسام وانهيار قدرات الإنذار والاستجابة.

 

في المقابل، تطمئن القاهرة إلى خطوط دفاع هندسية، بينها بحيرة ناصر والسد العالي ومنخفضات توشكى، غير أن وجود خطوط دفاع لا يعني غياب الخطر، بل يؤكد فداحة السيناريوهات المحتملة.

 

كذلك تحدث مغازي عن بحيرة ناصر كخط دفاع أول، ثم منخفضات توشكى بسعة تصل إلى 120 مليار متر مكعب، قبل السد العالي ومفيض الطوارئ كخط دفاع ثالث.

 

مصر أمام نزيف مائي صامت

 

إلى جانب خطر الفيضان، يرسم الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، سيناريو الجفاف باعتباره الوجه الآخر للأزمة، حيث قد تضطر مصر إلى تفريغ مخزون السد العالي لتعويض النقص.

 

لزيادة القلق، توقع علام دخول النيل الأزرق مرحلة فيضانات منخفضة، بما يعني استنزافاً تدريجياً لمخزون مصر المائي، خصوصاً إذا تكررت سنوات الجفاف دون قواعد تشغيل واضحة وملزمة لإثيوبيا.

 

كما قدّر علام أن مصر قد تفقد سنوياً ما بين 8% و10% من حصتها المائية التاريخية بسبب فواقد التخزين خلف السد، مثل التبخر والتسرب، دون استفادة إثيوبيا من هذه المياه.

 

غير أن خطورة هذه النسبة لا تظهر في الرقم وحده، بل في بلد يعاني أصلاً من فقر مائي مزمن، وزيادة سكانية ضخمة، واعتماد شبه كامل على النيل في الزراعة والشرب والصناعة.

 

ومن زاوية سياسية، تكشف هذه الأرقام أن الأزمة ليست خلافاً فنياً على توربينات أو كهرباء، بل نزاع وجودي على حق الحياة، لأن كل مليار متر مكعب مفقود يترجم إلى أرض عطشى وأسعار أعلى.

 

فضلاً عن ذلك، فإن السودان يستقطع حصته قبل وصول المياه إلى مصر، كما أوضح علام، ما يجعل أي فقد أو اضطراب في الإيراد أكثر حساسية عند الحدود المصرية وفي إدارة مخزون السد العالي.

 

إزاء ذلك، لا يبدو الاتفاق القانوني الملزم ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة لحماية دولتي المصب من المزاج التشغيلي الإثيوبي، خاصة في سنوات الجفاف الممتد أو عند التصريفات المفاجئة بعد مواسم الأمطار.

 

ومن ناحية فنية، يربط الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أزمة السد بغياب الشفافية الكاملة حول السعة والتشغيل والمخاطر، لا بمجرد اكتمال البناء أو توليد الكهرباء.

 

وعود ترامب وسؤال السيادة المائية

 

على الصعيد الدبلوماسي، عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير 2026 استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن نزاع مياه النيل، وأعلن تقديره لمخاوف القاهرة من سد النهضة.

 

ثم عبّر الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تقديره لعرض ترامب، بينما رحب السودان أيضاً بالدور الأميركي، في وقت تتمسك فيه مصر والسودان باتفاق ملزم وتنحاز إثيوبيا لإرشادات غير ملزمة.

 

ومع ذلك، فإن الرهان على واشنطن يحمل مفارقة مؤلمة، فملف النيل الذي كان يفترض أن تحميه قوة الدولة ومؤسساتها صار ينتظر تعهداً من رئيس أميركي قد يتغير موقفه بتغير الحسابات.

 

كما أن تجربة الوساطة الأميركية السابقة لم تصل إلى اتفاق نهائي بعدما تعثرت في 2020، وهو ما يجعل التفاؤل الحالي مشروطاً بوجود ضغط حقيقي لا مجرد تصريحات سياسية مريحة للقاهرة.

 

وبالتالي فإن وعد ترامب قد يفتح نافذة تفاوض، لكنه لا يغلق فجوة الثقة، لأن إثيوبيا أنجزت السد وافتتحته، وتتعامل معه كورقة سيادية وتنموية، بينما تدفع دولتا المصب كلفة غياب الاتفاق.

 

من هنا، يصبح الموقف المصري مطالباً بالخروج من انتظار الوعود إلى بناء ضغط قانوني وسياسي وإقليمي، يعيد القضية إلى مربع الحقوق المائية لا مربع المجاملات والتحركات الموسمية.

 

وعلى المستوى الإنساني، فإن الحديث عن 10% من حصة مصر ليس رقماً في تقرير، بل تهديد مباشر للغذاء والعمل والريف والدلتا، وفتح لباب جديد من الهجرة الداخلية والفقر.

 

أما السودان، فيواجه خطراً مزدوجاً، فيضانات محتملة من التشغيل غير المنسق، وضعفاً داخلياً بسبب الحرب، ما يجعل أي خطأ إثيوبي أو تأخر في الإنذار كارثة لا تقف عند حدود النهر.

 

في النهاية، تكشف تداعيات سد النهضة أن المنطقة دخلت مرحلة ما بعد التحذير، حيث لم يعد الخطر افتراضياً، بل صار بين فيضانات موثقة، وسيناريوهات جفاف، وخسائر مائية، ووساطة أميركية معلقة.

 

وعليه، فإن حماية النيل لا تبدأ من التصفيق لوعود ترامب، بل من اتفاق قانوني ملزم يحدد الملء والتشغيل والتصريف أثناء الجفاف والفيضانات، ويحمي مصر والسودان من الابتزاز المائي.